بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

“خونة” لأنهم انتقدوا حرب غزة… تحقيق ألماني يرصد تصاعد الضغط داخل إسرائيل

“خونة” لأنهم انتقدوا حرب غزة… تحقيق ألماني يرصد تصاعد الضغط داخل إسرائيل

برلين- “القدس العربي”: في وقت تتصاعد فيه داخل إسرائيل الحملة ضد مخرجي فيلم يتناول حرب غزة، ووصلت إلى حد المطالبة بسحب الجنسية منهم، رصد تحقيق جديد لمجلة “دير شبيغل” الألمانية الضغوط التي يواجهها إسرائيليون يرفضون الحرب أو ينتقدون الاحتلال وسياسات بلادهم تجاه الفلسطينيين.

ومن خلال شهادات معلمة ومخرج وصحافية ومؤرخ، يتتبع التحقيق، الذي نشرته المجلة السبت، ما يصفه أصحابه بتقلص مساحة الاعتراض داخل المجتمع الإسرائيلي منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبته في غزة. وتتنوع الضغوط التي تحدثوا عنها بين الاعتداء الجسدي والتهديد بالإيقاف عن العمل والقطيعة العائلية وحملات التخوين.

ويأتي تحقيق المجلة في توقيت يشهد جدلا حادا في إسرائيل بعد فوز الفيلم الوثائقي “نازا”، الذي يتناول عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية. وتحول الجدل حول الفيلم خلال أيام من سجال بشأن مضمونه إلى حملة سياسية ضد مخرجيه يوفال أبراهام وراحيل تسور، بينما أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الدفع بمبادرة تشريعية من شأنها توسيع الحالات التي يمكن فيها سحب الجنسية الإسرائيلية.

من انتقاد الفيلم إلى الحديث عن الجنسية

ويتوقف تحقيق “دير شبيغل” عند المناخ الذي بات يحيط بالأصوات الإسرائيلية المنتقدة للحرب، وهو نقاش اكتسب زخما جديدا مع “نازا”.

ويستند الفيلم إلى شهادات عسكريين وعاملين في أجهزة استخبارات إسرائيلية، من بينهم أشخاص لم تُكشف هوياتهم، ويتضمن اتهامات بشأن آليات اختيار الأهداف خلال الحرب في غزة واستخدام أنظمة تكنولوجية واستخباراتية في العمليات العسكرية.

يستند الفيلم إلى شهادات عسكريين وعاملين في أجهزة استخبارات إسرائيلية، من بينهم أشخاص لم تُكشف هوياتهم، ويتضمن اتهامات بشأن آليات اختيار الأهداف خلال الحرب في غزة واستخدام أنظمة تكنولوجية واستخباراتية في العمليات العسكرية

ورفض الجيش الإسرائيلي ما ورد في الفيلم من اتهامات، وشكك في الاعتماد على مصادر مجهولة الهوية، مؤكدا أن القرارات المتعلقة بالأهداف والهجمات لا تتخذها الأنظمة الآلية بصورة مستقلة. كما أثار الفيلم انتقادات واسعة من مسؤولين وسياسيين إسرائيليين.

لكن الهجوم لم يتوقف عند حدود انتقاد الفيلم. فقد طالب وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار بسحب الجنسية من المخرجين، واتهمهما بالخيانة. وبعد ذلك أعلن نتنياهو مبادرتين تشريعيتين؛ إحداهما لتوسيع إمكانية سحب الجنسية بشروط معينة، والثانية لزيادة التعويضات في قضايا التشهير، في سياق حديثه عن إسرائيليين يتهمهم بالإضرار بصورة الجيش والدولة في الخارج.

ولا يعني الإعلان اتخاذ قرار بسحب جنسية المخرجين، وإنما الدفع باتجاه تعديل قانوني بهذا الشأن. كما أن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، رغم انتقاده الفيلم، رفض فكرة سحب جنسية صانعيه.

وتجاوزت الحملة التصريحات السياسية. فقد تحدثت صحيفة “برلينر تسايتونغ” عن احتجاجات أمام منزل عائلة المخرجة راحيل تسور وعن تصاعد التهديدات ضد صناع الفيلم. وفي المقابل، أعلنت شخصيات من قطاع السينما ومنظمات حقوقية دعمها للمخرجين.

معلمة تواجه الضرب وخطر فقدان العمل

“دير شبيغل” تذهب في تحقيقها أبعد من قضية الفيلم، لتعرض حالات لإسرائيليين يقولون إنهم دفعوا ثمنا بسبب نشاطهم ضد الاحتلال أو موقفهم من الحرب.

ومن أبرزها قصة المعلمة ياعيل ليفكوفيتس، البالغة 52 عاما، والناشطة ضمن منظمة “النظر إلى الاحتلال في العين”.

وتقول ليفكوفيتس إنها كانت في أواخر فبراير/شباط قرب بلدة قصرة الفلسطينية في الضفة الغربية لمساندة عائلة فلسطينية عندما وصل ملثمون في مركبة وهاجموها برفقة ناشطين آخرين بالعصي والقضبان الحديدية.

وعرضت على صحافيي المجلة تسجيلا للهجوم. وبحسب روايتها، أصيبت صديقة لها تبلغ من العمر سبعين عاما في رأسها بعد تعرضها للضرب، ونقلت لاحقا إلى العناية المركزة.

وتقول إن الشرطة والجيش وفرق الإسعاف الإسرائيلية لم تصل رغم طلبات الاستغاثة، وإن المجموعة اضطرت في النهاية إلى مغادرة المكان في سيارة إسعاف فلسطينية.

لكن تداعيات نشاطها لم تتوقف عند تلك الحادثة. فبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تقول المعلمة إن مواقفها الرافضة للحرب والاحتلال تسببت في توتر داخل عائلتها، ووصل الأمر إلى استبعادها من بعض اللقاءات العائلية.

كما واجهت خطر فقدان وظيفتها في مدرسة ابتدائية في يافا بعدما تقدم والدا أحد التلاميذ بشكوى ضدها واتهموها بالتطرف. واستدعتها وزارة التعليم إلى جلسة استماع بسبب الاشتباه في “سلوك غير لائق لمعلمة”، قبل أن تتمكن في النهاية من الاحتفاظ بعملها. وتقول لـ”دير شبيغل” إن استمرارها في النشاط بالنسبة إليها وسيلة لكي “تبقى إنسانة أمام هذا الهول”.

مشادة بسبب الحديث عن الاحتلال

وتنقل المجلة أيضا تجربة المخرج شاي كارميلي بولاك، الذي وجد نفسه خلال لقائه صحافيي “دير شبيغل” في مواجهة مباشرة مع رجل في مطعم بتل أبيب بعدما سمع حديثه عن الحرب والاحتلال.

وبحسب التقرير، اقترب الرجل من طاولتهم ودخل في مشادة مع المخرج، واتهمه بتصوير الإسرائيليين قتلة والاستفادة من الإساءة إلى بلاده.

ويرى بولاك أن الحادثة تعكس المناخ الذي أصبح يحيط بالنقاش بشأن الفلسطينيين والحرب، ويقول إنه لم يعد يشعر بالحرية ذاتها في التعبير عن آرائه حتى في تل أبيب.

وسبق أن أثار فيلمه “البحر” جدلا في إسرائيل. ويروي العمل قصة طفل فلسطيني في الثانية عشرة من الضفة الغربية يحاول الوصول إلى تل أبيب لرؤية البحر للمرة الأولى.

الخوف من الاتهام بالتعاطف مع حركة حماس دفع صحافيين إلى الابتعاد عن انتقاد الحرب، فيما بقيت معاناة المدنيين الفلسطينيين محدودة الحضور في جزء كبير من وسائل الإعلام الإسرائيلية

وكان الفيلم قد صُور في صيف 2023، أي قبل اندلاع الحرب الحالية، وفاز بجائزة “أوفير” الإسرائيلية عام 2025، إلا أن وزير الثقافة ميكي زوهار هاجم منحه الجائزة وأعلن عزمه وقف التمويل الحكومي لحفل توزيعها.

غزة خارج الصورة

ولا تحصر “دير شبيغل” المسألة في الناشطين وصناع الأفلام، بل تطرح سؤالا عن الطريقة التي عُرضت بها الحرب نفسها داخل إسرائيل.

وتقول الصحافية عنات ساراغوستي، المسؤولة عن ملف حرية الصحافة في نقابة الصحافيين الإسرائيليين، إن الخوف من الاتهام بالتعاطف مع حركة حماس دفع صحافيين إلى الابتعاد عن انتقاد الحرب، فيما بقيت معاناة المدنيين الفلسطينيين محدودة الحضور في جزء كبير من وسائل الإعلام الإسرائيلية.

وسبق لساراغوستي أن انتقدت بصورة علنية ما تعتبره تغطية إسرائيلية أحادية للحرب، قائلة إن وسائل الإعلام الرئيسية تجاهلت إلى حد كبير الضحايا الفلسطينيين والأزمة الإنسانية في غزة.

وترى في حديثها للمجلة أن هذا التحول لا يعود فقط إلى ما بعد السابع من أكتوبر، بل يمكن ملاحظته أيضا في اللغة المستخدمة منذ سنوات، ومن ذلك تراجع استخدام تعبير “الأراضي المحتلة” مقابل اتساع استخدام تسمية “يهودا والسامرة” عند الحديث عن الضفة الغربية.

أرشيف لما يحدث في غزة

أما المؤرخ الإسرائيلي لي مردخاي، فاختار مواجهة ما يعتبره نقصا في التوثيق عبر جمع المواد المتعلقة بالحرب في غزة.

ومنذ ديسمبر/كانون الأول 2023 يعمل مردخاي على مشروع “Bearing Witness” أو “الإدلاء بالشهادة”، الذي يجمع من خلاله التقارير والشهادات والصور والمقاطع المصورة المتعلقة بما يجري في القطاع. ويعرّف المشروع نفسه بأنه محاولة لتوثيق الأزمة الإنسانية والسياسية والحفاظ على المواد المتعلقة بها.

وتقول “دير شبيغل” إن الأرشيف أصبح يضم آلاف المواد ويشارك متطوعون في جمعها وتصنيفها. كما أن بعض المنظمات الإسرائيلية المناهضة للاحتلال باتت توجه خطابها بصورة متزايدة إلى الخارج بعد تراجع أملها في التأثير داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي.