نشرت مجلة “تايم” تقريرا أعده فيليب وانغ نقل فيه مظاهر قلق دبلوماسيين سابقين بشأن تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إرسال نفس المبعوثين للتفاوض نيابة عنه مع إيران.
وقالوا إن مبعوث الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر الذي ليست لديه صفة رسمية وقادا مع نائبه جي دي فانس الجولة الأخيرة والفاشلة من المحادثات مع إيران، يفتقران للخبرة والكفاءة.
وقد أثار فشل المفاوضات في باكستان مخاوف بشأن قدرة المبعوثين هؤلاء على التوصل إلى اتفاق، وذلك في الوقت الذي تدرس فيه إدارة ترامب جولة ثانية من المحادثات مع إيران.
استمرار اعتماد ترامب على نفس الفريق، ينذر بإطالة أمد الحرب وزيادة زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي.
وحذر دبلوماسيون سابقون من أن استمرار اعتماد ترامب على نفس الفريق، ينذر بإطالة أمد الحرب وزيادة زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي.
وعلق آرون ديفيد ميلر، المفاوض السابق في وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط والذي عمل مع ستة وزراء خارجية: “إيران والولايات المتحدة في عهد كوشنر وويتكوف؟ فشل ذريع. يستحقان علامة صفر في الدبلوماسية”. وأشار ميلر إلى سجل كوشنر وويتكوف، مستشهدا بفشل المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا وتعثر المفاوضات بين إسرائيل وحماس في ظل استمرار إسرائيل في شن غاراتها على غزة.
وجادل ميلر بأنه حتى أكثر المفاوضين خبرة، سيواجهون تحديات كبيرة في مثل هذه النزاعات، إلا أن كوشنر وويتكوف فشلا في تمرير الإحساس الذي يشير إلى أن الطرفين يريدان تحقيق اتفاق جيد وبشكل عاجل، وهو شرط أساسي لدفع المفاوضات قدما.
وأضاف ميلر: “يجب التسليم بأن نجاح المفاوضات، في حال وجود حاجة ماسة، يعتمد على إيجاد توازن في المصالح بين الطرفين، وإذا أرادوا الخروج من هذا المأزق، فعليهم، على ما أعتقد، التوصل إلى حل يسمح للإيرانيين بالقول إنهم حققوا مكسبا ما”.
واقترح ميلر أن أحد التنازلات الممكنة هو منح إيران مسارا لاستئناف تخصيب اليورانيوم في وقت لاحق.
وفي رد على سؤال حول الأدوار المستقبلية لكوشنر وويتكوف في مناقشات الملف الإيراني، قال مسؤول في البيت الأبيض لمجلة “تايم” إن فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، وويتكوف، وكوشنر “يعملون معا في هذه المناقشات وسيواصلون ذلك”.
ويعتقد دبلوماسيون من أصحاب الخبرة الطويلة أنه في حالة استئناف المفاوضات، فيجب التحضير لها بشكل جيد، وعليهم وضع أهداف محددة وواضحة.
وحذر ديفيد ساترفيلد، السفير الأمريكي السابق لدى تركيا والدبلوماسي المخضرم الذي عمل في هذا المجال لأربعة عقود، من أنه إذا لم تتمكن الإدارة الأمريكية من تحديد مجموعة من الأهداف الاستراتيجية بوضوح، سرا وعلنا، فإن فرصة التوصل إلى اتفاق مع إيران ستتضاءل. وأضاف: “لا يقتصر الأمر على ضرورة أن توضح الولايات المتحدة أهدافها وأن تعرف داخليا ما يمكنها التنازل عنه وما لا يمكنها أن تتنازل عنه، وأين ستتمسك بموقفها وما هي الخطوط الحمراء، بل يجب أن يكون لديها أيضا فهم واقعي لما يقدمه الطرف الآخر”.
ولم تكن لدى كوشنر وويتكوف أي خبرة في المجال الدبلوماسي أو الحكومي، حيث جاءا من عالم العقارات. وقد روج كوشنر، الذي شغل منصب المبعوث الخاص للسلام في البيت الأبيض، لنهجه الدبلوماسي القائم على إيجاد المصالح المشتركة. وقال في مقابلة مشتركة مع ويتكوف عام 2025: “اعقدوا الصفقات بدلا من إلقاء المحاضرات على العالم، ركزوا على المصالح أكثر من القيم أحيانا، واكتشفوا مواطن التشابه مع الدول الأخرى، واسعوا لتحقيق تلك المصالح المشتركة”.
ويتهم كوشنر بالتقليل من أهمية السياق التاريخي، فخلال حرب إسرائيل ضد غزة، قال كوشنر في مقابلة مع ليكس فريدمان بأنه قال لمبعوثين سابقين في الشرق الأوسط: “لا أريد صداعا ولا أريد درسا في التاريخ”. وأضاف كوشنر: “ما أريده هو بسيط جدا، ما هي النتيجة التي ستقبلونها؟”.
لم تكن لدى كوشنر وويتكوف أي خبرة في المجال الدبلوماسي أو الحكومي، حيث جاءا من عالم العقارات
وفي قمة استضافها صندوق الاستثمارات العامة السعودي قبل أسبوعين، قال كوشنر إن “السلام لا يختلف كثيرا عن الأعمال التجارية”، وأنه استطاع توظيف العلاقات التجارية في الدبلوماسية.
وقد أثار هذا الرأي شكوكا لدى المراقبين، حيث علق ميلر: “كيف له أن يقول ذلك؟ إنه يقارن استئجار مبنى سكني في فيفث أفنيو [نيويورك] بالتفاوض على صراع تاريخي تحركه دوافع أمنية ومعاناة وصدمات”.
وأضاف: “لا أقول إنك بحاجة لأن تكون دبلوماسيا لتكون مفاوضا جيدا. لم يكن هنري كيسنجر دبلوماسيا. لم يكن رئيسي السابق، جيمس بيكر، دبلوماسيا. لكنك تحتاج إلى إلمام بالتاريخ، ومعرفة بالجغرافيا”.
وفي هذا السياق، يعتبر عدم توفر الخبرة النووية لدى مبعوثي ترامب مشكلة للمراقبين. وقال روبرت أينهورن، المسؤول البارز السابق في وزارة الخارجية الأمريكية والذي شارك في المفاوضات النووية الإيرانية من عام 2009 إلى عام 2013، إنه على عكس الصفقات التجارية، حيث قد يكون للمفاوضين سلطة إبرام اتفاق فوري، فإن المفاوضات الدبلوماسية بشأن قضايا مثل نزع السلاح النووي مقيدة بالسياسات الداخلية لدى كلا الجانبين. وأضاف: “على المفاوض على طاولة المفاوضات أن يفكر في كيفية تأثير الرأي العام المحلي على النتيجة” و”أعتقد أن المفاوض في قضية نووية يواجه قيودا أكبر من قبل بيروقراطية حكومته والرأي العام”.
وأشار أينهورن أيضا إلى أن المحادثات النووية الإيرانية السابقة كانت “عملية منهجية وتداولية بين الوكالات، جرت على جميع مستويات الحكومة”، وأن إسهام الخبراء أمر بالغ الأهمية لتحقيق أهداف مثل “عدم تخصيب اليورانيوم”، كما طالب الرئيس ترامب في منشور على منصة “تروث سوشيال”.
وتساءل المسؤول السابق: “ماذا يعني عدم التخصيب؟ هل يعني عدم وجود بنية تحتية تدعم التخصيب؟ هل يعني أنه يجب تصدير اليورانيوم المخصب الموجود بالفعل، بما في ذلك 440 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب، أو تخفيفه؟ لا بد من وجود خبراء يفهمون مختلف أبعاد المشكلة”.
ويفهم أن مسألة كيفية الحد من القدرات النووية الإيرانية بشكل قابل للتحقق، أصبحت العقبة الرئيسية في مفاوضات السلام.
ففي محادثات نهاية الأسبوع الماضي، ضغطت الولايات المتحدة على إيران لإزالة جميع اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد. وذكر موقع “أكسيوس” أن المسؤولين الإيرانيين وافقوا فقط على “عملية مراقبة لخفض نسبة التخصيب”. وكانت مدة وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني نقطة خلاف أخرى. فقد اقترحت الولايات المتحدة وقفا لمدة 20 عامًا، بينما اقترح المسؤولون الإيرانيون فترة أقصر “برقم واحد”.
ويعكس هذا التباين جولات سابقة من المحادثات غير المباشرة في مسقط عاصمة عمان وجنيف في شباط/فبراير، وفقا لتقارير إخبارية أخرى.
قال كوشنر إن “السلام لا يختلف كثيرا عن الأعمال التجارية”، وإنه استطاع توظيف العلاقات التجارية في الدبلوماسية.
ويبدو أن المسؤولين الإيرانيين شعروا بالحيرة عندما أرسل البيت الأبيض مجددا كوشنر وويتكووف، اللذين لا يملك أي منهما خبرة في السياسة النووية. بحسب وكالة “أمواج” البريطانية، نقلا عن مصادر إيرانية لم تسمها، شرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مراحل إنتاج الوقود النووي والفرق بين منشأة التخصيب والمفاعل لويتكوف في عدة مناسبات خلال المفاوضات في مسقط. والأهم من ذلك، أضاف ميلر، أنه يجب على المستشارين إظهار استعداد لمواجهة الرئيس بشأن العواقب المحتملة لقراراته، وهو أمر لم يفعله مسؤولو الإدارة الحالية منذ بدء الحرب مع إيران في 28 شباط/ فبراير، حسبما أوردت وكالة “بلومبيرغ”.
وقال ميلر إنه يجب أن يكون “هناك نقاش صريح بين مستشاري الرئيس، حيث يقولون له بصراحة: أنت صاحب القرار النهائي، ولكن إذا أقدمت على هذا، فهذا ما سيحدث على الأرجح. وفي رأيي، إذا فعلت ذلك، فقد تفشل”. وأكد ميلر أن هذا النقاش الداخلي الصريح يعتمد على استعداد المستشارين لتحمل العواقب. مشيرا إلى أن ترامب كان لديه في ولايته الأولى أربعة وزراء دفاع، وعدد آخر من مستشاري الأمن القومي وكلهم كانوا يدركون عواقب مواجهته.
وفي ردها على انتقادات دبلوماسيين سابقين، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، لمجلة “تايم”: “لم يفعل هؤلاء الدبلوماسيون شيئا للحد من الخطر الجسيم الذي تمثله إيران النووية، الرئيس ترامب وفريقه للأمن القومي وحدهم من اتخذوا إجراءات فعالة للتصدي له”. ومضى بيانها في تعداد إنجازات كل من كوشنر وويتكوف.

