في مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتقاطع لغة التصعيد مع محاولات التفاوض بين واشنطن وطهران، وسط مؤشرات واضحة إلى أن مسار التسوية لا يزال بعيدًا عن النضوج، رغم كثافة المبادرات والردود المتبادلة.
فقد رفضت إيران رسميًا المقترح الأميركي لوقف إطلاق النار، وقدّمت عبر باكستان ردًا مضادًا من 10 بنود، ربطت فيه أي تهدئة بإنهاء كامل للحرب، إلى جانب مطالب تتعلق برفع العقوبات، وإعادة الإعمار، ووضع بروتوكول لعبور آمن في مضيق هرمز، وفق ما نقلته وكالة "إرنا" الرسمية . هذا الطرح يعكس تمسك طهران بسقف تفاوضي مرتفع، يرفض الحلول المرحلية ويضع شروطًا استراتيجية تتجاوز الإطار العسكري المباشر.
في المقابل، لم تُخفِ واشنطن ترددها حيال الطرح الإيراني. الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصف المقترح بأنه "ليس جيدًا بما يكفي"، رغم اعترافه بأنه "خطوة مهمة"، ما يكشف عن فجوة واضحة بين منطق التهدئة المؤقتة الذي تدفع به الولايات المتحدة، ومنطق التسوية الشاملة الذي تصرّ عليه إيران .
لكن اللافت أن موقف ترامب لم يقتصر على التقييم السياسي، بل ترافق مع خطاب مزدوج يجمع بين التهديد والانفتاح. فمن جهة، لوّح بتصعيد عسكري واسع، متحدثًا عن استهداف منشآت حيوية، ومؤكدًا أنه "مستاء للغاية" وأن إيران "ستدفع ثمناً باهظاً". ومن جهة أخرى، أشار إلى أن الحرب قد تنتهي سريعًا "إذا فعلوا ما يتعين عليهم فعله"، في إشارة واضحة إلى استمرار قنوات التفاوض رغم التصعيد.
وفي تصريح أكثر حدة، قال ترامب: "لو كان الأمر بيدي لأخذت النفط"، في موقف يعكس ذهنية الضغط القصوى، ويضع الصراع في إطار يتجاوز النووي إلى معادلات الطاقة والنفوذ. كما اعتبر أن بلاده "قضت على النظام الإيراني بشكل كامل"، في خطاب يعكس سقفًا سياسيًا مرتفعًا، حتى مع استمرار المسار الدبلوماسي.
في العمق، لا يبدو الخلاف تقنيًا بقدر ما هو سياسي: واشنطن تريد هدنة تفتح باب التفاوض، فيما تسعى طهران إلى اتفاق نهائي يكرّس مكاسبها ويرفع عنها الضغوط. وبين هذين المسارين، تتحول كل مبادرة إلى أداة اختبار، وكل تصريح إلى رسالة ضغط.
بالنسبة للبنان، لا يمكن عزل هذه التطورات عن تداعياتها المباشرة، خصوصًا في ما يتعلق بأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي، حيث يشكل مضيق هرمز شريانًا حيويًا لأي اقتصاد هشّ يعتمد على الاستيراد.
في المحصلة، المشهد لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات: مفاوضات تحت النار، وسقف شروط مرتفع، وضغوط متبادلة. وبين عرض "غير كافٍ" وردّ "غير قابل للتجزئة"، يبدو أن المنطقة تقف على حافة تسوية مؤجلة… أو تصعيد أكبر لم تتضح حدوده بعد.
