
الإثنين 16 فبراير 2026 | 12:57 م
بوابة الهدف
لم تكن اتفاقيات أوسلو يومًا مشروع سلام، بل برنامج سياسي لإخماد الانتفاضة وتفكيك البنية الفلسطينية المسلحة، ومنح بعض الأنظمة العربية مظلة شكلية لتبرير التطبيع مع دولة الاحتلال. لم تُصمَّم الاتفاقية لإنهاء الاحتلال، بل لإدارته بكلفة أقل وبأدوات غير مباشرة. جوهرها كان واضحًا: إلغاء الكفاح المسلح، وتوفير الوقت والغطاء الدولي لتسريع المشروع الاستيطاني. وما يجري اليوم من قرارات تشرعن الضمّ في الضفة الغربية ليس انحرافًا عن أوسلو، بل تتويجًا للنوايا الصهيونية من هذه الاتفاقيات.
منذ اللحظة الأولى، فُرضت على الفلسطينيين تنازلات غير متكافئة: اعترافٌ بدولة الاحتلال، تخليٌ عن المقاومة المسلحة، تفاوضٌ على 22 في المئة فقط من أرض فلسطين التاريخية، وتحملٌ لدور أمني يخدم منظومة الاحتلال. في المقابل، لم يُلزَم الكيان الصهيوني بتحديد حدوده، ولا بوقف الاستيطان غير القانوني، ولا بالاعتراف الصريح بالسيادة الفلسطينية. لم يكن ذلك خللًا تقنيًا في النص، بل كان جوهر الصفقة: شعبٌ واقع تحت الاحتلال يُطالَب بالتزامات فورية، بينما تُؤجَّل التزامات القوة القائمة بالاحتلال إلى أجلٍ مفتوح، مع احتفاظها بحق إعادة تفسير الاتفاق أو التنصل منه متى شاءت.
تحوّلت أوسلو إلى منظومة أمنية لا علاقة لها بالسلام. أُعيد تعريف السلطة الفلسطينية كمتعهد أمني، ومشروع بيروقراطي معيشي مهمته ضبط المجتمع لا تمكينه. وبتمويل أوروبي، جرى استيعاب ثوار الأمس إلى موظفي البيروقراطية، همّهم الوحيد هو الحفاظ على تصاريح (VIP)كبار الشخصيات، أكثر من حماية القرى من اعتداءات المستوطنين. وباسم «بناء المؤسسات»، جرى تفريغ المشروع الوطني من مضمونه، فيما كانت المستوطنات تتمدد بلا توقف، وتُقطّع أوصال الأرض التي يُفترض أن تقوم عليها الدولة الموعودة.
كان يُفترض بالولايات المتحدة أن تكون الضامن للاتفاقية، لكنها لم تضمن إلا الرواية الصهيونية. عبر إدارات متعاقبة، صيغت السياسة الأمريكية على أساس أن أمن دولة الاحتلال يتقدم على القانون الدولي وحقوق الإنسان. في عهدَي دونالد ترامب وجو بايدن، انتقل الموقف من انحيازٍ مستتر إلى تواطؤٍ مكشوف. فحين يعلن وزراء في الكيان الصهيوني رفضهم قيام دولة فلسطينية، يُقدَّم ذلك بوصفه تعبيرًا عن «حيوية ديمقراطية». أما حين يلجأ الفلسطينيون إلى محكمة العدل الدولية طلبًا لرأيٍ استشاري، أو يسعون إلى اعتراف دولي بدولتهم، تُلوَّح ضدهم بالعقوبات ويُتَّهمون بتقويض «عملية السلام».
لم يختلف ترامب عن بايدن إلا في فجاجة الاصطفاف. وعود رفض الضمّ للضفة لم تكن سوى رسائل طمأنة لأنظمة عربية عاجزة، فيما استمر تدفق السلاح والدعم السياسي لمشروع التفوق اليهودي لدوله الكيان الصهيوني. قطع التمويل عن السلطة الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين لم يكن إجراءً ماليًا فحسب، بل جزءًا من استراتيجية لتفكيك أي بنية فلسطينية مستقلة، وتجفيف مصادر صمود اللاجئين.
أما أوروبا، فتمارس ازدواجية فاقعة. ألمانيا، المثقلة بذاكرة الهولوكوست، تحوّل عقدة الذنب إلى شيكٍ مفتوح لدولة الاحتلال. والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي يكرران بيانات «القلق»، بينما يحافظون على علاقات تجارية تفضيلية، ويواصلون تزويد دولة الاحتلال بالسلاح الذي يُستخدم في السياسات ذاتها التي يدّعون معارضتها.
غزة عرّت هذا النفاق. لم تكتفِ الولايات المتحدة وأوروبا بالعجز عن وقف الإبادة؛ بل شاركتا في تسليحها وتوفير الغطاء السياسي لها. شاهد العالم مستشفيات ومدارس ومخيمات لاجئين تُسوّى بالأرض، وتجويعًا يُستخدم كسلاح، وعشرات الآلاف يُقتلون، ثم أُعيد توصيف كل ذلك باعتباره «حقًا في الدفاع عن النفس» لدولة الاحتلال.
غزة اليوم هي أوسلو بلا أقنعة. تبدأ بالإبادة، ثم تُطرح «إعادة الإعمار» و«الإصلاح» و«ترتيبات حكم جديدة». تُعاد صياغة المعادلة ذاتها: الحقوق مؤجلة، السيادة مشروطة، والحرية رهينة الامتثال. في الضفة الغربية، نُزعت أسلحة، وقُدِّم تعاون أمني، وانتُظرت دولة. وكانت النتيجة تضاعف عدد المستوطنين بنسبة تقارب 360 في المئة منذ توقيع الاتفاق، في الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية المفترضة.
وفي غزة، يُشترط «نزع سلاح المقاومة» بينما تتدفق شحنات السلاح إلى دولة الاحتلال بلا قيد. تُعقد مؤتمرات مانحين مشروطة باستسلام الضحية، وتُمنح الحصانة للجلاد. تُقدَّم إعادة الإعمار كامتياز سياسي، تمامًا كما قُدِّم «حل الدولتين» سرابًا تفاوضيًا في أوسلو.
حتى حين تخفت أصوات القنابل، يستمر الموت بصيغة بيروقراطية: تصاريح تُقيّد دخول الغذاء والدواء، قيود تُحوّل غزة إلى مساحة محاصرة مفتوحة على الفناء البطيء. أما الضفة، فتمضي في المسار ذاته بلا عدسات كاميرات: مصادرات أراضٍ، توسع استيطاني، وبيانات غربية باردة لا توقف جرافة واحدة.
سيُسجَّل أوسلو يومًا بوصفه أحد أنجح أشكال الخداع الاستعماري في التاريخ المعاصر: اتفاقٌ منح الاحتلال شرعية دولية لإدارة إخضاع شعب، لا الاعتراف به. لم يكن الغرب شاهدًا محايدًا، بل شريكًا في التسليح والحماية السياسية. وما سُمّي «سلامًا» لم يكن سوى تفويضٍ دولي لإدامة الهيمنة، وترسيخ نظام فصلٍ عنصري تحت لافتة المفاوضات.

