بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

من أوكرانيا إلى جنوب لبنان: المحلقات كابوس لإسرائيل

من أوكرانيا إلى جنوب لبنان: المحلقات كابوس لإسرائيل

تحولت الطائرات المسيّرة الصغيرة من نوع FPV خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الأسلحة إرباكاً للجيوش النظامية، وأكثرها قدرة على كسر الفوارق التقليدية في القوة والتكنولوجيا والكلفة، وهذا هو النوع من المسيّرات الذي يقلق إسرائيل اليوم بشكل متزايد، ويدخل تدريجياً إلى عقيدة القتال لدى حزب الله.

هذه المحلقات لا تشبه الطائرات المسيّرة التقليدية التي اعتاد العالم رؤيتها في الحروب، بل تقوم على فلسفة مختلفة بالكامل، فهي سلاح رخيص، صغير، سريع، يصعب رصده، ويستطيع إصابة أهداف دقيقة بكلفة متدنية جداً مقارنة بالخسائر التي يسببها.


مصطلح FPV هو اختصار لـ First Person View، أي "الرؤية من منظور الشخص الأول"، حيث يتحكم المشغّل بالطائرة عبر نظارات أو شاشة تنقل الصورة مباشرة من كاميرا مثبتة على المسيّرة نفسها، ما يمنح المشغّل شعوراً وكأنه يجلس داخل الطائرة ويقودها بنفسه نحو الهدف، وهذا التطور غيّر طبيعة استخدام المسيّرات، لأنّ الأمر لم يعد يعتمد فقط على برمجة مسبقة أو تحليق استطلاعي، بل على قدرة هجومية مباشرة ومرنة تسمح بملاحقة الأهداف والمناورة والاصطدام الدقيق بها، وقد شاهدنا ذلك من خلال الفيديوهات التي نشرها الاعلام الحربي في المقاومة، والتي ظهرت فيها احدى المحلقات وهي تجول داخل موقع إسرائيلي للبحث عن هدف تصطدم فيه.


هذا السلاح بحسب مصادر عسكرية يؤدي الى تقليص حجم الخسائر البشرية كونه لا يحتاج لاستخدامه سوى شخص واحد، يجلس داخل منزل او تحت سقف او في مخبأ مغلق، كما يؤدي الى تكثيف خسائر العدو الذي لم يجد حتى اللحظة سلاحا مضادا له، وتشير المصادر الى ان قلق المحلقات وصل الى مستوطنات شمال فلسطين المحتلة حيث لا يوجد انذار مسبق لتنبيه المستوطنين منها ولا فعالية للقبة الحديدية مقابلها، وبالتالي خطرها وضررها وقلقها اكبر من تلك التي تسببها الصواريخ.


البداية الحقيقية الواسعة لهذا السلاح ظهرت في الحرب الأوكرانية الروسية، رغم أنّ جذوره التقنية تعود إلى سنوات سابقة مرتبطة بهواة الطائرات السباقية والطائرات المدنية الصغيرة، لكن الحرب الروسية الأوكرانية حوّلت هذه التكنولوجيا من لعبة هواة إلى سلاح حرب فعلي، ومن هناك انتقل الى اكثر من ساحة اخرها الساحة اللبنانية.


تعتبر المصادر أن المقاومة تستخدم اليوم محلقة لا يتجاوز ثمنها أحياناً بضع مئات من الدولارات تستطيع تدمير دبابة بملايين الدولارات أو إصابة غرفة عمليات أو استهداف جنود داخل تحصيناتهم بدقة عالية، وهذا ما يجعل الجيش الإسرائيلي مترقبا وقلقا نظرا لاستخدام هذا النوع من السلاح، لأنّ البيئة اللبنانية والجغرافيا الحدودية تمنح هذا النوع من المسيّرات فعالية استثنائية.


تشير المصادر عبر "ليبانون ديبايت" الى أن المعركة في جنوب لبنان ليست معركة صحارى مفتوحة أو جبهات بعيدة، بل مسافات قصيرة، تضاريس معقدة، قرى متداخلة، أحراج، ومرتفعات تسمح بإخفاء منصات التشغيل والتحكم، وتسهيل تسيير المحلقات، وهذا يعني أنّ طائرات FPV تستطيع الظهور بشكل مفاجئ خلال ثوانٍ فوق أي موقع أو آلية أو تجمع عسكري، وهذا بالضبط ما يجري اليوم في ساحة المعركة.


الخطورة الأساسية لهذا السلاح تكمن في عدة عناصر مجتمعة، تقول المصادر، أولاً، الحجم الصغير جداً والبصمة الحرارية الضعيفة، ما يجعل رصدها بالرادارات التقليدية أمراً بالغ الصعوبة، ثانياً، قدرتها على الطيران المنخفض والسريع والمناورة الحادة، ثالثاً، الكلفة المتدنية مقارنة بالصواريخ الدقيقة أو المسيّرات العسكرية الكبيرة، ورابعاً، إمكانية استخدامها بأعداد كبيرة ضمن ما يشبه "هجمات الإغراق"، وهذا ما لم يتم اعتماده بعد ولكنه قابل للتحقق.


مؤخرا تحدث نتانياهو عن ان الحرب ضد المسيرات قد تحتاج وقتا طويلا، وان الجيش الإسرائيلي يوجه تركيزه لضرب البنى التحتية للمسيرات، وهنا تلفت المصادر الى ان هذه المسيّرات لا تحتاج إلى بنية تشغيل معقدة أو مطارات أو تجهيزات ضخمة، بل يمكن إطلاقها من نقطة صغيرة جداً خلال دقائق، وهذا تحديداً ما يجعلها سلاح استنزاف مثالياً وسيصعب مهمة جيش العدو الإسرائيلي.


الأخطر بالنسبة للإسرائيلي أنّ هذا السلاح يضرب واحدة من أهم نقاط القوة النفسية والعسكرية لديه، وهو الشعور بالتفوق التكنولوجي والسيطرة الجوية الكاملة، فحين يصبح معرضاً للاستهداف بطائرة صغيرة قد لا تُرى إلا قبل ثوانٍ من الاصطدام، فإنّ مفهوم الأمان العسكري نفسه سينتهي، وهذا أحد أهم مفاعيل المحلقات.


-------------

"ليبانون ديبايت"-محمد علوش