تصاعد الغضب في مصر؛ رفضاً لإزالة أشجار وحدائق في القاهرة ومحافظات أخرى، لتوسيع طرق أو إقامة جسور، ففيما أثار نواب المسألة في البرلمان، تقدم محام ببلاغ اختصم فيه عدداً من المسؤولين، كما برز تساؤل طرحه أحد الإعلاميين عن علاقة هذا الملف بتصدير الفحم.
ومؤخراً، أثار ما شهده شارع جامعة الدول العربية الشهير في الجيزة، من إزالة كافة الأشجار المعمرة خلال الأيام الماضية ضمن أعمال التوسعات العمرانية وتطوير المحاور المرورية بهدف تسهيل حركة النقل، غضباً واسعاً، ما دفع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، إلى الحديث عن ضرورة تبني مشروع لتخضير القاهرة يستهدف تحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء.
السيسي، وجه بضرورة تبني مشروع لتخضير القاهرة يستهدف تحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء
وشددت منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، على ضرورة مراعاة الأبعاد البيئية خلال أعمال تطوير شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود في محافظة الجيزة.
ووجهت المسؤولة المصرية بحصر الأشجار التي تم قطعها ضمن أعمال التطوير، والوقوف على الأسباب التي أدت إلى اللجوء إلى الإزالة بدلًا من النقل، مع استعاضة الأشجار التي تمت إزالتها بأعداد مضاعفة، ومراعاة اختيار أنواع الأشجار التي تتناسب مع طبيعة المكان وأعمال التطوير.
تحذير
لكن تعويض الأشجار ليس حلاً حسب نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية في جامعة القاهرة، الذي حذر من تداعيات إزالة الأشجار المعمرة في مناطق شارع جامعة الدول العربية والدقي والمهندسين.
وقال في منشور على صفحته الرسمية على “فيسبوك”، إن هذه الأشجار لها عشرات وربما مئات السنين، ولذلك تعمقت جذورها حتى وصلت إلى المياه الجوفية السطحية المخزنة على عمق يتراوح بين 1.5 – 2.5 متر من سطح الأرض في ترب مصر الطينية والتي أنشأ عليها أحياء الدقي والمهندسين والعجوزة والجيزة بل وفيصل والهرم وغيرها.
تعويض الأشجار ليس حلاً حسب نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية في جامعة القاهرة، الذي حذر من تداعيات إزالة الأشجار المعمرة في مناطق شارع جامعة الدول العربية والدقي والمهندسين
وأضاف أن هذه الأشجار أصبحت تشرب وتتغذى ذاتيًا من هذه المياه وما بها من عناصر غذائية ذائبة من طبقات الطين أعلاها وأسفلها، والقول بأنه سيتم إحلال هذه الأشجار ليس بالسهولة، فوضع أشجار صغيرة، أي شتلات ذات أعماق جذور لا تتجاوز ربع متر، يعني أننا سنحتاج لري هذه الأشجار بسيارات الري مرتين أسبوعيًا للتعامل مع جذورها السطحية ولمدة عشر سنوات وربما أكثر حتى تتعمق جذور هذه الشتلات وتصل إلى أعماق المياه الجوفية السطحية الحالية وهي عملية ليست بالسهلة، كما وأن نسبة موت هذه الشتلات من الأشجار بعد زراعتها قد تصل إلى 25% بسبب سوء الرعاية أو غيرها.
وحول حل “نقل أشجار كبيرة بنفس حجم الأشجار المقتلعة”، قال: “هذا يعني أنه سيتم اقتلاعها من مكان آخر لزرعها في شارع جامعة الدول العربية يعني هي أيضاً اقتلاع، خاصة أنه من النادر أن نجد أشجاراً يافعة في المشاتل القريبة”.
“تضارب صارخ”
الأزمة وصلت أروقة البرلمان، وتقدمت النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب، بسؤال برلماني موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزيرة التنمية المحلية والبيئة، بشأن استمرار الحكومة في قطع الأشجار وتراجع المساحات الخضراء في مصر بشكل ملحوظ وغير مبرر.
وقالت: “هناك تضارب صارخ بين تصريحات الحكومة حول مواجهة التغير المناخي وزيادة الرقعة الخضراء وإطلاق مبادرة زراعة 100 مليون شجرة، وبين ما يتم على الأرض من إزالة وقطع أشجار معمرة في عدد من المحافظات تحت مظلة مشروعات التطوير وتوسعة الطرق وإنشاء المحاور”.
وأشارت إلى واقعة شارع جامعة الدول العربية بالجيزة، حيث تمت إزالة أشجار عمرها أكثر من خمسين عاماً كانت جزءاً من الهوية البصرية والتاريخية للمنطقة، وجاء التعامل الحكومي بعد الإزالة بتكليف وزارة التنمية المحلية بحصر الأشجار التي تم قطعها والبحث عن أسباب الإزالة بدلاً من نقلها، متسائلة: إذا كان النقل بديلاً مطروحاً فلماذا لم تتم دراسته قبل القطع؟
وأكدت أن الأمر لا يقتصر على جامعة الدول العربية فقط، بل امتد إلى مناطق أخرى مثل مصر الجديدة التي شهدت قطع نحو 2500 شجرة، وإزالة حديقة عرب المحمدي بالكامل، وتقليص مساحة الميريلاند بنحو 10 آلاف متر، فضلاً عن وقائع في المعادي ومدينة نصر والإسكندرية وأسوان وقنا والأقصر وبورسعيد، كما أدت أعمال تبطين الترع في القرى إلى إزالة أعداد كبيرة من أشجار الكافور والتوت، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى بيع الأخشاب الناتجة في مزادات علنية.
تقدمت النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب، بسؤال برلماني موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزيرة التنمية المحلية والبيئة، بشأن استمرار الحكومة في قطع الأشجار وتراجع المساحات الخضراء في مصر
وأوضحت، أن من باب المفارقة، أن الحكومة تواجه ارتفاع درجات الحرارة بإزالة المصدر الأساسي للظل، رغم أن الأشجار تلعب دوراً أساسياً في تلطيف البيئة وتقليل الجزر الحرارية، بينما تحتفظ الأسطح الخرسانية والإسفلتية بالحرارة، مما يزيد الاعتماد على التكييف ويرفع استهلاك الكهرباء.
ولفتت إلى أن نصيب الفرد في مصر من المساحات الخضراء لا يتجاوز 1.2 متر مربع، بينما يبلغ الحد الأدنى وفق منظمة الصحة العالمية 9 أمتار، والمستوى الأمثل 25 متراً، مما يعكس عجزاً شديداً ومع ذلك تستمر عمليات الإزالة بدلاً من الزيادة.
وتساءلت عن مصير مبادرة الـ100 مليون شجرة في ظل استمرار قطع الأشجار القائمة، وهل تحتسب الحكومة صافي الزيادة بعد خصم الأشجار التي تمت إزالتها، مؤكدة أن المشكلة ليست في عدد الأشجار المزروعة وإنما في عدد الأشجار التي بقيت.
وشددت على أن قضية الأشجار ليست قضية تجميل، بل قضية بيئية وصحية واجتماعية واقتصادية ترتبط بجودة حياة المواطن وتتعلق بأمن قومي، وأن التطوير لا يجب أن يكون على حساب البيئة، فكما يمكن تغيير مسار طريق للحفاظ على مبنى يجب أيضاً تغييره للحفاظ على شجرة معمرة.
وطالبت الحكومة بتوضيح السياسة العامة للتعامل مع الأشجار عند تنفيذ مشروعات الطرق والمحاور، ووجود قواعد ملزمة لدراسة الحفاظ عليها أو نقلها قبل الإزالة، وتحديد الجهة المسؤولة عن اعتماد قرارات القطع. كما طالبت ببيان عدد الأشجار التي تمت إزالتها وأعمارها، وهل تمت دراسة نقلها، وإجمالي المساحات الخضراء المفقودة خلال آخر عشر سنوات، وخطة الحكومة لرفع نصيب الفرد من المساحات الخضراء خاصة في المناطق الشعبية والقرى الأكثر احتياجاً.
آليات جديدة
فيما اقترح النائب أحمد فؤاد أباظة 4 آليات جديدة وغير تقليدية لتنفيذ ملف التشجير على مستوى البلاد، يتضمن حصر جميع المساحات الخالية الناتجة عن الإزالات والمنافع والمصارف المغطاة على مستوى كل محافظة، وتحويلها تلقائيًا إلى أحزمة خضراء، مع ربط قاعدة البيانات بخرائط الأقمار الصناعية لتحديد المواقع ومتابعة استغلالها، وإلزام أي مطور عقاري أو شركة خاصة تحصل على ترخيص جديد بغرس 10 أشجار مثمرة أو أشجار ظل مقابل كل وحدة سكنية، مع توثيق تنفيذ ذلك ضمن رخصة المبنى، بالتنسيق مع هيئة الأوقاف للاستفادة من أصولها في دعم خطط التشجير.
كما تضمن الاقتراح فتح المجال أمام الشركات ورجال الأعمال والمدارس لتبني شارع أو ميدان بالكامل، من خلال زراعته وصيانته لمدة 5 سنوات مقابل وضع لوحة تعريفية، على أن يتم ذلك تحت إشراف المحافظة، بما يخفف الأعباء عن الموازنة العامة.
وتضمنت الآليات فرض رسم بسيط على تراخيص السيارات الجديدة والمباني التجارية، يخصص بالكامل لصندوق “تخضير المحافظات”، مع إلزام كل محافظة بإعلان تقرير ربع سنوي يتضمن أعداد الأشجار التي تمت زراعتها ومواقعها ومعدلات التنفيذ.
بلاغ
وقدم أسعد هيكل، المحامي بالنقض، ببلاغ إلى النائب العام، طالب فيه بفتح تحقيق عاجل فيما وصفه بوقائع القطع الممنهج للأشجار المعمرة والتاريخية في عدد من المحافظات، وما يترتب على ذلك من أضرار بيئية ومادية.
واختصم هيكل في بلاغه وزيرة التنمية المحلية والبيئة، ومحافظي القاهرة والجيزة.
ولفت إلى أن البلاغ تضمن أمثلة لما وصفها بالمناطق المتضررة، من بينها مناطق بشارع جامعة الدول العربية والمهندسين والعجوزة، وحي الدقي، بالإضافة إلى حديقتي الأورمان والحيوان في الجيزة.
اختصم هيكل في بلاغه وزيرة التنمية المحلية والبيئة، ومحافظي القاهرة والجيزة
وفي القاهرة، أشار البلاغ إلى حديقة الميريلاند، وحديقة المسلة بالزمالك، وميدان سانت فاطيمة، وألماظة، ومساكن شيراتون، والهضبة في المقطم، إلى جانب منطقة المسلة التاريخية بالمطرية.
كما تضمن البلاغ وقائع في عدد من المحافظات والجامعات، بينها مدينة العبور، وحرم جامعة طنطا، وحدائق كورنيش المنصورة، وشواطئ النيل بدمياط، وحديقة ناصر بأبو تيج في أسيوط، فضلًا عن مناطق بمحافظتي قنا والفيوم وحدائق النيل بأسوان.
وطالب هيكل، النائب العام بفتح تحقيق جنائي عاجل وموسع في الوقائع التي تضمنها البلاغ، وإصدار قرار بوقف أعمال قطع وإزالة الأشجار، فضلًا عن التحقيق في مصير الأخشاب الناتجة عن عمليات الإزالة والجهات أو الأشخاص المستفيدين منها، للتحقق من وجود أي مخالفات أو شبهة تربح أو استيلاء على المال العام.
وأكد مقدم البلاغ أن تحركه يأتي، بحسب بيانه، انطلاقًا من اعتبارات الصالح العام والحفاظ على البيئة والمساحات الخضراء، معربًا عن أمله في إجراء تحقيقات عاجلة تكشف حقيقة الوقائع وتحدد المسؤوليات القانونية عنها.
تصدير الفحم
إلى ذلك، دعا الإعلامي، نشأت الديهي، الحكومة إلى بحث إمكانية حظر تصدير الفحم، على خلفية الجدل المتصاعد بشأن قطع الأشجار، مطالبًا بكشف حقيقة مصدر الفحم المُصدر وما إذا كانت هناك علاقة بين زيادة صادراته وبين إزالة الأشجار.
دعا الإعلامي، نشأت الديهي، الحكومة إلى بحث إمكانية حظر تصدير الفحم، على خلفية الجدل المتصاعد بشأن قطع الأشجار، مطالبًا بكشف حقيقة مصدر الفحم المُصدر
وطرح في برنامجه تساؤلًا مباشرًا حول طبيعة العلاقة بين الملفين، قائلًا: “هل قطع الأشجار له علاقة بزيادة تصدير الفحم؟”، مشددًا على “ضرورة معرفة مصير الأخشاب الناتجة عن عمليات القطع، وما إذا كانت تتحول إلى فحم يستخدم في أغراض مثل الشواء أو الشيشة”.
ولفت إلى أن “صادرات الفحم التي تبلغ نحو 90 ألف طن قد ترتبط بإزالة أعداد كبيرة من الأشجار”، وأن تقديره يشير إلى “إمكانية وصول العدد إلى مليون شجرة”. وطالب الحكومة بـ”مراجعة هذه الأرقام والتحقق من مدى دقتها”.
وحسب بيانات التجارة الدولية، استوردت إسرائيل من مصر خلال الفترة بين عامي 2022 و2024 نحو 19 ألف طن من الفحم الخشبي (النباتي)، بقيمة إجمالية تقارب 15 مليون دولار أمريكي.
