بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

صحيفة إسرائيلية: كيف رفع المدرب المصري كأس العالم قبل نهاية المونديال؟

صحيفة إسرائيلية:  كيف رفع المدرب المصري كأس العالم قبل نهاية المونديال؟

في هذه النسخة من كأس العالم، كما هو الحال دائمًا، تُتيح كرة القدم لملايين العرب فرصة للهروب، ولو لفترة وجيزة، من واقع الحروب والصراعات والمعاناة. وقد برزت هذه المرة آمال كبيرة، لا سيما مع تأهل ثمانية منتخبات عربية لكأس العالم (بفضل النظام الجديد الذي يُشارك فيه 48 منتخبًا في المرحلة الأولى)، والشعور بأن الاستثمارات الضخمة التي تُقدمها بعض الدول (خاصة دول الخليج) في هذه الرياضة ستُثمر إنجازات كبيرة. إلا أنه مع دخول ربع النهائي، تبدو نتائج المنتخبات العربية مُتباينة: فهناك إنجازات تُفتخر بها، ويتزامن معها عدد لا بأس به من الإخفاقات وخيبات الأمل.

تصدرت مصر عناوين الصحف العالمية هذا الأسبوع بعد مباراة مثيرة ضد الأرجنتين، خسرت فيها بنتيجة 3-2 بعد أن كانت متقدمة 2-0 حتى الدقيقة 79. كان تأهل الفراعنة التاريخي إلى دور الـ 16 لحظة فرحة لمصر التي تعاني من ركود اقتصادي واجتماعي مستمر. ولكن، بقدر ما كان الترقب عظيماً، كان السقوط مدوياً، مصحوباً بسيل من الاتهامات بالتحيز لصالح الأرجنتين، بل وحتى سرقة الفوز. فقد صرخ حسام حسن، المدرب المصري وأحد أعظم لاعبي مصر على مر العصور، في نهاية المباراة، معبراً عن صوت مدوٍ في العالم العربي: “كنا الأفضل. حظيت الأرجنتين بدعم كان يهدف إلى إبقائها في البطولة لأسباب تسويقية. إذا كانوا يريدونها أن تفوز إلى هذا الحد، فلماذا يدعون الجميع للمشاركة؟”.

وأعلن الرئيس السيسي أن الفريق جلب الفخر والاعتزاز لمصر، لكن حتى ذلك لم يبدد الشعور بالظلم. فقد علّق كثيرون صورًا لرئيس الفيفا، إنفانتينو، وهو يحتفل بفوز الأرجنتين، كدليل على هذا الادعاء. والعالم العربي يُقدّم الضغط الذي مارسه ترامب عليه هذا الأسبوع لإلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها لاعب أمريكي بارز، كدليل على أن المباراة “مُباعة”.

وأوضح المعلق الرياضي شادي بشارة، في حديثٍ له الثلاثاء: “إن الإحساس بالظلم الذي أعقب المباراة منتشرٌ في جميع أنحاء العالم العربي، ويتجاوز حدود الرياضة. فمصر تطمح إلى أن تُتخذ صورة القائد للعالم العربي، ورأت في إنجازات كأس العالم مصدر فخرٍ ليس فقط للوطنيين المصريين، بل لجميع العرب. كما أن الخطاب الدائر حول المحسوبية لأسبابٍ تسويقية و”الصفقات المشبوهة” يترافق مع شعورٍ بالصراع بين الحضارات: حضاراتٌ فقيرة تسعى جاهدةً لتحقيق الانتصارات بنزاهة، وأخرى تستخدم رأس المال للتلاعب بالنتائج.

في العالم العربي، وخاصة بين الفلسطينيين (وكذلك الفلسطينيون داخل إسرائيل)، اكتسب حسام حسن شهرة واسعة بسبب حدث آخر: فبعد فوز مصر على أستراليا وتأهلها إلى دور الـ 16، لفّ نفسه بالعلم الفلسطيني، وفي مؤتمر صحفي صرّح قائلاً: “أهدي هذا الفوز لأهل غزة الكرام. عندما يُساء معاملة كلب، يطالب الناس بمعاقبة المسؤولين، ولكن ماذا عن أولئك الذين يقتلون الأبرياء يومياً بالصواريخ؟ من خلال كرة القدم، التي تُعدّ أعظم قوة ناعمة في العالم، أريد أن أوصل رسالة: دعوا الشعب الفلسطيني يعيش”. وفي نهاية المباراة ضد الأرجنتين، دخل حسام، برفقة شقيقه التوأم إبراهيم، مدير الفريق، في مشادة كلامية محرجة مع مشجع أرجنتيني لوّح بالعلم الإسرائيلي في وجههما، بل وبصق حسام عليه.

من جانبهم، غمر الفلسطينيون حسام والمنتخب المصري بالحب والدعم. وقد بُثّت المباراة ضد الأرجنتين على جماهير غفيرة جلست على أكوام الأنقاض في جميع أنحاء قطاع غزة، وفي مجمعات ضخمة في نابلس وطولكرم. رُفعت الأعلام المصرية ورُفعت صورة ضخمة لحسام في أماكن عديدة، ودوت هتافات الفرح في الشوارع عند كل بوابة مصرية. وتجلى هذا الحدث أنه في العالم العربي، يستحيل فصل الرياضة عن السياسة، لا سيما عند تناول القضية الفلسطينية. لذا، وُصف حسام بأنه صوت ضمير الشعب. يقول الصحافي المصري حازم صلاح الدين: “حسام بطل شعبي حقيقي، يُعبّر عن صوت الشارع”.

وقال الصحافي المغربي رشيد القمري، الثلاثاء: “بعد هزيمة مصر، يحمل المغرب آمال العرب وأفريقيا على عاتقه”. وبالفعل، عاد “أسود الأطلس” مصدر فخر العالم العربي (حيث بلغوا نصف النهائي في عام 2022 وحلّوا في المركز الرابع)، دون أن يتلقوا أي هزيمة. تأهل المنتخب المغربي إلى مباراة ربع النهائي ضد فرنسا (تُكتب هذه السطور قبل المباراة)، في ظلّ ذكريات الاحتلال الاستعماري ووجود لاعبين من أصول مغربية في صفوف المنتخب الفرنسي (إذ وُلد نصف لاعبي المنتخب المغربي خارج البلاد، غالبيتهم في أوروبا). في كأس العالم السابقة، انتهت المباراة بين الفريقين بفوز فرنسا، ما أشعل فتيل احتجاجات من قبل المغاربة في فرنسا وبلجيكا. تُثير إنجازات المغرب حماسة واسعة في العالم العربي (بما في ذلك إطلاق نار كثيف في رهط هذا الأسبوع)، وهي تعكس جهودًا دؤوبة على مدى سنوات برعاية الملك محمد السادس، تشمل استثمارات ضخمة في البنية التحتية وتنمية الشباب، وبناء أكاديميات رياضية، بهدف ترسيخ مكانة المغرب كقوة كروية عظمى.

وفي خضمّ ذلك، يستمتع المغاربة بفشل المنتخب الجزائري (“محاربو الصحراء”)، غريمهم التقليدي، الذي فشل في التأهل إلى دور الـ 16 بعد خسارته أمام سويسرا 2-0. “هذا يعكس حقيقة أن كرة القدم الجزائرية تُدار دون استثمار أو رعاية جيل المستقبل، على عكس ما يحدث في المغرب”، هكذا سخر المعلق الرياضي المغربي سفيان أندجار.

تشعر المنتخبات العربية الخمسة المتبقية التي لم تتجاوز دور المجموعات بالإحباط، بل واليأس. ويتجلى ذلك بوضوح في المنتخب السعودي (“الصقور الخضراء”)، الذي تعادل مع أوروغواي (مفاجأة كأس العالم)، لكنه مُني بهزيمة قاسية 4-0 أمام إسبانيا. وفي خضم هذه الأزمة، ساد القلق من أن المملكة، التي من المفترض أن تستضيف بطولة 2034، ستُظهر قدرات محدودة تُسبب لها إحراجًا وطنيًا. وأوضح تيسير الجاسم، اللاعب البارز السابق في المنتخب: “علينا وضع خطة لكأس العالم وبناء جيل من اللاعبين القادرين على منافسة أقوى منتخبات العالم بكرامة”.

وفي سياق متصل، تفاقم الإحباط نتيجة التباين بين أداء السعودية واستثماراتها الضخمة في هذا القطاع، والتي تُعد جزءًا من رؤيا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان 2030، وتتزامن مع مساعي المملكة لترسيخ مكانتها كقوة كروية عظمى، من خلال ضم نجوم عالميين إلى الدوري السعودي، وعلى رأسهم كريستيانو رونالدو. يبدو الإحباط جلياً أيضاً على منتخب الأردن “النشامى”، الذي تأهل لكأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، وتزايدت الآمال بعد اقترابه من الفوز بكأس العرب في كانون الأول الماضي (حيث خسر أمام المغرب)، لكنه عاد إلى الديار بعد ثلاث هزائم مُرّة.

أما المنتخبات الأخرى، فقد وصفت هذه البطولة بأنها الأسوأ في تاريخها: فقد أنهى منتخب تونس (“نسور قرطاج”) البطولة بثلاث هزائم (بعد أولها، 5-1 أمام السويد، أُقيل مدربهم)؛ بينما ازدادت الآمال على منتخب قطر بعد تعادله مع سويسرا، لكنه استمر في الخسارة أمام كندا والبوسنة، ما أثار تساؤلات حول مدى تطور كرة القدم في البلاد بعد الاستثمارات الضخمة، وعلى رأسها استضافة كأس العالم 2022 بتكلفة بلغت 220 مليار دولار. والعراق (“أسود النهرين – الفرات ودجلة”)، الذي ظهر لأول مرة منذ أربعين عامًا، كان يأمل أن يضخ “مشروع العودة” روحًا إيجابية في أمة ممزقة ومنهكة من سنوات الحرب، لكنه اضطر أيضًا للعودة إلى بغداد بعد ثلاث هزائم متوقعة إلى حد كبير (أمام فرنسا والنرويج بشكل رئيسي).

لا يبدو أن العودة إلى الواقع مهمة صعبة على سكان الشرق الأوسط. ففي ظل الأزمة في المفاوضات مع إيران، والتوترات المستمرة في لبنان وغزة، وتصاعد الأزمة بين إسرائيل وتركيا، وفر كأس العالم هذه المرة استراحة قصيرة ذات تأثير محدود للغاية على المنطقة الدامية.

د. ميخائيل ميلشتاين

يديعوت أحرونوت 10/7/2026