في وقت تزداد فيه المؤشرات إلى قرب التوصل إلى تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران قد يُوقَّع خلال أيام، عاد لبنان إلى واجهة التجاذب الإقليمي مع تصاعد السجال حول ما إذا كان سيُدرج ضمن مذكرة التفاهم المرتقبة، وسط تمسك إيراني باعتبار وقف الحرب في لبنان جزءاً من أي اتفاق، مقابل رفض إسرائيلي قاطع لأي صيغة تربط الساحات أو تقيّد حرية عمل الجيش الإسرائيلي.
وبحسب تقرير للصحافيين إيتامار أيخنر وليئور بن آري في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، انفجرت طائرة مسيّرة في شمال إسرائيل مساء الجمعة، بالتزامن مع تزايد التساؤلات بشأن موقع لبنان في الاتفاق الناشئ بين واشنطن وطهران.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن "إنهاء الحرب في لبنان يعني انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها"، في موقف رفضته إسرائيل بشكل مباشر.
ونقلت الصحيفة عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قوله إن إسرائيل لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي سيواصل الدفاع عن حدود إسرائيل ومواطنيها من مواقعه في جبل الشيخ والجبال اللبنانية وأجزاء من الضفة الغربية ومعظم قطاع غزة، معتبراً أن هذه السياسة تمثل أحد الدروس الأساسية المستخلصة من هجوم 7 تشرين الأول.
ووفق المعلومات التي بحوزة إسرائيل، فإن اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يتضمن بنداً يتعلق بـ"إنهاء الأعمال العدائية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان". وترى الأوساط الإسرائيلية أن هذا النص قد يُفسَّر على أنه "توحيد للجبهات"، إلا أن إسرائيل تصر على أن الاتفاق لن يقيّد عمليات الجيش الإسرائيلي، وأنها ستعارض أي صيغة من هذا النوع، ولا سيما إذا تضمنت انسحاباً من المناطق التي سيطرت عليها في جنوب لبنان.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله إن الجيش الإسرائيلي سيواصل "تفكيك حزب الله" في جنوب لبنان وتدمير بنيته التحتية.
وكانت وكالات أنباء إيرانية مقربة من الدولة قد نشرت صباح الجمعة 14 بنداً قالت إنها تشكل جزءاً من الاتفاق الجاري بين واشنطن وطهران، وجاء في البند الأول منها "وقف فوري ودائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان".
غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هاجم تلك التقارير ووصفها بأنها "كاذبة"، إلا أن مسؤولين إيرانيين وممثلين عن حزب الله واصلوا التأكيد أن لبنان جزء من الاتفاق وأن إسرائيل مطالبة بالانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها.
ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الانسحاب من المواقع التي تسيطر عليها داخل لبنان ليس مطروحاً حالياً. كما تؤكد الأوساط الرسمية أنه لا يوجد حتى الآن اتفاق بين إسرائيل ولبنان، وأنه من المبكر معرفة كيفية انعكاس أي تفاهم أميركي - إيراني على المفاوضات بين بيروت وتل أبيب.
وتطرح إسرائيل احتمالين متناقضين: الأول أن يؤدي الاتفاق إلى تشدد موقف حزب الله ورفضه الانسحاب من جنوب لبنان، والثاني أن تدفع إيران الحزب إلى التراجع شمال نهر الليطاني بهدف إعادة ترتيب صفوفه. وترى إسرائيل أن استمرار وجود الحزب جنوب الليطاني يعني استمرار الحرب.
وتضيف المصادر الإسرائيلية أنه في حال التوصل مستقبلاً إلى اتفاق بين إسرائيل ولبنان، وتولى الجيش اللبناني السيطرة على المناطق المعنية وإزالة البنى العسكرية الموجودة فيها، فقد تدرس إسرائيل الانسحاب منها بشكل تدريجي ومشروط، إلا أن مثل هذه الخطوة ليست مطروحة في الوقت الراهن.
وشدد مسؤولون إسرائيليون على أن "إذا أطلق حزب الله النار على إسرائيل فسنقصف الضاحية الجنوبية، وعندها سنرى ماذا سيفعل الإيرانيون"، مضيفين: "إذا ردوا فسنضرب. لن نقبل بأي معادلات أو بتوحيد الجبهات. الجيش الإسرائيلي يتمتع بحرية العمل داخل لبنان لمواجهة أي تهديدات ناشئة".
وفي الوقت نفسه، أعربت جهات إسرائيلية عن خشيتها من أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً على تل أبيب لضبط النفس في لبنان حتى لا يتعرض الاتفاق مع إيران للخطر، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تباينات مع واشنطن.
ميدانياً، بقي الوضع متوتراً. فقد دوّت صفارات الإنذار صباح السبت في المطلة ومسغاف عام بسبب الاشتباه بتسلل هدف جوي معادٍ، فيما أفادت قناة "الميادين" عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدات كفور ومعركة وصريفا في جنوب لبنان.
وقبل ذلك بقليل، دوّت صفارات الإنذار في آدميت وعرب العرامشة إثر الاشتباه بتسلل مسيّرة. وأعلن الجيش الإسرائيلي لاحقاً أن "هدفاً جوياً مشبوهاً" انفجر داخل الأراضي الإسرائيلية قرب الحدود اللبنانية.
كما أشار الجيش الإسرائيلي إلى اعتراض هدف جوي آخر في منطقة تعمل فيها قواته داخل جنوب لبنان، بعدما انطلقت صفارات الإنذار في منارة ومرغليوت، فيما شهدت بلدات شلومي وبتست وروش هانيكرا إنذارات مماثلة في وقت سابق.
وفي موازاة ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه اغتال خلال الفترة الأخيرة 10 قادة ميدانيين في حزب الله في مناطق مختلفة من لبنان، مضيفاً أن أكثر من 1300 عنصر من الحزب قُتلوا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
من جهته، التزم حزب الله بالموقف الإيراني. وقال عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسين الحاج حسن في مقابلة مع قناة الجزيرة: "إيران أبلغتنا بشكل واضح أن لبنان مشمول بوقف إطلاق النار. كما أبلغنا المسؤولون الإيرانيون أن إسرائيل ستنسحب من الأراضي اللبنانية وفق الاتفاق".
وأضاف: "لن نقبل تحت أي ظرف بالعودة إلى ما قبل 2 آذار 2026. ليس لإسرائيل أي حق في البقاء على أرضنا. إسرائيل والولايات المتحدة هما المطالبتان أولاً بالالتزام بالاتفاق لأنهما تنقلبان عليه، وحزب الله لا يمكنه تقديم أي التزام إذا لم يلتزم العدو".
وبين تمسك طهران بإدراج لبنان ضمن أي تفاهم إقليمي، ورفض إسرائيل القاطع لأي معادلة تربط الساحات أو تحدّ من عملياتها العسكرية، يبدو أن الساحة اللبنانية لا تزال واحدة من أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الاتفاق الأميركي - الإيراني المرتقب.
