دخل وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان إلى حيز التنفيذ رسمياً في منتصف الليل أمس، وفقاً للقرار الذي فرضه ترامب على الطرفين. وسيسري عشرة أيام، وتأمل الإدارة الأمريكية في جعله وقفاً دائماً بعد انتهاء هذه الفترة. خلال فترة وقف إطلاق النار، ستبقى قوات الجيش الإسرائيلي في مواقعها في جنوب لبنان. مع ذلك، قد تجبر الولايات المتحدة إسرائيل في المستقبل على الانسحاب من لبنان مثلما فعلت في السنة الماضية في قطاع غزة.
جاء قرار ترامب مساء أمس، عقب قراره الذي أعلنه في الأسبوع الماضي بشأن جبهة إيران. في الحالتين، فرض الرئيس الأمريكي هذه الخطوات على نتنياهو، الذي يرغب في مواصلة القتال في الجبهتين، والذي صرح مسؤولون في حكومته مؤخراً للمراسلين وعبروا عن معارضتهم لوقف إطلاق النار. في مكالمة هاتفية مع وزراء الحكومة مساء أمس، صرح نتنياهو بأن الموافقة على وقف إطلاق النار في لبنان كان بمثابة بادرة تقدير لترامب، في إطار مساعي إسرائيل إلى تنسيق المواقف مع الولايات المتحدة بشأن القضية المحورية، إيران.
لم يكن أمام نتنياهو خيارات كثيرة. في هذه المرحلة من الحرب، التي دخل إليها بفضل جهود نتنياهو الحثيثة، أصبح ترامب يملك القول الفصل، إذا لم يكن الحكم الوحيد. في الواقع، هناك ما يبرر الادعاء بأن السياسة الخارجية الإسرائيلية باتت بيد الرئيس الأمريكي. فمثلما أجبر ترامب نتنياهو على إنهاء الحملة السابقة في إيران، حرب الـ 12 يوماً في حزيران الماضي، ها هو الآن يفرض وقف إطلاق نار مؤقتاً في إيران ولبنان.
لم يتم إبلاغ أعضاء الحكومة الإسرائيلية إلا لاحقاً، بعد أن أعلن ترامب أنه رتب وقف إطلاق النار في محادثات منفصلة مع نتنياهو ومع الرئيس اللبناني جوزيف عون. عرف مواطنو إسرائيل بذلك أيضاً من خلال إعلانه. رفض الرئيس اللبناني أمس إجراء مكالمة هاتفية ثلاثية مع نتنياهو وترامب، رغم وعد ترامب قبل يومين. ولكن ترامب يتحدث الآن عن قمة ثلاثية محتملة في الأسبوع القادم في البيت الأبيض. سنرى ماذا سيحدث.
وقف القتال في الجبهتين يخفف من حدة الحرب ويقلل من احتمالية استئنافها. توقف إسرائيل حملتها في لبنان، وقد حققت نصف الأهداف. سيواجه نتنياهو صعوبة في إقناع الرأي العام في إسرائيل بتحقيق أهداف الحرب، في ظل عدم نزع سلاح حزب الله وبقاء النظام الإيراني في السلطة. تكمن فرصته الأكبر في كسب تأييد سكان المنطقة الشمالية الذين عادوا إلى بيوتهم بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، عندما أكد لهم الجيش الإسرائيلي، ولا سيما الحكومة، هزيمة حزب الله وأنه لم يعد يشكل أي خطر. سيقدم الجيش إحصائيات عن عمليات القتل الجماعية للإرهابيين (حسب رئيس الأركان إيال زامير، أكثر من 1700 منذ بدء الحملة الحالية) وتدمير البنية التحتية. وهذا لن يخفف من قلق سكان المطلة ومرجليوت الذين اكتشفوا أن قوة حزب الله النارية وروحه القتالية أقوى بكثير مما يقال لهم.
استجاب ترامب للدعوة الإيرانية، وقف إطلاق النار في لبنان، الذي يهدف إلى بقاء حزب الله واقفاً على قدميه رغم الضربات التي تعرض لها. وفي حين يسعى الحزب بشدة إلى هدنة تتيح له التعافي، فإنه لا يتراجع على جبهة أخرى. ففي الفترة الأخيرة، هدد مسؤولون كبار في حزب الله الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء بسبب موافقتهما على لقاء مباشر بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في الولايات المتحدة.
مساحة للتسوية
حتى الآن لم تتحقق الأهداف الثلاثة الرئيسية للحرب على إيران، التي حددها نتنياهو في 28 شباط الماضي. لم يتغير النظام، ولم تتم إزالة التهديدات التي تفاخر بإزالتها في حزيران الماضي، المشروع النووي والبرنامج الصاروخي، وقد تبنى رئيس الحكومة موقفاً متفائلاً جداً بشأن تغيير النظام في طهران، وانجر ترامب وراءه. وقد وضح رئيس الموساد دافيد برنياع، هذا الأسبوع، بأن حملة إسقاط النظام ستستمر حتى بعد انتهاء الحرب. ولكن هذا يعتمد بشكل أساسي على موقف الأمريكيين وما سيتم ذكره في الاتفاق الذي قد يتم التوقيع عليه بينهم وبين إيران.
من المرجح أن تستأنف المحادثات في إسلام آباد حول وقف إطلاق نار بعيد المدى في بداية الأسبوع القادم. بالطبع تبقى احتمالية تصعيد عسكري جديد محتملة، لكن بدأ مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى يظهرون مؤخراً التفاؤل حول فرصة التوصل إلى اتفاق. ويعتقد خبراء في إسرائيل، ودبلوماسيون غربيون، أن هناك مجالاً للتوصل إلى اتفاق خلال المحادثات. ويبدو أن ترامب هو الأكثر انشغالاً في الوقت الحالي، خلافاً لتصريحاته القوية، ويظهر أحياناً نفاد الصبر إزاء استمرار الحرب. وتحاول القيادة الإيرانية إظهار رباطة الجأش، إذ إن تجاهلها التام للمعاناة الكبيرة التي أغرقت فيها مواطنيها، يتيح لها ذلك.
يظهر من التسريبات أن إيران مستعدة لاتفاق يتضمن تجميد تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها لمدة خمس سنوات، والولايات المتحدة تطلب تجميده لعشرين سنة، لكن هناك مجالاً للتسوية. قد يسعى الأمريكيون إلى تعويض بعض التنازلات على مدى فترة زمنية تحدد لاحقاً، من خلال تطبيق آلية رقابة خارجية أكثر صرامة، بمشاركة الوكالة الدولية للطاقة النووية. أما فيما يتعلق بالقضية الأكثر حساسية، مصير الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، فلم يتم التوصل إلى اتفاقية كاملة بعد، رغم ادعاء ترامب مساء أمس، بأن المشكلة قريبة من الحل. ويبدو أن الولايات المتحدة مصممة على إخراجه من الأراضي الإيرانية، وأن النظام سيحاول تأخير العملية بقدر الإمكان بذرائع مختلفة. من جهة أخرى، إذا وافق النظام فسيحصل على تسهيلات اقتصادية كبيرة.
عاموس هرئيل
هآرتس 17/4/2026

