بعد شهر أنهى فيه الذهب تداولاته بخسارة تقارب 7%، فيما تراجعت الفضة بنحو 20%، يدخل المعدنان تشرين الثاني أمام اختبارات قد تحدّد ما إذا كانت موجة التراجع ستستمر، أم أنّ الأسواق ستجد في البيانات والتطورات السياسية فرصة لتغيير الاتجاه. فالروزنامة مزدحمة، من الانتخابات النصفية الأميركية إلى التضخم والوظائف، وصولاً إلى إشارات الاحتياطي الفيدرالي، فيما يبقى التوتر الإقليمي عاملاً قادراً على إرباك الحسابات. وفي هذا السياق، يرى مصدر محلل لسوق الذهب لـ"ليبانون ديبايت"، أنّ "الضغوط السلبية ما زالت قائمة على المدى القصير"، مشيراً إلى أنّ "مستويَي 3,800 دولار للذهب و46 دولاراً للفضة يبقيان من المستويات التي نراقبها"، مع التأكيد أنّ مفاجآت التضخم والوظائف والسياسة قد تبدّل الصورة خلال الشهر.
وتكشف الفجوة الكبيرة بين خسائر المعدنين أنّ التعامل معهما باعتبارهما يتحركان بالطريقة نفسها قد يكون مضلّلاً. فالذهب يتأثر بقوة بالطلب الاستثماري والتحوّط، فيما تحمل الفضة حساسية إضافية للنشاط الصناعي. ولذلك، قد تتعرّض لضغط مزدوج عندما تتزامن قوة الدولار وارتفاع العوائد مع مخاوف بشأن النمو والطلب.
وتبدأ المحطات السياسية في 3 تشرين الثاني، موعد الانتخابات النصفية الأميركية. ويوضح المصدر أنّ نتائجها "قد تؤثر في توجهات الكونغرس والسياسة الاقتصادية والإنفاق والعجز الأميركي"، وهي ملفات تراقبها الأسواق لما قد تتركه من انعكاسات على الدولار والذهب.
لكن أثر الانتخابات لن يُقرأ من هوية الفائز وحدها، بل من السياسات التي يمكن تمريرها بعد ظهور النتائج. فالإنفاق والعجز قد يزيدان مخاوف التضخم والطلب على التحوّط، وفي الوقت نفسه قد يدفع ارتفاع احتياجات التمويل عوائد السندات إلى الصعود، بما يزيد كلفة الاحتفاظ بالذهب الذي لا يدرّ عائداً دورياً. وهذه القنوات المتعارضة تجعل استجابة الأسعار أكثر تعقيداً من افتراض صعود تلقائي أو هبوط محسوم.
وفي اليوم نفسه، تصدر بيانات فرص العمل ودوران العمالة الأميركية "JOLTS"، قبل تقرير الوظائف في 6 تشرين الثاني. وبين الموعدين، يعلن بنك إنجلترا في 5 تشرين الثاني قراره بشأن الفائدة وينشر تقرير السياسة النقدية.
ويشير المصدر إلى أنّ "بيانات الوظائف قد تغيّر توقعات الأسواق بشأن مسار الفائدة الأميركية". وهنا، ستكون المقارنة مع توقعات المستثمرين أساسية: فبيانات قوية بأكثر من المنتظر قد تدعم بقاء الفائدة مرتفعة وتضغط على المعدنين، بينما قد يخفّف تباطؤ التوظيف والأجور من هذه الضغوط. أما قرار بنك إنجلترا، فيُراقب أيضاً عبر تأثيره في العملات وتقييم البنوك المركزية لموازنة التضخم والنمو.
وتأتي محطة التضخم في 10 تشرين الثاني مع صدور مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي لشهر تشرين الأول، يليها مؤشر أسعار المنتجين في 13 منه. ويعدّ المصدر هذه البيانات من أبرز العوامل المؤثرة في توقعات الفائدة وحركة الدولار.
والاختبار هنا يتجاوز ارتفاع الأسعار أو تراجعها إلى طبيعة الضغوط واستمرارها. فالتضخم العنيد قد يعزّز توقعات التشدد النقدي، بينما قد يمنح انحساره بأكثر من المتوقع المعادن فرصة للتعافي. وقد تختلف استجابة الفضة عن الذهب إذا اقترنت تهدئة التضخم بمؤشرات ضعف اقتصادي تؤثر في الطلب الصناعي.
وبالتوازي، تتجه الأنظار إلى قمة "آسيان" في مانيلا خلال تشرين الثاني، وقمة قادة "APEC" في شينزن يومي 18 و19 منه، إضافة إلى قمة قادة العالم ضمن مؤتمر المناخ "COP31" في أنطاليا يومي 11 و12 من الشهر نفسه.
ويرى المصدر أنّ "نتائج هذه الاجتماعات والتصريحات بشأن التجارة والتوترات الدولية قد تحرّك الأسواق". غير أنّ وزنها سيتوقف على مضمونها: فتخفيف الاحتكاكات التجارية قد يدعم شهية المخاطرة وتوقعات النشاط الصناعي، بينما قد تعيد المواقف التصعيدية تنشيط الطلب على التحوّط. أما الالتزامات المتعلقة بالطاقة والاستثمار، فقد تحمل دلالات أطول أجلاً، خصوصاً للفضة، من دون أن تضمن أثراً فورياً في الأسعار.
وفي 18 تشرين الثاني، يُنتظر نشر محضر اجتماع الفيدرالي السابق، الذي قد يوضح تقييم الأعضاء لمخاطر التضخم وسوق العمل. أما الاجتماع الدوري المقبل للجنة السوق المفتوحة، فمقرّر يومي 8 و9 كانون الأول، وليس خلال تشرين الثاني.
وهذا الفاصل الزمني يجعل البيانات الصادرة خلال الشهر مؤثرة في بناء توقعات القرار المقبل. فالسوق لا تنتظر إعلان الفائدة كي تتحرك، بل تعيد تسعير احتمالاتها مع كل قراءة اقتصادية أو تصريح مؤثر.
وتبلغ الروزنامة محطة إضافية في 25 تشرين الثاني، مع صدور التقدير الثاني للناتج المحلي الإجمالي الأميركي للربع الثالث، وتقرير الدخل والإنفاق الشخصي لشهر تشرين الأول، المتضمن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي "PCE". وستتيح هذه الأرقام قراءة أوضح لقدرة الاقتصاد على مواصلة النمو بالتزامن مع احتواء التضخم.
وخارج الروزنامة، يضع المصدر تطورات المنطقة وأسعار النفط والتوتر بين واشنطن وطهران ضمن أبرز عوامل عدم اليقين، موضحاً أنّ "التصعيد قد يزيد طلب الملاذ الآمن، لكن ارتفاع النفط قد يعزّز مخاوف التضخم وتوقعات الفائدة المرتفعة، ما يضغط على الذهب والفضة".
وتختصر هذه المعادلة تعقيد المرحلة: فقد يدفع الخوف المستثمرين نحو الذهب، ثم تحدّ قوة الدولار والعوائد من مكاسبه. كما قد يخلق طلب السيولة بيعاً مؤقتاً حتى في الأصول المستخدمة للتحوّط. ولذلك، تبقى قراءة حركة المعدنين مرتبطة بتفاعل المخاطر مع السياسة النقدية، لا بعنوان سياسي منفرد.
أما مستويا 3,800 دولار للذهب و46 دولاراً للفضة، فيطرحهما المصدر للمراقبة ضمن رؤيته القصيرة الأجل، من دون الجزم ببلوغهما أو اعتبارهما قاعاً نهائياً. فاستمرار الضغوط يحتاج إلى ما يدعمه في البيانات والدولار والعوائد، كما أنّ التعافي يحتاج إلى تحوّل واضح في هذه العوامل.
ويؤكد المصدر أنّ "تشرين الثاني يحمل بيانات وقرارات وتصريحات كثيرة، وقد تتغيّر الصورة مع أي مفاجأة في التضخم أو الوظائف أو السياسة". وبين هذه الاستحقاقات، سيكون السؤال الاقتصادي الأهم هو قدرة المعدنين على استعادة الطلب في مواجهة كلفة الفائدة ومخاطر تباطؤ النشاط، بعد خسائر كشفت تفاوتاً حاداً في قدرتهما على الصمود.
