في عشاء مجلة “المسيرة”، وقبل أيام قليلة من الجلسة التشريعية، أعلن رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أن حزبه “يؤيد قانون العفو بشكل كامل”. لكن اللبنانيين لم يحتاجوا إلى وقت طويل لاكتشاف المسافة بين الكلام والممارسة، إذ انسحب نواب “القوات” من الجلسة قبل الوصول إلى بند العفو، فسقط النصاب وطارت معه فرصة إقرار القانون.
لجعجع وكتلته الحق في حضور الجلسات أو مقاطعتها، لكن ليس من حقهما ممارسة ما أمضيا سنوات في اتهام الآخرين به. فعندما كان نواب الثنائي الشيعي وحلفاؤهم يغادرون جلسات انتخاب رئيس الجمهورية بعد الدورة الأولى، كانت “القوات” تعتبر الخروج تعطيلًا للاستحقاق وضربًا لانتظام المؤسسات. أما عندما احتاجت إلى إسقاط جلسة تشريعية، فاستخدمت الأسلوب نفسه الذي أدانته طويلًا.
ما كان تعطيلًا غير مقبول عندما مارسه الخصوم، تحوّل فجأة إلى موقف سياسي مشروع عندما مارسته “القوات”. وهذه ليست مسألة اجتهاد دستوري، بل ازدواجية واضحة: النصاب واجب عندما يملكه الآخرون، وورقة ضغط عندما يصبح في يدها.
أما مسؤولية “القوات” في ملف العفو، فلا يمكن دفنها تحت بيانات التبرير. فالقانون لم يهبط على الهيئة العامة من خارج المؤسسات، بل أُشبع درسًا في اللجان النيابية، وشارك نواب الحزب، وفي مقدمهم جورج عدوان وجورج عقيص، في مناقشاته. لذلك لا تستطيع “القوات” التنصل من صيغة كانت شريكة في درسها، وكان يفترض بها أن تكون في طليعة المدافعين عنها عند لحظة التصويت.
وتحاول “القوات” الاحتماء بما جرى في السراي الحكومي، إذ قالت في بيانها إنها “أيّدت التعديلات التي طُرحت وأُدخلت بعد اجتماع السراي الحكومي يوم الاثنين الماضي بحضور رئيس الحكومة وممثلين عن كافة الكتل السنية”، ثم حمّلت الرئيس نبيه بري مسؤولية رفض هذه التعديلات.
لكن اجتماع السراي، مهما كان تمثيله السياسي، لا يختصر مجلس النواب ولا يحل مكانه. وما يُتفق عليه في اجتماع جانبي لا يتحول تلقائيًا إلى قانون ملزم. مكان طرح التعديلات ومناقشتها والتصويت عليها هو الهيئة العامة تحت قبة البرلمان. وكان في إمكان نواب “القوات” البقاء في القاعة، وطرح الصيغة التي يؤيدونها والدفاع عنها، بدل الانسحاب وإسقاط الجلسة برمتها.
فمن أمضى سنوات يطالب بأن يجري التشريع داخل المؤسسات، لا يستطيع أن يجعل تفاهمًا حصل في السراي شرطًا يعلو على المجلس النيابي. والمؤسسات لا تُحترم عندما تخدم الموقف السياسي، ثم تُضرب عندما تقف في طريقه.
ولا يبرئ “القوات” قولها إن أكثرية النواب السنة كانت تتجه إلى المقاطعة. فكل كتلة تتحمل مسؤولية قرارها، ولا تختبئ خلف خيارات الآخرين. كما أن مطالبتها، بعد تطيير الجلسة، بعقد جلسة جديدة “اليوم أو غدًا أو بعده” لا تمحو ما فعلته. من أراد العفو فعلًا كان عليه حماية الجلسة القائمة، لا إسقاطها ثم المطالبة ببديل عنها.
والأغرب أن جعجع عاد ليهاجم ما سمّاه قوانين رتّبت على الخزينة أعباء بمئات ملايين الدولارات، وكأنه يقف خارج الحكومة التي أحالت جزءًا أساسيًا منها إلى مجلس النواب، فيما تشارك “القوات اللبنانية” فيها بأربعة وزراء.
ومن بين القوانين التي انتقدها، قانون فتح اعتماد لتغطية التعويضات المؤقتة للعاملين في القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين بما يعادل ستة رواتب إضافية، وزيادة مساهمة الدولة في صندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة، فضلًا عن زيادة حصة لبنان في رأسمال البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
فإذا كانت هذه المشاريع تشكل، كما يقول جعجع، عودة إلى “الحلقة الجهنمية”، فأين كان وزراء “القوات” عند إعدادها وإقرارها داخل مجلس الوزراء؟ وهل تتحول مشاريع الحكومة إلى فضيحة فقط عندما تصل إلى المجلس النيابي؟
لا يمكن للحزب أن يكون شريكًا في السلطة عند توزيع الحقائب، ثم يتصرف كمعارضة عند توزيع المسؤوليات. فإما أن وزراءه وافقوا على هذه المشاريع، فيكون شريكًا في نتائجها، وإما أنهم اعترضوا عليها، وعندها عليه أن ينشر مواقفهم ومحاضر اعتراضاتهم بدل الاكتفاء بتوجيه الاتهامات إلى النواب.
أما المفارقة الأثقل، فهي أن سمير جعجع نفسه خرج من السجن بقانون عفو. وكان يفترض بمن اختبر معنى أن يفتح العفو باب الحرية أن يكون أول المدافعين عن موقوفين أمضوا سنوات خلف القضبان، بينهم من حُرموا من محاكمة سريعة وعدالة ناجزة.
آخر من يملك الحق الأخلاقي في تطيير العفو عن الآخرين هو من خرج بعفو. وآخر من يستطيع إعطاء الدروس في حماية النصاب هو من استخدم الخروج من القاعة لإسقاطه.
قال جعجع إنه مع العفو بالكامل، ثم انسحب نوابه قبل مناقشته. وهاجم لسنوات من يطيّرون النصاب، ثم مارس الفعل نفسه. وانتقد قوانين أحالتها حكومة يشارك فيها بأربعة وزراء، وكأنه لا صلة له بها.
هكذا، لم تصمد كلماته في عشاء “المسيرة” أيامًا قليلة أمام امتحان المجلس النيابي: الممارسة كذّبت الخطاب، و”القوات” التي أعلنت تأييد العفو شاركت في تطييره، ثم حاولت التنصل من قوانين كانت شريكة في صنعها.
