بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

زيارة تتجاوز الحدود... قائد الجيش الباكستاني في مهمة حساسة بطهران

زيارة تتجاوز الحدود... قائد الجيش الباكستاني في مهمة حساسة بطهران

يصل قائد قوات الدفاع وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران، الاثنين، على رأس وفد رفيع، في زيارة تتجاوز العلاقات الثنائية إلى واحد من أكثر الملفات الإقليمية حساسية، في ظل الدور الذي تضطلع به إسلام آباد كوسيط بين إيران والولايات المتحدة ومحاولاتها إبقاء باب التسوية مفتوحًا ومنع انزلاق المواجهة إلى جولة جديدة.


وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن زيارة منير تأتي استكمالًا للجهود الباكستانية الرامية إلى «تعزيز السلام والأمن في المنطقة»، فيما أكدت مصادر حكومية باكستانية لـ«رويترز» حصول الزيارة واستمرار الاتصالات المباشرة بين طهران وإسلام آباد.


وسبق الزيارة اتصال هاتفي بين منير ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بحث خلاله الجانبان التطورات الإقليمية والجهود السياسية والدبلوماسية الهادفة إلى تعزيز الاستقرار في غرب آسيا، في خطوة بدت تمهيدًا للمحادثات المباشرة التي سيجريها الوفد الباكستاني في العاصمة الإيرانية.


وتشير المعطيات الإيرانية إلى أن باكستان لا تزال تؤدي دور الوسيط في الاتصالات بين طهران وواشنطن، مع استمرار نقل الرسائل بين الجانبين في محاولة لإحياء مسار التفاوض وإنهاء الحرب، وهي مهمة اكتسب فيها عاصم منير خلال الأشهر الماضية وزنًا سياسيًا يتجاوز موقعه العسكري داخل باكستان.


وتأتي الزيارة في لحظة شديدة الحساسية، بالتزامن مع تهديد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتشديد الضغوط الاقتصادية على إيران وإعداد حزمة عقوبات جديدة، فيما تتمسك طهران بأن أي تسوية يجب أن تقود إلى إنهاء الحرب وتخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.


ولهذا، يُنتظر أن يكون مستقبل الاتصالات الإيرانية - الأميركية حاضرًا بقوة على طاولة منير في طهران، إلى جانب التطورات العسكرية والأمنية في المنطقة وملف الملاحة في مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى إحدى أعقد نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران.


وليس الدور الباكستاني جديدًا. فمنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تحولت إسلام آباد إلى إحدى أهم قنوات الاتصال بين الطرفين، واستضافت جولات واتصالات دبلوماسية، فيما تولى منير شخصيًا نقل مقترحات ورسائل بين العاصمتين.


وفي نيسان الماضي، زار منير طهران في إطار مسعى باكستاني لإعادة إطلاق المفاوضات، وأجرى محادثات مع مسؤولين إيرانيين ركزت على وقف التصعيد والتوصل إلى ترتيبات تضمن سلامًا مستدامًا في المنطقة. كما عاد إلى العاصمة الإيرانية في أيار ضمن محاولة أخرى لدفع الطرفين نحو اتفاق.


وتُوجت الوساطة الباكستانية لاحقًا بمذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في حزيران، إلا أن المفاوضات بشأن اتفاق نهائي تعثرت بعد ذلك بسبب الخلافات حول الضمانات الأمنية وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ما أعاد إسلام آباد إلى موقع الوسيط الذي يحاول منع انهيار المسار السياسي بالكامل.


وفي موازاة الملف الأميركي، تحمل زيارة منير بعدًا أمنيًا مباشرًا في العلاقات بين إيران وباكستان، إذ تشترك الدولتان بحدود طويلة تمتد لنحو 900 كيلومتر، لطالما شكّلت مصدرًا للتوتر بسبب نشاط جماعات مسلحة وشبكات تهريب وحركات انفصالية على جانبي الحدود.


ووصل التوتر بين البلدين إلى ذروته في كانون الثاني 2024، عندما نفذت إيران وباكستان ضربات متبادلة عبر الحدود استهدفت كل منهما ما قالت إنها مواقع لجماعات مسلحة، قبل أن تسارع طهران وإسلام آباد إلى احتواء الأزمة وإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، مع الاتفاق على تعزيز التنسيق الأمني واحترام سيادة البلدين.


ومنذ ذلك الحين، اتخذ الطرفان سلسلة خطوات لرفع مستوى التعاون في إدارة الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة والتهريب والهجرة غير النظامية، وصولًا إلى اتفاقات خلال الأشهر الأخيرة على توسيع التنسيق في الأمن ومكافحة المخدرات وإدارة المعابر.


وتحظى هذه الحدود بأهمية مضاعفة بالنسبة إلى باكستان، التي تخشى أن يؤدي أي اضطراب واسع داخل إيران إلى تعزيز نشاط الجماعات المسلحة في إقليم بلوشستان، حيث تواجه إسلام آباد أصلًا حركة تمرد انفصالية ومخاطر أمنية متزايدة. وكانت مصادر أمنية باكستانية قد حذرت سابقًا من أن زعزعة استقرار إيران قد تخلق فراغًا تستفيد منه الجماعات المسلحة المنتشرة على جانبي الحدود.


ويتداخل الأمن مع الاقتصاد أيضًا. فطهران وإسلام آباد تعملان على رفع حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار، بعدما بقي جزء كبير من التجارة الحدودية خارج القنوات الرسمية، واتفقتا أخيرًا على تنشيط الأسواق الحدودية وتحسين المعابر والخدمات الجمركية وإبقاء بعض نقاط العبور مفتوحة على مدار الساعة.


أما بالنسبة إلى إيران، فإن العلاقة مع باكستان تكتسب أهمية إضافية في المرحلة الحالية بسبب ما تتمتع به إسلام آباد من قنوات مفتوحة مع واشنطن ودول الخليج وتركيا، فضلًا عن موقعها كقوة نووية وامتلاك مؤسستها العسكرية نفوذًا كبيرًا في صناعة القرار الخارجي والأمني.


وهنا يبرز عاصم منير تحديدًا. فخلال الحرب، انتقل قائد الجيش الباكستاني تدريجيًا من دور عسكري تقليدي إلى موقع الوسيط المباشر في عدد من الاتصالات الإيرانية - الأميركية، وشارك في اجتماعات تناولت مقترحات وقف الحرب وإعادة إطلاق المفاوضات، ما جعل زياراته إلى طهران تحمل رسائل سياسية بقدر ما تحمل ملفات أمنية.


لذلك، لا تبدو زيارة الاثنين مجرد جولة جديدة في العلاقات الإيرانية - الباكستانية. فتوقيتها، بعد اتصال منير بعراقجي وقبيل مرحلة جديدة من الضغط الأميركي على طهران، يجعلها محطة يمكن أن تكشف ما إذا كانت إسلام آباد تحمل مقترحًا جديدًا قادرًا على إعادة تحريك المفاوضات، أو أن مهمتها ستقتصر على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع التصعيد.


وفي الحالتين، تضع الزيارة باكستان مجددًا في قلب المعادلة الإقليمية: جار لإيران يخشى امتداد الفوضى إلى حدوده، وشريك لواشنطن قادر على التواصل معها، وقوة عسكرية تحاول تحويل هذه العلاقات المتشابكة إلى ورقة وساطة في واحدة من أخطر أزمات المنطقة.