بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

البرلمان الجزائري يمنح الجيش تفويضا لحماية منشآت نفطية في النيجر بعد إخطار الرئيس… وحزبان في المعارضة يمتنعان عن التصويت

البرلمان الجزائري يمنح الجيش تفويضا لحماية منشآت نفطية في النيجر بعد إخطار الرئيس… وحزبان في المعارضة يمتنعان عن التصويت

الجزائر- “القدس العربي”: منح البرلمان الجزائري، بأغلبية واسعة، الضوء الأخضر لطلب الرئيس عبد المجيد تبون إرسال وحدات من الجيش إلى جمهورية النيجر لحماية عدد من المنشآت النفطية، مع تسجيل امتناع حزبين في المعارضة عن التصويت، عبّرا في الأساس عن رفضهما للطريقة التي تم بها تمرير القرار.

وحظي القرار بالإجماع في مجلس الأمة، فيما صادق عليه نواب المجلس الشعبي الوطني بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وفقا لبيان المجلس. وجاء التصويت عقب جلسة عامة مغلقة، استمعت خلالها الكتل البرلمانية إلى عرض قدمه وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، بصفته ممثلا لرئيس الجمهورية، حول الإخطار المؤرخ في 22 أكتوبر الجاري.

وكان رئيس البلاد قد استدعا غرفتي البرلمان إلى الاجتماع للتصويت على الإخطار، في إجراء دستوري يهدف إلى تفعيل الآلية التي أقرتها المادة 91 من التعديل الدستوري لسنة 2020 بشأن إمكانية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج، بعد مصادقة البرلمان بغرفتيه بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة.

حظي القرار بالإجماع في مجلس الأمة، فيما صادق عليه نواب المجلس الشعبي الوطني بالأغلبية المطلقة للحاضرين

ويتعلق السبب الرئيس للقرار بحماية المصالح الطاقوية الجزائرية في النيجر، حيث توجد استثمارات نفطية جزائرية لشركة سوناطراك في منطقة كفرا غير بعيد عن الحدود الجزائرية، فضلا عن مشروع أنبوب الغاز الذي ينطلق من نيجيريا ويمر عبر النيجر وصولا إلى الجزائر. وتكتسي حماية المنشآت النفطية أهمية خاصة في ظل الاضطرابات الأمنية التي تشهدها منطقة الساحل، وتنامي نشاط الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

كما يأتي القرار بعد سلسلة من التحركات الرامية إلى تعزيز التعاون العسكري بين الجزائر والنيجر. فقد استقبل الرئيس تبون، الأسبوع الماضي، وزير الدولة وزير الدفاع الوطني النيجري الفريق أول سليفو مودي، الذي أجرى محادثات مع المسؤولين الجزائريين بشأن العلاقات الثنائية والتعاون الدفاعي والأمني. واستقبله كذلك رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أول السعيد شنقريحة، الذي أكد أهمية تطوير التعاون بين البلدين.

وسبق للجزائر أن قدمت، مطلع أغسطس الماضي، هبة عسكرية للجيش النيجري شملت أربع مروحيات وذخائر وقطع غيار وتجهيزات للصيانة والدعم اللوجستي. كما أرسلت في 30 أغسطس أربع مقاتلات من طراز سوخوي “سو-30″، مرفوقة بطائرة للتزود بالوقود جوا، إلى العاصمة نيامي، في سياق محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها النيجر.

تثمين للقرار وتسجيل تحفظات

وفي تعليقه السياسي على القرار، أعلن حزب جبهة التحرير الوطني أكثر الأحزاب تمثيلا داخل البرلمان، تثمينه تفعيل المادة 91 من الدستور، معتبرا أن القرار يندرج ضمن حماية المصالح الحيوية للجزائر في ظل تصاعد التهديدات الأمنية بمنطقة الساحل، وانتشار الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب الأسلحة.

وأشاد الحزب في بيان له، بعمق العلاقات التاريخية بين الجزائر والنيجر وبالتعاون العسكري القائم بين البلدين، مؤكدا تمسك الجزائر بمبادئ سياستها الخارجية، القائمة على احترام سيادة الدول ودعم السلم والأمن، بالتوازي مع تعزيز حماية الأمن القومي ومواجهة التحديات الإقليمية.

في المقابل، ميزت جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس) أقدم أحزاب المعارضة في البلاد، بين تأييد مضمون القرار والتحفظ على الطريقة التي جرى بها تمريره. وأوضح الحزب، في بيان وقعه أمينه الوطني الأول يوسف أوشيش، أنه يؤيد من حيث المبدأ القرار الاستراتيجي الرامي إلى الدفاع عن المصالح الحيوية للأمة، وتكييف العقيدة الدفاعية مع التحولات الأمنية، وتعزيز القدرات الدفاعية والاستخباراتية وتأمين الحدود.

غير أن الأفافاس أعلن امتناع نوابه عن التصويت احتجاجا على ظروف استدعاء البرلمان، وقال إن الجلسة دعي إليها دون إبلاغ مسبق بجدول الأعمال ودون تشاور أو تنسيق مناسب مع التشكيلات السياسية الممثلة في المؤسسة التشريعية.

تكتسب النيجر أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر بحكم اشتراكهما في نحو 1000 كليومتر من الحدود، وارتباط نيامي بالمشروعات الطاقوية العابرة للحدود

وأكد الحزب أن موقفه لا يعكس رفضا لمتطلبات الأمن الوطني، وإنما اعتراضا على الإجراءات التي أحاطت بالتصويت، مشددا على أن القرارات المرتبطة بالسيادة والدفاع الوطني تستوجب احترام صلاحيات البرلمان وتمكين ممثلي الشعب من المعلومات الضرورية لمناقشة أبعادها وتقدير تداعياتها.

أما التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الأرسيدي)، فأعلن بدوره امتناع نوابه عن التصويت بالمجلس الشعبي الوطني، معتبرا أن قرارا بهذا الحجم كان يستوجب نقاشا وطنيا جادا وتشاورا مسبقا مع القوى السياسية، بالنظر إلى ما قد يترتب عليه من مخاطر على الجنود الجزائريين وتداعيات على أمن البلاد وعلاقاتها الإقليمية.

وتساءل الأرسيدي عن طبيعة التهديد الذي يستدعي إرسال القوات إلى الخارج، والأهداف الاستراتيجية للعملية، والضمانات الموضوعة لتفادي التصعيد أو التورط في نزاع طويل الأمد. كما شدد على ضرورة تقييم البدائل الدبلوماسية والسياسية والأمنية قبل اللجوء إلى القوة، وعلى أن تكون أي مهمة عسكرية محددة الأهداف ومتناسبة مع التهديدات وخاضعة لإطار قانوني واضح.

المصالح الطاقوية والعمق الاستراتيجي

وفي قراءة لأهداف التحرك الجزائري، تبرز حماية المصالح الطاقوية وتعزيز الحضور الأمني في منطقة الساحل باعتبارهما من أبرز دوافع القرار، إلى جانب تطوير الشراكة الثنائية مع النيجر في ظرف إقليمي يتسم بتراجع الاستقرار وتزايد التنافس على النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية.

وتكتسب النيجر أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر بحكم اشتراكهما في نحو 1000 كليومتر من الحدود، وارتباط نيامي بالمشروعات الطاقوية العابرة للحدود، فضلا عن تماسها مع فضاءات أمنية مضطربة في الساحل والصحراء.

وفي هذا السياق، نشر الدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني قراءة تناولت أهمية قاعدة ماداما العسكرية شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية، باعتبارها موقعا ذا قيمة استراتيجية لمراقبة منطقة الساحل والمحاور العابرة للحدود. وأشار المنشور إلى أن القاعدة كانت نقطة ارتكاز عسكرية فرنسية طُورت في إطار عملية برخان، كما تقع على مسافة تقارب 263 كيلومترا، بخط مستقيم، من قاعدة الويغ في إقليم فزان الليبي، المرتبطة بالقوات التابعة لخليفة حفتر.


وتسلط هذه المعطيات الضوء على البعد الجغرافي والأمني للانتشار العسكري المرتقب، في منطقة تتقاطع فيها تحديات الجماعات المسلحة وحركة العبور عبر الحدود ومصالح القوى الإقليمية والدولية. غير أن تحديد موقع تمركز الوحدات الجزائرية وطبيعة مهامها الميدانية يظل مرتبطا بما تعلنه السلطات الجزائرية والنيجرية رسميا، ولا يكفي تناول الأهمية الاستراتيجية لقاعدة ماداما وحده للجزم بأن القوات الجزائرية ستتمركز فيها.

ويمثل القرار الأخير للجزائر بإرسال قوات للنيجر، تطورا لافتا على الصعيد الجيو استراتيجي للبلاد، حيث ظلت العقيدة العسكرية للجزائر دفاعية في الأساس تتمسك بمبدأ عدم إرسال قواتها إلى الخارج، مع استثناءات محدودة كان أبرزها مشاركتها في الحروب العربية الإسرائيلية. غير أن التحولات الإقليمية فرضت مراجعة تدريجية لهذه الاستراتيجية، خصوصا مع تصاعد الاضطرابات في الجوار الجنوبي والشرقي للجزائر، على خلفية أزمتي مالي وليبيا، وما رافقهما من تهديدات أمنية متزايدة.