بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

الحروب المتكرّرة تُطيل "أمد العزوبية" . عند اللبنانيين ..بقلم : سمر يموت

الحروب المتكرّرة تُطيل "أمد العزوبية" . عند اللبنانيين ..بقلم : سمر يموت

بين الانهيار الاقتصادي والهجرة وحربين متتاليتين، تبدّلت حسابات كثيرة لدى اللبنانيين، ويبدو أن الزواج لم يكن بمنأى عنها. فقرار تكوين أسرة، الذي ارتبط طويلاً بالاستقرار وبناء المستقبل، بات لدى شريحة من الشباب محاطاً بأسئلة أكثر قلقاً.. هل يمكن تأسيس عائلة في بلد لا يضمن استقرارها؟ وهل يمكن تحمّل مسؤولية أطفال في ظل أزمات اقتصادية وأمنية لا تنتهي؟

هذا التحوّل لا يظهر في الانطباعات وحدها، بل بدأت ترسمه الأرقام أيضاً. ففي دراسة ديموغرافية حديثة للباحث المتخصص في الديموغرافيا الدكتور شوقي عطية، برز "تراجع واضح في الإقبال على الزواج أو إطالة أمد العزوبية" في لبنان.


تُظهر البيانات الرسمية أن عدد الزيجات المسجلة بلغ 40,232 حالة عام 2011، قبل أن يتراجع في السنوات اللاحقة. وعشية الانهيار الاقتصادي، سُجلت 34,076 حالة زواج عام 2019، لتنخفض إلى 29,493 في 2020، سنة الأزمة والإقفال بسبب جائحة "كورونا"، ثم ترتفع مجدداً إلى 33,661 حالة عام 2021.


أما في سنة الحرب 2024، فتراجع العدد إلى 25,628 حالة فقط، أي أقل بنحو 36 في المئة من الرقم المسجل عام 2011.




لكن ماذا تقول الأرقام عن المجتمع نفسه؟ وهل نحن أمام شباب يؤجلون الزواج إلى حين تحسن الظروف، أم أمام تغيير أعمق في نظرتهم إليه؟


تربط الأخصائية في علم النفس الاجتماعي الدكتورة ناديا شحرور ما يحدث بعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية متشابكة، وترى أن الأزمة والحرب أضافتا بُعداً جديداً إلى حسابات تكوين الأسرة.

الحرب والرغبة في تكوين أسرة

ففي ظل الأزمة الاقتصادية، لم يعد الزواج قراراً عاطفياً واجتماعياً فحسب، بل بات مرتبطاً بالقدرة على تحمّل كلفة المنزل والمعيشة والأطفال. ومع الحرب، يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل يستطيع الشاب أن يؤمّن لأولاده احتياجاتهم؟ وماذا يفعل بهم إذا اتسعت الحرب؟ وهل يستطيع حمايتهم أو الانتقال بهم إلى مكان آمن؟


هنا، قد تنقلب لدى البعض الصورة التقليدية للأسرة. فبدلاً من أن تكون مصدراً للأمان والاستقرار، تصبح مسؤولية إضافية يخشى الفرد ألا يكون قادراً على تحمّلها. بمعنى آخر، لم تعد الأزمة تؤثر فقط في "موعد الزواج"، بل يمكن أن تؤثر في الرغبة في خوض التجربة وتكوين أسرة من الأساس.

غير أن المال والحرب لا يفسران الظاهرة وحدهما. فمفهوم الزواج، وفق شحرور، يتبدل مع العمر والنضج والتجارب، من قصة حب في بدايات الشباب إلى شراكة واستقرار وبناء أسرة لاحقاً. كما تغيّرت الأدوار التقليدية داخل المنزل مع عمل المرأة وسعيها إلى تحقيق ذاتها واستقلالها، لتتجه العلاقة أكثر نحو شراكة يتقاسم فيها الزوجان الأعباء والمسؤوليات، بدلاً من نموذج الرجل المعيل والمرأة التي "تستند إليه".



تبدّلت مواصفات الشريك

لقد تبدلت مؤخّراً مواصفات "الشريك المناسب". فالمعايير التقليدية المرتبطة بالعائلة والأصل والمكانة والسمعة الاجتماعية لم تختفِ، لكنها لم تعد وحدها في الصدارة. وتقول شحرور إن الاهتمام بات يتجه أكثر إلى الشخص نفسه: "مدى نضجه وطموحه ومرونته وقدرته على التكيف وبناء مستقبل مشترك".


وسائل التواصل و"الفردانية"

ثمة عامل آخر يؤثر في خيارات الجيل الجديد، يتمثل في الانفتاح على أنماط حياة مختلفة. فوسائل التواصل والتكنولوجيا والانفتاح على الثقافات الغربية عززت، وفق شحرور، "نزعة أكثر فردانية تعطي مساحة أكبر لتحقيق الذات والاستقلال والحرية الشخصية".. وبات البعض يعطي الأولوية للعمل والسفر وتحقيق أهدافه، فيما قد يُنظر إلى الزواج باعتباره التزاماً يفرض مسؤوليات وقيوداً. وهكذا، تتعدد أسباب تراجعه بين الكلفة والخوف من تأسيس عائلة وسط الحرب، وتبدّل الأولويات الشخصية والمهنية، وصولاً إلى عدم اعتبار الزواج أولوية لدى البعض.


الطلاق إلى ارتفاع


وفيما تتراجع أعداد الزيجات المسجّلة على المدى الطويل، ترسم أرقام الطلاق مساراً مختلفاً. فالدراسة الديموغرافية نفسها تظهر ارتفاع عدد حالات الطلاق المسجلة من 6,122 حالة عام 2011 إلى 7,823 حالة عام 2025، فيما بلغ العدد ذروته عام 2023 مع تسجيل 8,541 حالة.



وتتوقف الدراسة عند انخفاض حالات الطلاق خلال عامي 2020 و2024، لكنها تحذر من قراءة ذلك باعتباره دليلاً على تحسن الاستقرار الزوجي. ففي سنة الإقفال، كما في سنة الحرب، تعطلت المحاكم واضطربت الأعمال الإدارية وتأجلت معاملات الطلاق، قبل أن تعود إلى مسارها مع استئناف العمل. لكن الاتجاه العام يبقى لافتاً: تراجع واضح في حالات الزواج على المدى الطويل، يقابله نمو واضح في حالات الطلاق.


بات الطلاق يُحتفى به


الأرقام هنا لا تنفصل، بحسب شحرور، عن تحول أوسع في نظرة المجتمع إلى الانفصال. فالطلاق الذي كان "يحمل في الماضي وصمة اجتماعية ثقيلة، وخصوصاً بالنسبة إلى المرأة، أصبح أكثر قبولاً. ولم يعد استمرار الزواج بأي ثمن يحظى بالقوة الاجتماعية نفسها التي كانت تدفع أجيالاً سابقة إلى البقاء في علاقات غير ناجحة خشية نظرة المجتمع".


وتذهب بعض المظاهر الجديدة أبعد من مجرد تقبّل الانفصال. وتشير شحرور إلى انتشار ظاهرة الاحتفال بالطلاق على وسائل التواصل الاجتماعي، من حفلات خاصة بالمناسبة إلى قوالب حلوى ومنشورات تقدم الانفصال باعتباره بداية مرحلة جديدة. وبصرف النظر عن الموقف من هذه المظاهر، فإنها تعكس حجم التحوّل الذي طرأ على النظرة الاجتماعية إلى إنهاء العلاقة الزوجية.


ما يحدث في لبنان يتجاوز تراجع الزواج وارتفاع الطلاق، ليعكس تحولاً أعمق في مفهوم الأسرة. فالأزمة والهجرة والحروب غيّرت حسابات تكوينها، بالتوازي مع تبدّل أدوار الزوجين ومعايير اختيار الشريك.