ليس التعميم الوسيط رقم 773، الذي أصدره حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في 4 أيلول 2026، مجرد طلب جديد من المصارف لتعبئة جداول مالية وإرسال بيانات إضافية إلى المصرف المركزي. فالأسئلة المفصلة التي طرحها التعميم بشأن مساهمات المصارف المباشرة وغير المباشرة في الشركات، ولا سيما تلك المموّلة بتسهيلات من مصرف لبنان، تكشف أن الهدف يتجاوز جمع المعلومات إلى فتح ملف كامل: أين ذهبت الأموال التي خُصصت للاستثمار في قطاع التكنولوجيا؟ كيف استُخدمت؟ من استفاد منها؟ وما الذي لا يزال ممكنًا استرداده؟
وبحسب مصادر مطلعة لـ”ليبانون ديبايت”، جاء التعميم على خلفية حكم صدر في بريطانيا في تموز الماضي، وتناول أموالًا استُثمرت في شركات تكنولوجية لبنانية ضمن برنامج التعميم 331، قبل أن تُنقل محفظة استثمارية كبيرة إلى جهات مرتبطة بمجموعة البحار، وفق ما خلصت إليه المحكمة البريطانية.
هذا الحكم لم يتناول خلافًا تجاريًا عاديًا بين مساهمين، بل سلّط الضوء على ثغرات خطرة في إدارة استثمارات موّلت أساسًا بتسهيلات من مصرف لبنان. وفي صلب القضية، وجدت المحكمة أن مدير شركة “Cedar Mundi” تصرف “من وراء ظهر” المصارف اللبنانية التي كانت تملك غالبية أسهم الشركة، وأن أصولًا ذات قيمة مرتفعة نُقلت بأقل بكثير من قيمتها الحقيقية.
وفي 17 تموز 2026، قضت محكمة في لندن ببطلان نقل محفظة استثمارات تابعة لصندوق تكنولوجي لبناني إلى كيان مرتبط بعائلة البحار الكويتية. وفي حكم مؤلف من 294 صفحة، خلص القاضي سايمون برايان إلى أن مدير شركة “Cedar Mundi”، باسل عطية، تصرف “من وراء ظهر” المصارف اللبنانية المساهمة، بهدف حماية مصالح المساهم الأقلية، مجموعة البحار، وتحقيق منفعة لها، في خرق لواجباته كمدير، ولا سيما واجبَي الولاء وحسن النية.
وقررت المحكمة أن شركة “Cedar Mundi” يحق لها استعادة أصولها، فيما تركت تحديد آلية التنفيذ وقيمة التعويضات والفوائد لجلسة لاحقة.
لفهم أهمية هذه القضية، لا بد من العودة إلى عام 2013، حين أطلق مصرف لبنان التعميم 331، في مبادرة هدفت إلى زيادة الاستثمارات في شركات التكنولوجيا والشركات الناشئة اللبنانية. وقامت الآلية على توفير تمويل للمصارف اللبنانية من دون فوائد، على أن تستثمره المصارف، مباشرة أو عبر صناديق متخصصة، في شركات مؤهلة للاستفادة من البرنامج.
وفي عام 2015، أسس باسل عطية شركة “Cedar Mundi”، بعدما كان يعمل في مجموعة “IFA” التابعة لمجموعة “Med Al Bahar”. واعتبر عطية أن التعميم 331 يشكل فرصة استثمارية للمجموعة، فتمكن من إقناع بنك “سوسيتيه جنرال في لبنان” ومصارف لبنانية أخرى بالمساهمة في الشركة وضخ أموال فيها، مدعومة بتمويل من مصرف لبنان.
وكان المساهم الآخر شركة “Med Al Bahar International Limited”، المعروفة اختصارًا بـ”MABIL”، التابعة لمجموعة البحار، إلا أن مساهمتها لم تكن ممولة من مصرف لبنان. وبحلول كانون الأول 2019، كانت “MABIL” تملك 23.625% من أسهم “Cedar Mundi”، في حين كانت المصارف المشاركة ضمن التعميم 331 تملك 76.375%، وكان بنك “سوسيتيه جنرال في لبنان” أكبر المساهمين بينها.
وضمت محفظة “Cedar Mundi” حصصًا في عدد من الشركات، إلا أن استثمارها في شركة “Proximie” كان الأكثر قيمة. وبحسب ما ورد في الحكم، كانت التكنولوجيا الصحية التي طورتها هذه الشركة مستخدمة، بحلول عام 2020، في نحو 300 مستشفى وجامعة في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا.
لكن المشهد تغيّر مع انفجار الأزمة المالية اللبنانية.
فابتداءً من آب 2019، بدأ النظام المالي يعاني نقصًا حادًا في العملات الأجنبية، وفرضت المصارف قيودًا فعلية على حركة الأموال والودائع. وظهر ما بات يُعرف بـ”اللولار”، أي الدولارات المحتجزة داخل النظام المصرفي والتي فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها الفعلية، بالتزامن مع الانهيار المتسارع لسعر صرف الليرة.
ووفق رواية “Cedar Mundi” التي تناولها الحكم، استغل باسل عطية هذه الظروف وتصرف لمصلحة جهة عمله “الحقيقية”، أي مجموعة “Med Al Bahar”، ورتب بصورة “سرية وأحادية” معاملتين خلال عامَي 2020 و2021، أدتا إلى نقل الجزء الأكبر من محفظة الشركة إلى جهات مرتبطة بالمجموعة.
في الصفقة الأولى عام 2020، حاول عطية نقل معظم محفظة “Cedar Mundi” إلى شركة “IFA Capital Ltd”، وهي شركة تابعة لمجموعة “Med Al Bahar”، على أن تحصل “Cedar Mundi” في المقابل على 84% من رأسمال الشركة. لكن المدعى عليهم أقروا، منذ بداية المحاكمة، بأن عطية لم يكن يملك الصلاحية لإبرام هذه الصفقة.
أما الصفقة الثانية، التي أُنجزت عام 2021، فكانت أكثر أهمية وخطورة. فقد قالت “Cedar Mundi” إن عطية تمكن من بيع الجزء الأكبر من محفظتها الاستثمارية إلى شركة “Cedar II”، التابعة بدورها لمجموعة البحار.
وتمسك المدعى عليهم بأن الصفقة حظيت بموافقة مجلس الإدارة خلال اجتماع عُقد في 13 نيسان 2021، إلا أن “Cedar Mundi” نفت ذلك، معتبرة أن مجموعة البحار حصلت على معظم استثماراتها بأسعار تقل كثيرًا عن قيمتها الحقيقية.
وبعد التدقيق في الوقائع والمستندات، وجد القاضي أن صفقة عام 2021 كانت باطلة وغير مصرح بها، لأن مجلس إدارة “Cedar Mundi” لم يكن يملك صلاحية الموافقة عليها من دون موافقة الجمعية العمومية للمساهمين، وهي موافقة لم تحصل.
ورفض القاضي كذلك اعتبار “Cedar Mundi” أصلًا متعثرًا، وأسقط بالتالي الحجة القائلة إن تدني السعر كان مبررًا بسبب حصول عملية بيع اضطرارية.
وهنا برزت الأرقام التي كشفت حجم الفجوة. فبحسب الأدلة المقدمة أمام المحكمة، كانت قيمة محفظة “Cedar Mundi” المنقولة في أيلول 2021 توازي، وفق حسابات “اللولار”، ما لا يقل عن 101.3 مليون دولار، في حين لم تدفع شركة “Cedar II” في مقابلها سوى 25.6 مليون دولار. كما أدت الصفقة، وفق الحكم، إلى تسجيل خسائر على “Cedar Mundi” بقيمة 16.8 مليون دولار وفق حسابات أيلول 2021.
وخلصت المحكمة إلى أن نقل الأصول لم يحصل بحسن نية، ولم يكن في مصلحة “Cedar Mundi”، بل كان يهدف أساسًا إلى حماية مصالح مجموعة البحار وتحقيق منفعة لها. ووصف القاضي الفعل، بمعناه الواسع، بأنه عمل احتيالي، معتبرًا أن عطية ارتكب خروقات متعددة لواجبَي الولاء وحسن النية في صفقتَي 2020 و2021.
وفي ما يتعلق بالصفقة الثانية، رأى القاضي أن ولاء عطية كان “لمجموعة البحار وMABIL وحدهما”، مشيرًا إلى أنه تلقى مكافأة بقيمة 1.6 مليون دولار من المجموعة.
هذه القضية، وفق المصادر، هي التي تفسر جانبًا أساسيًا من تشدد مصرف لبنان في تعميمه الأخير. فالمشكلة بالنسبة إلى المصرف المركزي لم تعد محصورة في تقييم نجاح تجربة التعميم 331 أو فشلها، بل باتت ترتبط باحتمال إساءة استخدام أموال وأصول موّلت ضمن البرنامج، أو نقلها من دون تفويض، أو التصرف بها بطريقة تجعل استردادها أكثر تعقيدًا.
ومن الناحية القانونية، لم تكن هناك علاقة مباشرة بين مصرف لبنان والشركات الناشئة المستفيدة. فالمصرف المركزي موّل المصارف، بينما تولت هذه الأخيرة توظيف الأموال، مباشرة أو عبر صناديق استثمار، في الشركات المؤهلة. ولذلك، كانت مسؤولية الإشراف على الاستثمارات، والتحقق من جدواها، ومراقبة إدارتها، تقع أساسًا على عاتق المصارف.
من هنا، يبدو أن التعميم 773 يهدف إلى تحميل المصارف مسؤولية تقديم كشف حساب كامل عن الأموال التي وظفتها، بدل الاكتفاء بتقارير عامة عن حجم الاستثمارات أو قيمتها الدفترية. فمصرف لبنان يريد معرفة هوية كل شركة استفادت من التمويل، وشكلها القانوني، وأسماء مؤسسيها ومساهميها، وقيمة الاستثمار فيها وتاريخه، وقيمتها الحالية، وتوزيعات الأرباح والمستفيدين منها، فضلًا عن بياناتها المالية ومؤشرات أدائها.
لكن التعميم لا يتوقف عند الشركات المستفيدة. فهو يطلب من المصارف أيضًا الكشف عن هوية الشركات والمديرين الذين أوكلت إليهم إدارة الاستثمارات، ومؤهلاتهم، والعمولات التي تقاضوها، سواء كانت عمولات إدارة أو توظيف أو أداء، إضافة إلى حصصهم من الأرباح الرأسمالية، ومكافآت أعضاء مجالس الإدارة، والنفقات القانونية، وكل المبالغ التي حُسمت من عائدات الاستثمارات.
بمعنى آخر، يحاول مصرف لبنان إعادة رسم المسار الكامل للأموال منذ لحظة خروجها منه، مرورًا بالمصارف والصناديق ومديري الاستثمار، وصولًا إلى الشركات والمساهمين والمستفيدين النهائيين. والهدف ليس فقط معرفة حجم الأموال التي صُرفت، بل تحديد مقدار ما تبدد منها، وما جرى تحويله أو اقتطاعه على شكل عمولات ومكافآت ونفقات، وما بقي منها قابلًا للاسترداد.
والأهم أن التعميم يفرض على المصارف الحصول على موافقة مسبقة من مصرف لبنان قبل اتخاذ أي قرار يمكن أن يؤثر في قيمة الاستثمارات أو إمكان استردادها، ولا سيما القرارات المتعلقة برؤوس الأموال، وبيع الأصول أو نقلها، وتغيير الاستراتيجية الاستثمارية، واستبدال شركات الإدارة، وتعديل الهياكل القانونية.
وهذا البند يكشف أن المصرف المركزي لا يريد الاكتفاء بالنظر إلى الماضي، بل يسعى إلى منع تكرار عمليات قد تؤدي إلى نقل الأصول أو خفض قيمتها أو تغيير ملكيتها قبل أن يتمكن من تحديد حقوقه وملاحقتها.
كما يفرض التعميم على المصارف إعداد استراتيجية خروج عن كل استثمار أُنجز سابقًا، تتضمن جدولًا زمنيًا متوقعًا، والعائدات المقدرة وفق سيناريوهات مختلفة، والعقبات التي يمكن أن تعترض عملية التخارج، والمبالغ التي يُفترض إعادتها إلى مصرف لبنان.
وبذلك، لا يعود السؤال المطروح على المصارف: أين استثمرتم الأموال؟ بل يصبح: كيف ستخرجون من هذه الاستثمارات، وكم ستستردون منها، ومتى ستعيدون الأموال إلى المصرف المركزي؟
وتختصر قضية “Cedar Mundi” حجم المخاطر التي يحاول مصرف لبنان تطويقها. فقد موّل المصرف المركزي مصارف لبنانية لتوظيف الأموال في قطاع التكنولوجيا، وأصبحت هذه المصارف تملك غالبية أسهم شركة استثمارية، قبل أن تنتقل معظم محفظتها، بحسب ما خلصت إليه المحكمة البريطانية، إلى جهات مرتبطة بالمساهم الأقلية وبأسعار أدنى بكثير من قيمتها.
أما الأسئلة التي حسمتها المحكمة، فكانت شديدة الوضوح: هل كان يحق للمدير نقل الأصول؟ هل حصل النقل لمصلحة الشركة ومساهميها جميعًا أم لمصلحة مجموعة محددة؟ وهل كان السعر عادلًا؟
وكان جواب القضاء البريطاني عمليًا: لا.
اليوم، يحاول مصرف لبنان، عبر التعميم 773، منع بقاء هذه الأسئلة بلا أجوبة في بقية الاستثمارات الممولة ضمن التعميم 331. وهو يضع المصارف أمام مرحلة جديدة من التدقيق والمساءلة، تبدأ بكشف المستفيدين الحقيقيين ومديري الأموال والعمولات، ولا تنتهي إلا بتحديد قيمة الأصول المتبقية ووضع خطة واضحة لاستردادها.
فالغاية الأساسية من التعميم ليست إحصاء الشركات الناشئة أو تحديث قيمها فحسب، بل تعقب الأموال، وحماية الأصول من أي تصرف إضافي، وتحديد المسؤوليات، وإجبار المصارف على تقديم خطط خروج واسترداد قابلة للقياس.
وبعد سنوات من الغموض الذي أحاط بمصير جزء من أموال التعميم 331، يبدو أن مصرف لبنان بدأ أخيرًا بطرح السؤال الذي تأخر طويلًا: أين ذهبت الأموال، ومن استفاد منها، وكم بقي منها ليستعاد؟
