بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

معاريف.. إلى ملادينوف وإسرائيل و”مشروعهما” في غزة: هل سمعتم أم أسامة؟

معاريف.. إلى ملادينوف وإسرائيل و”مشروعهما” في غزة: هل سمعتم أم أسامة؟

في زيارتين إلى إسرائيل، اعتراف نيكولاي ملادينوف بفشل مشروع “مجلس السلام” في غزة. وكان ملادينوف، وهو دبلوماسي دولي ناجح، وشغل منصب وزير خارجية بلغاريا، قد عينه ترامب ليرأس الهيئة الإدارية للقطاع. مرت بضعة أشهر وإذا بالمشروع كله عالق. الثلاثاء، التقى ملادينوف مع نتنياهو. وكان هذا لقاءهما الثاني في الفترة الأخيرة. قبل أسبوع من ذلك جاء ووصف على مسمع نتنياهو وضع الأمور في القطاع، وتقدم له بعرض لاختراق للطريق. فقد حاول الإقناع بأن حماس لا تعتزم نزل سلاحها بمبادرة منها. لم يقل ملادينوف ذلك صراحة، لكنه كان واضحاً لكل الحاضرين في الغرفة بأن على إسرائيل أن تفعل شيئاً ما. “أن تفعل شيئاً ما”، معناه استخدام القوة لإجبار حماس على المرونة.

مشكوك أن تعود دبابات الجيش الإسرائيلي لتندفع قريباً إلى ساحات غزة. لكن “مشروع مجلس السلام” استنفد نفسه ويوشك على الانهيار، والدبلوماسي المبجل يرغب بأن ترى الأطراف أنه يحاول إنقاذه. ناهيك عن أن مبعوثين من البيت الأبيض جلسا إلى جانبه في اللقاء. اللحظة ملزمة، وكذا الأمل الذي علقه عليه مرسلوه.

بعد وقت قصير من انتهاء لقائه مع نتنياهو، جمع ملادينوف صحافيين أجانب في شرقي القدس. وقال للكاميرات إن “الباب تحسين مستقبل غزة لا يزال مقفلاً. ليس هذا ما وعد به الفلسطينيون، وليس ما هم جديرين به”. وأشار ملادينوف إلى أن حماس تعزز حكمها في القطاع وتفرض الضرائب على السكان. أي أنها ترمم سيادتها، وكذلك وضعها المالي. وقد حذر من الإهمال الذي يلوح في الأفق قائلاً: “سيستغرق سنوات لإعمار غزة”.

نبوءة غضب

مشكوك أن حماس تعرف بأن الفشل سيأتي بهذه السرعة. فمن ناحيتهم، ما دامت المليارات متدفقة فإن ملادينوف ومجلس السلام لا داعي لهما، ومن الأفضل أن يتفككا. في الأسابيع الأخيرة، أداروا ضد ملادينوف حملة في الصحة العربية تستهدف التشهير به كي يستقيل، وبذلك يسرع انهيار المشروع.

ملادينوف لن يغادر بهذه السهولة، ففي ذلك اعتراف بالفشل. هو يتابع الأخبار في إسرائيل مثلنا، ويعرف أن في الأسبوع القادم سيكون في الكنيست تصويت حاسم، وأن نتنياهو يواجه مشاكل طبية، ولعله يفضل الاعتزال قريباً. فلماذا يستقيل إذا لم يطلب منه مرسلوه ذلك. وكفيل بأن يقع في إسرائيل تغيير سياسي.

ترى حماس في مشروع الأعمال مشروعاً لصالح إسرائيل. وكانت هذه مبادرة طموحة فرضت عليهم بضعة تحفظات، وعملياً سعت إلى تصفيتهم. كل هذا سيرفع عنهم: هيئة الوزراء الفلسطينية التي تنتظر من القاهرة إشارة دخول القطاع صامتة، ولم يُجند لها فلس واحد؛ والقوة الاقتصادية متعددة الجنسيات التي وعد بها لم يصل أي من جنودها؛ ولا حتى قوة حفظ النظام الجديدة وآلاف أفراد الشرطة الفلسطينيين إياهم بتمويل من محمد دحلان ممن كان يفترض أن يحلوا محل حماس في كل ما يتعلق بالقانون والنظام.

في انهيار المشروع كله، ستبقى حماس وحدها أمام إسرائيل؛ مقلصة، مضروبة، لكن السلاح في يد ودون أن ترفع علم استسلام. بمفاهيمها، بعد سنتين من القتال، هذا نصر. والإعمار؟ والمليارات الموعودة؟ لقد كان الحماسيون يعرفون مسبقاً بأن كل هذا سيبقى على الورق.ما قاله ملادينوف هذا الأسبوع في القدس ينبغي أن يُرى كنبوءة غضب، كجرس تحذير. فالكثيرون من الإسرائيليين يعتقدون بأن الوضع الحالي ليس سيئاً حقاً. حماس أعيدت عقدين إلى الوراء، والسيطرة الإسرائيلية على القطاع وثيقة جداً. وبالفعل، نقول بحذر إن بلدات الغلاف ومنطقة الجنوب ستتمتع بالأمن. لكن إلى متى؟ غزة لن تذهب إلى أي مكان، وحماس تعزز قوتها وتقاتل. قادة حماس لا يخفون هذا ويعلنون على الملأ بأن الكفاح مستمر. لديهم نحو عشرة آلاف بندقية، ومع أنها صغيرة ومفككة مقارنة بما كان في الماضي، لكن الحديث يدور عن منظمة حرب عصابات ترى في إسرائيل عدواً وتتميز بطول نفس.

بضعة دروس تعلمناها في ذلك السبت الرهيب في 7 أكتوبر: أن من يغلق غزة بالقضبان الحديدية ويدير لها الظهر، ستقوم عليه غزة آجلاً أم عاجلاً. غزة اليوم وإن كانت أضعف مما كانت عشية المذبحة، لكنها لا تزال محاصرة، فقيرة ومهملة. بين سكانها آلاف الأطفال ممن تعرضوا لصدمة قاسية. رأوا أقرباءهم أو إخوانهم أو أهاليهم يقتلون أمام عيونهم.

لا يوجد في القطاع جهاز للصحة النفسية، وأي منهم لم يعالج كي يشفى من الصدمة. وعليه، فإن جراحهم قنبلة موقوتة. طفل كهذا لا حاجة له إلىمنظمة تجنده بعد سنة أو سنتين أو خمس سنوات. فهو مجند منذ الآن.

“الحمد لله، أنت شهيد”

من يريد معرفة مدى تردي الهوة في النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني فليتمعن بما قالته أم أسامة. هذا هو كنية زوجة خليل الحية، من كبار قيادات حماس في الدوحة. أم أسامة، أو باسمها الرسمي أمل الحية، أجري معها هذا الأسبوع مقابلة في قناة “الجزيرة”.

هي وزوجها فقدا أربعة من خمسة أبنائهما على مدى السنين، وكذا خمسة أحفاد. الابن الأول، حمزة، قتل بهجوم للجيش الإسرائيلي في 2008، والثاني، عزام، في الأسبوع الماضي في غزة. ابن آخر، همام، قتل في الهجوم الذي نفذه الجيش الإسرائيلي قبل تسعة أشهر في الدوحة. البكر، أسامة، قتل في هجوم على منزل العائلة في حملة “الجرف الصامد”. وتوقف المذيع عند موت ابنها في 2014.

روت أمل الحية كيف قتل كل واحد منهم بنار الجيش الإسرائيلي وشكرت الله. “الحمد لله أنك شهيد يا حبيبي، الحمد لله رب العالمين”، هكذا كان ردها بعد أن علمت بموت ابنها عزام. “ركعت سجدة شكر لله العلي القدير على أنه شهيد، الحمد لله رب العالمين”. عن موت ابنها حمزة قالت “الله تعالى أتاح لي أن أقول إني أريد الشهادة وليس الجراح”.

خليل الحية، من مقرري السياسة في حماس. حيثما ذهب، ستكون ذكرى أبنائه وأحفاده معه. إنسان عاقل في العقد السابع أو الثامن من حياته، يجد نفسه في محيطه الخاص. ليس لخليل الحية أي محيط خاص. فإما أن يكون هذا صعد إلى السماء أو ضاع في سبيل الكفاح الوطني. ولا يملك الكثير ليخسره.

في الأسابيع الأخيرة، أجريت انتخابات داخلية في حماس، والحية أحد اثنين يتنافسان على منصب رئيس المكتب السياسي. هذا إجراء سري،وقريباً ستعلن النتائج. قد يكون الحية هو الزعيم التالي، خليفة خالد مشعل، وإسماعيل هنية، ويحيى السنوار. صحيح أن عليه أن يأخذ بالحسبان احتياجات رفاقه، ورأي قادة الذراع العسكري وإرث أسلافه، لكن من حيث الحقائق هو أب فقد أربعة أبناء.

لقد كان لإسرائيل أعداء كثر على مدى السنين، لكني لا أذكر أنها عرفت عدواًعلى رأسه شخصية ذات حساب دم شخصي كهذا.

جاكي خوجي

معاريف 15/5/2026