بدأت فضائح جيفري إبستين تسبب للنظام الملكي في بريطانيا والنرويج صعوبات لم تكن في الحسبان حتى الأمس القريب، من خلال احتمال محاسبة ولية العهد النرويجية ميت ماريت، وترقب إخضاع الأمير البريطاني أندرو للاستنطاق بتهمة الكشف عن الأسرار التي تعني الخيانة. ويبدو أن بعض الملكيات الأخرى مثل الإسبانية والبلجيكية والهولندية قد نجت من هذا الإعصار.
في هذا الصدد، يشمل ملف إبستين القنبلة السياسية والأخلاقية التي تصيب ما يطلق عليه النخبة السياسية والاقتصادية والثقافية في الغرب وبعض الدول، وتؤثر بصورة خطيرة على مؤسسات عريقة مثلما هو الشأن مع الأنظمة الملكية الأوروبية. وهكذا، فقد ساهم انفجار ملف إبستين في ضرب استقرار المؤسسة الملكية النرويجية، وهي التي وجدت نفسها في قلب الإعصار بعدما تبينت العلاقة بين الأميرة ميت ماريت زوجة ولي العهد مع المغتصب إبستين. وجاء اسم الأميرة في أكثر من ألف مراسلة بين عادية وأخرى تبرز العلاقة المتينة بين الطرفين من تبادل الهدايا والأفكار.
ورغم اعتراف ميت ماريت بالخطأ والإعراب عن الندم، إلا أن هذه الفضيحة جعلت أنصار الجمهورية ينتعشون في هذا البلد الإسكندنافي. وقد صوّت البرلمان النرويجي خلال هذه الأيام على استمرار الملكية أو إلغائها. وجرى التصويت، وفق الموقع الرسمي للبرلمان، يوم 3 فبراير/شباط الجاري، وجاءت النتيجة بـ141 لصالح استمرار الملكية و26 ضد استمرارها. ورغم أن التصويت غير ملزم بحكم أن إلغاء الملكية يتطلب استفتاء شعبيا وتعديل الدستور، إلا أن ارتفاع أصوات المعارضين للملكية مرتبط، وفق المراقبين، بالفضائح التي تعرفها هذه الملكية، لاسيما بعدما انخفض الدعم الشعبي لها إلى 61% فقط. وتعرضت الملكية النرويجية لسلسلة فضائح آخرها المحاكمة الجارية لابن ولية العهد ماريوس بورغ المتورط في اختلاسات وسرقة وتحرش جنسي بما في ذلك الاغتصاب.
وتصيب مدفعية فضائح إبستين إحدى أعرق العائلات الملكية في العالم وهي البريطانية. وإذا كانت فضائح الأمير أندرو في هذا الملف معروفة بتورطه في اعتداء جنسي مثل حالة فرجينيا جوفري، إلا أن قوات الشرطة البريطانية -بما في ذلك شرطة وادي التايمز وغيرها من السلطات القضائية- تكثف تحقيقاتها في الجرائم المحتملة المتعلقة بأندرو، مثل التبادل المفترض للوثائق الرسمية مع إبستين أو تسهيل وصول أطراف ثالثة إلى إقامات ملكية. ويعتبر هذا تحليلا أوليا، وليس اتهاما رسميا بعد، وفق الصحافة البريطانية، إلا أنه مرشح للأسوأ.
ويحاول الملك تشارلز الثالث احتواء انعكاسات هذه الفضيحة على التاج البريطاني، بتجريد الأمير أندرو من الألقاب الرسمية والمشاركة في المناسبات الرسمية وعدم السماح له بالعيش في الإقامات الملكية، وكذلك الاستعداد لمساعدة الشرطة في التحقيق في مدى تفويت الأمير لمعلومات سرية لإبستين. وينتقد البريطانيون المؤسسة الملكية للمماطلة في التحرك ضد الأمير أندرو رغم حجم تورطه في ملف إبستين. ونتيجة هذه الفضيحة، انخفض الدعم الشعبي للملكية البريطانية إلى 45% فقط، وفق استطلاع الرأي الذي أنجزته مؤسسة “سفنتا” ونشرت معطياته يوم 9 فبراير الجاري.
وبهذا، تحول إبستين بفضائحه إلى أكبر حليف للجمهوريين ومناهضي الملكية في أوروبا وخاصة الأنظمة التي أصابتها فضائحه. في هذا الصدد، تستغل جبهة مناهضة الملكية ومن أجل الجمهورية في بريطانيا هذه الفضيحة للضغط أكثر لإقناع الشعب بإلغاء الملكية. ويحدث الأمر نفسه في النرويج مع أحزاب مثل الحزب الأحمر والحزب اليساري الاشتراكي التي تقول إنه حانت لحظة الانتقال إلى الجمهورية.

