انطلقت صباح اليوم الجمعة في نيويورك فعالية إحياء الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، بإشراف لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، برئاسة السفير السنغالي كول سيك.
وذكر السفير سيك أن الفعالية تستعرض السياق التاريخي للنكبة وأحداث عام 1948، كما تتطرق إلى المظاهر المستمرة للتجريد من الملكية والتهجير، وتسلط الضوء على الكيفية التي عاش بها الشعب الفلسطيني هذه التطورات وكيف جرى تنفيذها على أرض الواقع.
وقال رئيس اللجنة إن الفعالية تهدف إلى المساهمة في صون الذاكرة التاريخية الفلسطينية، ومشاركة هذه الرواية مع الدول الأعضاء وعامة الجمهور، مع التأكيد في الوقت ذاته على الالتزامات القائمة والسبل المحتملة لاتخاذ إجراءات دولية جادة.
وتأتي هذه المناسبة السنوية تنفيذاً لتفويض صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب قرار اعتمد في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، يقضي بإحياء الذكرى سنوياً ابتداءً من عام 2023.
وفي بداية الجلسة، ألقت رئيسة الجمعية العامة في دورتها الثامنة والسبعين، أنالينا بيربوك، كلمة تناولت فيها استعصاء حل القضية الفلسطينية على مدى عقود، واستمرار معاناة الشعب الفلسطيني. كما تحدث مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ، خالد خياري، إلى جانب رياض منصور، المراقب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة، الذي ألقى بيان رئيس دولة فلسطين محمود عباس. كما تضمنت الجلسة شهادات إنسانية، من بينها شهادة وسام حمادة، والدة الطفلة هند رجب (5 سنوات)، التي استشهدت في غزة عام 2024، إضافة إلى شهادة عائلة الشهيد الطفل أوس حمدي النعسان (13 عاماً) من بلدة المغير، الذي قتله مستوطنون في مدرسته يوم 21 نيسان/أبريل 2026.
وتضمنت كلمات إخوة أوس وشقيقاته ووالدته وجده وجدته شهادات مؤثرة عن حياته وحبه للحياة. وكان والده، حمدي، قد استشهد عام 2019، فيما كان أوس لا يزال طفلاً صغيراً لم يتجاوز السادسة من عمره. وكان يحلم بأن يكبر ليملأ الفراغ الذي تركه والده. كما وعدته جدته بأن تخلع ثوب الحداد على ابنها حمدي يوم تراه عريساً.
وقالت وسام حمادة، والدة الطفلة الشهيدة هند رجب، في مقطع فيديو: “اليوم ينزف قلبي ألماً، لكننا لا نقبل الأعذار، ولا أقبل التعازي”. وأضافت أنها تتحدث باسم أطفال غزة الذين “يرسمون الطعام بدلاً من أكله”، والذين يختبئون “تحت تنانير أمهاتهم ليشعروا بالأمان”.
وأشارت إلى أن عائلات بأكملها اقتُلعت من جذورها، ولا تعلم ما إذا كانت ستتمكن يوماً من العودة إلى ديارها، مؤكدة: “هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، هؤلاء بشر أُبيدوا قسراً، ومُحيت أرواحهم”.
وأضافت عن ابنتها هند التي كانت ستبلغ عامها السادس “كان ميلادها أعظم فرحة في حياتي”. وختمت بالقول: “أتمنى ألا ينسى العالم أطفال غزة أبداً”.
بيربوك: الأمم المتحدة تتحمل مسؤولية تاريخية
أكدت أنالينا بيربوك، رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن “الأمم المتحدة تتحمل مسؤولية عمرها 78 عاماً لمعالجة القضية الفلسطينية، ويجب عليها مواصلة السعي نحو حل عادل ودائم وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة”.
وحثت الدول الأعضاء على تجديد التزامها بـ”إعلان نيويورك” و”تبنيه هنا في أروقة الأمم المتحدة” سعياً لتحقيق حل الدولتين.
وقالت بيربوك: “إن إدراك أن مستقبلاً تعيش فيه دولة إسرائيل ودولة فلسطين جنباً إلى جنب في سلام وأمن واحترام متبادل، ليس تهديداً لإسرائيل ولا مكافأة للعنف، بل هو استثمار في السلام والأمن والكرامة والحقوق المتساوية للجميع على المدى الطويل”.
كما دعت الدول الأعضاء إلى “عدم إغفال ما يجري الآن في غزة”، مشيرة إلى أن الوضع الإنساني لا يزال كارثياً، في ظل محدودية الوصول وارتفاع حجم الاحتياجات الإنسانية.
وأضافت أنه، في هذا السياق، “قُتل ما يقارب 800 فلسطيني، بينهم العديد من الأطفال، منذ إعلان ما يسمى بوقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025”.
وقالت رئيسة الجمعية العامة: “بينما تتصدر الأوضاع في مضيق هرمز عناوين الأخبار، فإن هذه الظروف المتدهورة يجب أن تعزز عزمنا على تحقيق ما نصّ عليه الميثاق قبل 80 عاماً: إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب”.خالد خياري: النكبة ما زالت مستمرة
من جهته، قال خالد خياري، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة: “إن النكبة ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي أطول أزمة لاجئين في العالم، أزمة لا تزال عالقة دون حل ومؤلمة، تُشكّل هوية الشعب الفلسطيني وحياته، وتُعيق سعيه الدؤوب لتحقيق العدالة وتقرير المصير”.
وأضاف: “إن إحياء ذكرى النكبة يُلقي على عاتقنا مسؤوليات لا تقتصر على التذكر فحسب، بل تشمل العمل أيضاً”.
وأشار خياري إلى أن الطريق إلى الأمام واضح ومعروف، ومتجذر في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة والالتزامات الجماعية للمجتمع الدولي. وتشمل هذه الالتزامات إنهاء الممارسات غير القانونية، وحماية المدنيين، ودعم الحكم الفلسطيني وبناء مؤسساته، وإحياء عملية سياسية ذات مصداقية نحو حل الدولتين المتفاوض عليه، بحيث تعيش إسرائيل وفلسطين جنباً إلى جنب في سلام وأمن.
وقال: “إذا تم تنفيذ الخطة الأمريكية المكونة من 20 نقطة لإنهاء الصراع في غزة بشكل شامل، والتي أقرها قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025، فقد توفر مساراً لمعالجة هذه القضايا المزمنة”.
