استفاق اللبنانيون صباح اليوم على منشورات سياسية وُزعت في عدد كبير من المناطق اللبنانية، من الجنوب إلى الشمال، واستهدفت عدداً من النواب على خلفية مواقفهم من قانون العفو العام، في تحرك بدا منظماً وموحداً في مضمونه وشكله.
وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، فإن ناشطين من قطاع الشباب في “التيار الوطني الحر” تولوا توزيع هذه المنشورات في مختلف المناطق اللبنانية، في إطار تحرك اعتراضي على مواقف النواب المعنيين. وصُممت المنشورات على هيئة “بيان سجل عدلي”، وحملت موقفاً سياسياً شديد اللهجة، قبل أن تختتم بعبارة: “لروح الشهدا، لعيون المظلومين، لكرامة شعب… ما لح نستسلم!”.

وفي جزين، سارع النائب في “القوات اللبنانية” سعيد الأسمر إلى نقل القضية من ملعب السياسة إلى الأجهزة الأمنية، فأعلن عبر منصة “إكس” أنه تواصل مع الجهات الأمنية المختصة ووضع الصور والمعطيات المتوافرة في تصرفها، طالباً فتح تحقيق لكشف هوية الأشخاص والجهة التي تقف خلف توزيع المنشورات، معتبراً أن ما جرى قد ينطوي على “ترهيب أو تهديد مباشر أو مبطن”.
لكن موقف الأسمر يفتح باباً واسعاً أمام سؤال يتجاوز مضمون المنشورات نفسها: منذ متى أصبح توزيع منشور سياسي معارض سبباً لاستنفار الأجهزة الأمنية والبحث عن أصحابه وكشف هوياتهم؟
فالمشكلة ليست في حق “القوات” أو نوابها في رفض مضمون المنشورات والرد عليها، بل في الذهنية التي اختارت بها التعامل مع اعتراض سياسي. فبدل مواجهة موقف بموقف، اختارت استدعاء الأمن. وبدل الرد على ناشطين سياسيين في السياسة، طُلب فتح تحقيق لكشف هوياتهم.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر قسوة. فـ”القوات اللبنانية” تعرف جيداً معنى أن يُلاحَق الشباب بسبب منشور أو موقف أو تحرك سياسي، وهي بنت جزءاً كبيراً من خطابها على رفض هذه الممارسات والدفاع عن الحريات. لكنها حين أصبح الاعتراض موجهاً إليها، بدت مستعدة للجوء إلى المقاربة نفسها التي لطالما رفعت الصوت ضدها.
ما حصل لا يمكن اختزاله بورقة وُزعت فجراً. القضية تتعلق بعقلية سياسية ترى في الاعتراض عليها مسألة تستوجب تدخل الأجهزة الأمنية. وهذه عقلية تحمل طابعاً قمعياً واضحاً، لأنها تنقل الخلاف من مساحة التعبير السياسي إلى مساحة التحقيق الأمني.
إذا احتوى أي منشور على تهديد صريح أو جرم محدد، فالقانون والقضاء هما المرجع. أما تحويل تحرك سياسي منظم إلى ملف أمني لمجرد أنه استفز نائباً أو حزباً، فمسار مختلف كلياً ويستحق التوقف عنده.
فالحرية لا تُقاس بمدى قبول الكلام المؤيد، بل بالقدرة على تحمل الكلام المعارض، والديمقراطية لا تعني حماية السياسي من النقد، بل حماية حق خصمه في التعبير من دون أن يجد الأجهزة الأمنية في مواجهته.

وبين منشور وزعه شباب “التيار” من الجنوب إلى الشمال، ونائب في “القوات” يطلب فتح تحقيق لكشف هوية الموزعين، يعود السؤال إلى الواجهة: هل باتت حرية التعبير في قاموس “القوات اللبنانية” حقاً مشروطاً بألا يكون الاعتراض موجهاً إليها؟
