بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

لماذا يصمت العرب أمام ما يجري في فلسطين؟

لماذا يصمت العرب أمام ما يجري في فلسطين؟


لماذا يصمت العرب أمام ما يجري في فلسطين؟06-07-2026

في الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لأحد أكثر فصول العدوان الإسرائيلي دموية وبدعم سياسي وعسكري من الإدارة الأميركية يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح، لماذا يصمت العرب؟ ولماذا تبدو المواقف العربية الرسمية عاجزة عن مواكبة حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون بينما تشهد الساحة الدولية تحولات لافتة في المواقف تجاه القضية الفلسطينية؟ لقد أظهر العدوان الإسرائيلي على غزة تغيرا ملحوظا في مواقف عدد من الدول الغربية سواء على مستوى الخطاب السياسي والاعتراف بدولة فلسطين وتصاعد الانتقادات الموجهة ضد الحكومة الإسرائيلية بسبب الانتهاكات الواسعة بحق المدنيين الفلسطينيين، ورغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية اختارت بعض هذه الدول الانحياز إلى مبادئ القانون الدولي والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، في مشهد كان حتى وقت قريب يبدو بعيد المنال.

في المقابل بقيت الساحة العربية الرسمية تدور في دائرة بيانات الإدانة والاستنكار والدعوات إلى التهدئة دون أن ترتقي إلى مستوى الإجراءات السياسية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية القادرة على ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل، وهذا الواقع يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا العجز وما إذا كانت الانقسامات العربية وتشابك المصالح الإقليمية والدولية والارتباط بالتحالفات مع الولايات المتحدة قد قيدت القرار العربي وجعلته أسير حسابات تتقدم على الواجب القومي والإنساني، ويزداد هذا التساؤل عندما يتعلق الأمر بالدول العربية التي أقامت علاقات تطبيع مع إسرائيل والتي تمتلك أدوات ضغط سياسية واقتصادية يمكن استخدامها للدفع نحو وقف العدوان وحماية المدنيين الفلسطينيين، لكن الواقع أظهر أن هذه الأدوات بقيت معطلة الأمر الذي عزز الانطباع لدى قطاعات واسعة من الرأي العام بأن القضية الفلسطينية لم تعد تحظى بالمكانة المركزية التي كانت تحتلها في السياسات العربية.

أما على المستوى الشعبي فإن الصورة تختلف كثيرا عن المواقف الرسمية، فالشعوب العربية ما زالت تعتبر فلسطين قضيتها الأولى وقد عبرت عن تضامنها بكل الوسائل المتاحة، ورغم القيود الأمنية المفروضة في عدد من الدول ما زالت الأصوات الحرة ترفض الصمت وتطالب بمواقف أكثر جرأة وانسجاما مع حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني الذين يشعرون اليوم بمرارة كبيرة نتيجة اتساع الفجوة بين الدعم الشعبي العربي والمواقف الرسمية، ويبقى السؤال الأهم، إلى متى ستظل الإرادة العربية مقيدة بتحالفات دولية تجعل أي تحرك جاد لصالح فلسطين رهينة حسابات سياسية معقدة، وإلى متى سيستمر غياب العمل العربي المشترك في مواجهة تحديات تمس الأمن القومي العربي برمته؟

لقد أثبتت التجارب أن غياب الوحدة العربية أضعف القدرة على التأثير في مجريات الأحداث وأن تراجع دور جامعة الدول العربية حولها في نظر الشعوب إلى مؤسسة إعلامية لإصدار بيانات الشجب والاستنكار دون امتلاك آليات تنفيذية أو قدرة على إلزام أعضائها بمواقف موحدة، فمن يعجز عن توحيد موقف أعضائه كيف يمكنه أن يفرض إرادته على دولة الاحتلال أو أن يدفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات فعلية لوقف العدوان وتنفيذ القرارات الدولية.

إن استمرار الصمت العربي لا ينعكس على الفلسطينيين وحدهم بل يترك آثارا عميقة على مكانة العالم العربي ودوره الإقليمي ويمنح إسرائيل شعورا بأنها تستطيع مواصلة سياساتها العدوانية دون خشية من رد فعل عربي مؤثر، وفي المقابل فإن أي موقف عربي موحد يستند إلى أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية حقيقية كفيل بإعادة الاعتبار للدور العربي وإرسال رسالة واضحة بأن فلسطين ليست قضية شعبها وحده بل قضية أمة بأكملها، ولقد آن الأوان لأن تنتقل المواقف العربية من مرحلة البيانات إلى مرحلة الأفعال، ومن الاكتفاء بإدارة الأزمة إلى السعي الحقيقي لإنهائها، عبر تحرك عربي جماعي يضع حدا للعدوان ويؤمن الحماية للشعب الفلسطيني حتى ينال حقوقه المشروعة وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية فالتاريخ لا يخلد بيانات الشجب إنما يسجل مواقف الشعوب والدول عندما تواجه اللحظات الفاصلة في مصير الأمم.

----------------

أبو الشريف رباح