من السابق لأوانه التخمين ما ستكون عليه الخطوط الأساس النهائية للاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران. ويمكن الافتراض بأنه ستتطلب بضع جولات أخرى من المفاوضات إلى أن يصل الطرفان إلى اتفاق. لكن ثمة ميلان واضحان سيصممان هذا الاتفاق: الأمريكيون الإيرانيون معنيون في الوصول إلى اتفاق، وإيران وإن كانت منهكة، تدخل بصفتها الطرف القوي إلى هذه المفاوضات، فيما الزمن لا يلح عليها، بخلاف الأمريكيين.
حتى قبل أن يصاغ الاتفاق النهائي، واضح أنه سيكون بعيداً جداً عن الأهداف التي وضعها الأمريكيون وإسرائيل للحرب التي خاضوها طوال 40 يوماً. هدف الحرب الذي أعلن عنه على لسان ترامب ونتنياهو، هو إسقاط النظام أو على الأقل ضعضعته. أما المخططون العسكريون فكانوا أكثر تواضعاً وعرفوه كـ “خلق الظروف لتغيير النظام”.
لقد أهمل هذا الهدف تماماً. صحيح أن النظام فقد الزعيم الأعلى ومعه شخصيات أساسية، لكنه يخرج معززاً من هذه الحرب. نظام كان مهزوزاً ومنبوذاً في 28 شباط، يحصل بعد الحرب على شرعية واعتراف أمريكي كامل. أناس النظام، الذي يقوده الحرس الثوري اليوم، يجلسون لمفاوضات مع نائب الرئيس الأمريكي. لا يوجد ختم تسويغ أعلى من هذا. يعود ترامب ويدعي بأنه يتحدث مع “الأشخاص الصح” ولكن لا وزير الخارجية عباس عراقجي ولا رئيس البرلمان محمد قاليباف هما من يتخذان القرار في إيران. ممسكو الخيوط الحقيقيون هم ثلاثي متطرف من رجال الظلال: أحمد وحيدي قائد الحرس الثوري الجديد وفي ماضيه إرهابي في فيلك القدس، وإلى جانبه حسين طائب رئيس الاستخبارات في الحرس الثوري سابقاً، وعلي بدوي قائد سلاح البحرية سابقاً.
ثلاثتهم عسكريون ومتطرفون، قد يبدو علي خامنئي الراحل إلى جانبهم معتدلاً. هم أصدقاء قدامى لخامنئي الشاب، وخدموا إلى جانب مجتبى في الحرب ضد العراق. يدعي وحيدي أنه يتلقى اليوم أيضاً تعليمات منه، لكن لا أحد يعرف إذا كان مجتبى بالفعل في وضع يسمح له بإصدار التعليمات. الواضح أن وحيدي هو الرجل القوي اليوم في إيران. والاتفاق معه سيضمن استمرار حكمهم وقمع الشعب الإيراني.
هدف الحرب الثاني للولايات المتحدة وإسرائيل هو ضربة تحيّد البرنامج النووي الإيراني. في 40 يوماً من الحرب، تلقى البرنامج النووي، بجملة مواقعه وشخصياته، ضربات قاسية، لكنه لم يحيد. لا يزال في إيران 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى 60 في المئة، ونحو 1000 كيلوغرام آخر من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 20 في المئة، هكذا بحيث إنه رغم ضربة البرنامج النووي بقيت إيران دولة حافة نووية.
أي شيء أقل من إخراج اليورانيوم المخصب من إيران سيسمح لها بإعادة إحياء البرنامج النووي وسيشكل لها نصراً عظيماً. ترامب يفهم هذا، وعليه سيكون مستقبل اليورانيوم صخرة الخلاف الأساس في المحادثات التي يجريها معهم. إبقاء المادة وتخفيفها، كما يقترح الإيرانيون، هو عديم المعنى. صورة المادة المخصبة وهي تخرج من إيران ستوفر لترامب ما يمكن أن يعرضه كإنجاز.
تطالب إيران بالاعتراف بحقها في التخصيب، وكما يبدو هذا، فإن الأمريكيين مستعدون لحلول وسط في هذا الموضوع. يريد الإيرانيون تجميداً لخمس سنوات، ويريده الأمريكيون عشرين سنة، وفي النهاية سيكون هناك حل وسط، يتمثل بالعودة إلى الاتفاق النووي لأوباما في 2015، إلى هذا الحد أو ذاك.
في موضع التخصيب – يكمن الشيطان في التفاصيل الصغيرة: أي نظام رقابة سيفرض على إيران؟ سيراقب أعمال التخصيب أم أعمالاً أخرى للبرنامج النووي تساعد إيران من الاقتراب من سلاح نووي؟ هل سيسمح لإيران بالتخصيب أو بإنتاج أجهزة طرد مركزي في منشآت تحت أرضية، منيعة على الهجمات من الجو، أم ستكون مطالبة بإبقاء كل المشاريع علنية ومن فوق سطح الأرض؟ ستكون الإجابة عن هذه الأسئلة حرجة لمستقبلنا.
لا يفكك بسهولة
إسرائيل، وبقدر ما الولايات المتحدة أيضاً، وضعتا هدف الضربة القاسية لبرنامج الصواريخ الإيراني. حقق سلاح الجو ضربة كهذه، لكن يبدو أن هذا الموضوع شطب من جدول أعمال المحادثات في إسلام آباد. لا تزال لإيران قدرات ذات مغزى في مجال الصواريخ، مثلما شعرنا أيضاً قبل لحظة من وقف النار، فإن إبقاء هذا البرنامج دون رقابة سيبقي إسرائيل وحدها أمام قوة صاروخية إيرانية عظمى.
لقد أرادت إسرائيل أيضاً تفكيك المحور الشيعي، على فروعه المختلفة، وهنا تنجح إيران حالياً في ضم فرعها اللبناني مع الاتفاق مع الأمريكيين. الفرع اليمني لم يتضرر على الإطلاق. الهدفان اللذان وضعهما الأمريكيون لأنفسهم تحققا: الأسطول الإيراني دمر تماماً تقريباً، ومثله سلاح الجو.
الجانب الاقتصادي للاتفاق ووتيرة ترميم القدرات الإيراني سيقرران مكانة إيران المستقبلية في المنطقة. إذا ما رفعت العقوبات وسمح لإيران بإنتاج النفط، فستتوقع مداخيل بمئات المليارات في السنة تضخ لترميم سريع لقدرات الصواريخ، البحر والجو.
وإذا ما أضيف لهذا أيضاً اعتراف أمريكي بحقوق إيرانية على الملاحقة في مضيق هرمز فبانتظار إيران المزيد من المداخيل ورفع مستوى مكانتها الإقليمية. لقد كان مضيق هرمز مسار ملاحة دولياً حتى 28 شباط، ولم يكن بملكية أي دولة. إذا وافق الأمريكيون على أن يكون لإيران الحق في جباية “رسوم عبور” (خاوة) في المضيق، فإن إيران ستحقق سيطرة على اقتصادات دول الخليج – السعودية، الكويت، قطر، والإمارات – زرقها جميعاً سيكون متعلقاً بإيران. وهذا سيجعل إيران أقوى من أي وقت مضى.
ألون بن دافيد
معاريف 17/4/2026

