تبدأ الجمعية الوطنية الفرنسية، الخميس، مناقشة مشروع «قانون يادن» المثير للجدل، نسبة إلى اسم صاحبته النائبة البرلمانية كارولين يادن، والذي يهدف إلى مكافحة ما تصفه الأخيرة بـ «الأشكال الجديدة من معاداة السامية». ويرى أنصاره أنه خطوة ضرورية لمواجهة خطاب الكراهية، بينما يرى منتقدوه أنه يشكل تهديداً مباشراً لحرية التعبير ويخلط بين انتقاد «إسرائيل» ومعاداة اليهود، ومحاولة لتقييد النقاش حول القضية الفلسطينية.
ويهدف مشروع القانون إلى تحديث الترسانة القانونية الفرنسية في مواجهة ما تعتبره مقدمته «تحولات جديدة وخطيرة» في خطاب الكراهية. ومن أبرز الإجراءات التي يتضمنها النص:
تعريف جريمة «الإشادة بالإرهاب»، بحيث لا تقتصر على التصريحات المباشرة، بل تشمل أيضاً التعبيرات أو المواقف التي يمكن تفسيرها على أنها دعم ضمني لأعمال إرهابية.إدراج جريمة جديدة تتمثل في «الدعوة إلى تدمير دولة معترف بها من قبل فرنسا»، وهي صياغة يفهم منها أنها تستهدف الدعوات التي تشكك في وجود «إسرائيل»، مع عقوبات بالسجن وغرامات مالية.
توسيع نطاق تجريم إنكار الجرائم ضد الإنسانية، ولا سيما المحرقة، ليشمل أيضاً التقليل أو التهوين «بشكل فاضح» من هذه الجرائم.
منح دور أكبر للجمعيات المناهضة للعنصرية، عبر تسهيل انضمامها طرفاً مدنياً في القضايا المرتبطة بهذه الجرائم. وتؤكد كارولين يادن أن مشروع قانونها لا يستهدف الحد من حرية التعبير أو منع انتقاد السياسات الإسرائيلية، بل يهدف إلى التصدي لما تصفه بـ «الانزلاقات الخطيرة» التي تستخدم فيها بعض الخطابات السياسية غطاء لمعاداة السامية.
ويثير النص انقساماً عميقاً داخل البرلمان، إذ يحظى بدعم أحزاب اليمين واليمين المتطرف تحت شعار «الدفاع عن قيم الجمهورية»، بينما يواجه رفضاً شبه جماعي من أحزاب اليسار التي ترى فيه تهديداً للحريات العامة وخلطاً بين معاداة السامية وانتقاد الصهيونية أو سياسات الحكومة الإسرائيلية.
ولا يقتصر الجدل على الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، بل يمتد أيضاً إلى داخل المعسكر الوسطي الحاكم، حيث عبّر بعض البرلمانيين عن تحفظات ودعوا إلى تأجيل النقاش أو إعادة صياغة بعض البنود لتفادي مزيد من التوتر في سياق سياسي حساس.
ويرى مؤيدو النص أن فرنسا تشهد تصاعداً مقلقاً في حوادث معاداة السامية، وأن الإطار القانوني الحالي لم يعد كافياً لمواجهة الأشكال الجديدة لهذا الخطاب، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتغير طبيعة التعبير السياسي.
وفي المقابل، يحذر منتقدوه من أن توسيع مفهوم «تمجيد الإرهاب» ليشمل الأفعال «الضمنية» قد يؤدي إلى ملاحقة تصريحات سياسية أو مواقف تضامنية، خصوصاً المرتبطة بالقضية الفلسطينية. كما يشيرون إلى سياق أوسع من القوانين التي شددت القيود على الحريات العامة في السنوات الأخيرة، مثل قوانين مكافحة الإرهاب وقانون «الانفصالية». ويثير بند تجريم الدعوة إلى تدمير دولة تساؤلات حول تأثيره على النقاش السياسي، إذ يخشى البعض من استخدامه لتجريم شعارات أو مواقف راديكالية، حتى وإن كانت تندرج ضمن حرية التعبير.
وقد أطلقت عريضة شعبية واسعة ضد مشروع «قانون يادن»، تجاوز عدد الموقعين عليها 500 ألف شخص، وهو رقم ذو دلالة رمزية في فرنسا. وتتهم العريضة النص أنه «يهدد حرية التعبير» و»يسعى إلى إسكات الأصوات الداعمة للفلسطينيين»، كما تحذر من «الخلط بين اليهود كأفراد وسياسات دولة إسرائيل». وتفتح هذه العريضة الباب أمام نقاش برلماني مواز، وفق الآليات المتاحة للمبادرات الشعبية، وإن كان ذلك لن يتم قبل مناقشة المشروع نفسه. وتجدر الإشارة إلى أن كارولين يادن، البالغة من العمر 57 عاماً، كانت مرشحة معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون في الانتخابات التشريعية المبكرة عام 2024، وانتخبت نائبة عن الدائرة الثامنة للفرنسيين المقيمين في الخارج، والتي تضم عدة دول من بينها «إسرائيل» وتركيا واليونان وإيطاليا.
غير أنها أعلنت في عام 2025 ابتعادها عن كتلتها البرلمانية، مكتفية بصفة «منتسبة»، تعبيراً عن معارضتها لموقف الرئيس الداعي إلى الاعتراف بدولة فلسطين.

