بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

واشنطن تقاتل طهران وتعارض إسرائيل... "الأمر لي" في بيروت!

واشنطن تقاتل طهران وتعارض إسرائيل... "الأمر لي" في بيروت!

توازنات دقيقة، ومصالح متضاربة، وإرباك واضح، عوامل تحول حتى الساعة دون جلوس المفاوضين الأميركيين والإيرانيين على مائدة التفاوض في باكستان، حيث العنوان المُعلن لم يعد بحث نقاطٍ عالقة بين واشنطن وطهران، بل بات مقتصراً على احتمال اكتمال نصاب الوفود المشاركة أو سقوط المفاوضات.


وفي الحالتين، فإن الصورة الكبرى في باكستان يحددها سفير لبنان الأسبق في واشنطن، رياض طبارة، بـ"إدارة الأزمة"، من دون إغفال التفصيل المتعلق بالتداخل بين المسارين اللبناني والإيراني، أو إسقاط الدور الأميركي في إدارة التوترات، لا سيما في ظل التحركات الدبلوماسية الأخيرة الهادفة إلى الحفاظ على هدنة مؤقتة في بيروت وطهران على حد سواء.


ومهما أصرّ لبنان الرسمي على حصر عملية التفاوض والتفاهمات بالدولة، وفصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، مدفوعاً من واشنطن، يجزم السفير طبارة، في حديثه إلى "ليبانون ديبايت"، بأن إيران لا ترغب في استقلال وفصل المسار اللبناني عنها، ما يجعل أي محاولة أميركية لفصل الملف اللبناني عن النفوذ الإيراني محاولة غير مكتملة النجاح حتى الآن.


وعلى الرغم من إمكانية تثبيت وقف إطلاق النار في سياق مفاوضات واشنطن المرتقبة اليوم، فإن هذا التطور لا يعكس حلاً فعلياً، برأي طبارة، الذي يكشف أنه يأتي نتيجة رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تجنّب التصعيد، وليس أكثر، بعدما مارس ضغوطاً على إسرائيل لعدم توسيع العمليات العسكرية في لبنان، وذهب إلى حدود أن يصبح الرئيس الأميركي الوحيد الذي يرفع صوته، وللمرة الأولى، بوجه بنيامين نتنياهو قائلاً: "كفى".


وبحسب طبارة، فإن الإجتماع المرتقب في واشنطن لن يحمل حلولاً، بل يهدف أساساً إلى تمديد هدنة "هشة ومؤقتة"، مع محاولة تسويق الأمر على أنه تقدم سياسي من قبل الإدارة الأميركية. غير أن جوهر هذا التحرك يبقى في إطار "تبريد" الوضع ومنع الانفجار، بانتظار تبلور صورة أوسع في جلسة مفاوضات قد تُعقد في باكستان غداً الجمعة.


في هذا السياق، يفسّر طبارة عدم توجه رئيس الجمهورية جوزف عون إلى واشنطن في المرحلة الحالية، معتبراً أن أي زيارة من هذا النوع لن تتم إلا عند تحقيق اختراقات حقيقية تبرّر المشاركة على مستوى رفيع، ما يؤكد غياب الحلول الناضجة حتى الآن.


وبينما لا تزال الصورة غير واضحة في واشنطن، فإن الجديد الذي يكشفه طبارة في الجدل حول المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة، هو أنها ليست سوى وسيلة لكسب الوقت، في ظل غياب أي مقترحات جدية للحل. ويعود السبب إلى أن إسرائيل، رغم الضغوط الأميركية، لا تبدي حماسة حتى لوقف إطلاق النار، نظراً لاعتبارات استراتيجية تتعلق بأمنها الحدودي، وسعيها لمنع تكرار سيناريوهات مشابهة لما حدث في السابع من أكتوبر في غزة.


وبالتالي، فإن الهدنة المطروحة، حتى لو امتدت لعشرة أيام، لا تمثل وقفاً فعلياً لإطلاق النار، بقدر ما هي محاولة لاحتواء التصعيد، ما يعزز التقديرات بإمكانية الإعلان عن "تقدم" شكلي بهدف تمديد هذه الحالة المؤقتة.


أما على صعيد العلاقة مع إيران، فلا يرى طبارة أي تحولات جوهرية في المدى القريب، مشيراً إلى أن الضغوط الأميركية على لبنان تقابلها ضغوط إيرانية مضادة، ما يجعل فكرة فصل لبنان عن المحور الإيراني غير واقعية في الوقت الراهن، علماً أن بعض محاولات الفصل، مثل تلك المرتبطة برئيس مجلس النواب نبيه بري، قوبلت بإشارات تنبيه إيرانية غير مباشرة.


ويقود ذلك إلى اعتبار الحديث عن استقلالية القرار اللبناني، سواء من قبل عون أو بري، مسعىً محدوداً في ظل الترابط العميق مع المعادلة الإقليمية، لأن إيران لن تتخلى بسهولة عن الورقة اللبنانية، لما تمثله من أهمية استراتيجية في صراعها مع الولايات المتحدة.


واستطراداً، يلاحظ طبارة تحولاً نسبياً في موقف إدارة ترامب المستجد من لبنان، مدفوعاً بنصائح مستشاريه من أصول لبنانية بعدم إهمال الساحة اللبنانية، ما يفسّر تشدد واشنطن الأخير تجاه إسرائيل، وكذلك نظرتها إلى الجيش اللبناني كحليف تقليدي، الأمر الذي يعزز اهتمامها باستقرار لبنان.


وعلى مستوى أوسع، يعتبر طبارة أن الخلاف حول لبنان يكاد يوازي، في أهميته، الخلاف بين واشنطن وطهران حول الملف النووي والصواريخ الباليستية، في ضوء موقف ترامب المأزوم، إذ يسعى إلى الخروج من أي مواجهة مع إيران من دون تحقيق انتصار واضح، ما يدفعه إلى اعتماد خطاب تصعيدي من دون ترجمة فعلية على الأرض.


في المقابل، تتعامل إيران مع الوضع بمرونة محسوبة، مع إدراكها أن المسار العام سيتجه نحو اتفاق جزئي، لا إلى حل جذري. وباعتقاد طبارة، فإن ما يجري هو إدارة للأزمة وليس حلاً لها، حيث تسعى الأطراف الأميركية والإيرانية والباكستانية إلى تأجيل الملفات الخلافية الكبرى، مثل "النووي والأذرع والصواريخ"، بدلاً من معالجتها.


من هنا يأتي إصرار إسرائيل على الضغط في الملفات الحساسة المذكورة، وخصوصاً دور "حزب الله"، بينما يحاول ترامب تأجيل هذه القضايا لتفادي انهيار المفاوضات في باكستان بشكل نهائي، ما يخلق حالة من المراوحة السياسية والضياع الإستراتيجي لدى المعنيين كافة، حيث لا تقدم حقيقياً ولا انهياراً كاملاً.


وفي الترجمة اللبنانية لهذه المعادلة، يرى طبارة أن الهدنة باتت على قاب قوسين من الإنهيار، في ظل محاولة إسرائيلية لتكريس الفصل عن المسار الإيراني.