بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

إسرائيل للعالم: مسالمون.. والعيب في المرآة

إسرائيل للعالم: مسالمون.. والعيب في المرآة

د. ميخائيل ميلشتاين


ترافق الجولة الحالية من الصدامات مع العالم في السياق الفلسطيني مع طقوسٍ متكررة. الأولى، وهي الأقدم، تتجسد في الإشارة إلى “الدوافع الخفية” وراء الإجراءات المتخذة ضد إسرائيل، مثل قرار مقاطعة السلع والخدمات القادمة من “يهودا والسامرة” [الضفة الغربية]، وقبل كل شيء، النفوذ المتزايد للجماهير الإسلامية في الغرب (الذي دفع نتنياهو مؤخراً إلى التصريح مازحاً بأن بريطانيا أصبحت “أول جمهورية إسلامية نووية”)، والسذاجة، والنفاق، وحتى معاداة السامية. أما الطقس الثاني، وهو الأحدث، فقد ظهر عقب تصاعد العنف اليهودي في الضفة الغربية، ويتجسد في صرخة تبدو وكأنها يائسة، مفادها أن هذا العنف آفة تضر بمشروع الاستيطان برمته، لكن يمكن حلها من خلال “التواصل الجيد”.


تكشف الأزمة التي تفاقمت منذ الأسبوع الماضي مع بريطانيا عن نقطتي ضعف لدى إسرائيل: تتعلق الأولى بجوهر المشكلة؛ فالعالم منزعج بالفعل من تصاعد العنف اليهودي في “يهودا والسامرة”، الذي يترافق مع عدم كفاءة قوات الأمن ودعم ضمني من أعضاء الائتلاف، لكن الانتقادات أوسع نطاقًا، وتتعلق بالدعم الذي يُسجل في الخطاب السياسي والعام في إسرائيل، والذي يتسم برفض تام لفكرة التسوية السياسية مع الفلسطينيين، والالتزام بتسريع وتيرة الاستيطان، مع تطبيع مفاهيم وأهداف كانت تُنسب سابقًا إلى عناصر متطرفة من اليمين، وأصبحت أجندة شبه رسمية.


أما النقطة الثانية فتتعلق بالصرخات غير المقنعة حول الضرر الذي تسببه “حفنة” من الأشخاص العنيفين. أولًا، الضرر لا يلحق بصورة إسرائيل، بل بصوابية مسارها الأخلاقي وركيزتها الأساسية. ثانيًا، لطالما أدرك العالم، وكذلك بعض الإسرائيليين، أن جوهر سياسة إسرائيل يكمن في تناقضٍ مُستحيل، مُصمّمٍ ليُمسك طرفي حبل: تشجيع إنشاء المزارع، التي لا يستند معظمها إلى أي أساس قانوني، وفي الوقت نفسه إظهار “الدهشة” إزاء تصاعد العنف وتدهور صورة إسرائيل.

تعكس الردود على انتقادات إسرائيل إنكارًا للواقع؛ ففي القدس تُشاهد بخطوات تبدو جذرية، مثل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس وإخراج ممثلي المملكة (ودول أوروبية أخرى) من مقر التنسيق في “كريات جات”. هذه خطوات مُشبعة بتفسيرات مفادها أننا وحدنا على صواب، وأن العالم غبي

وتعكس الردود على انتقادات إسرائيل إنكارًا للواقع؛ ففي القدس تُشاهد بخطوات تبدو جذرية، مثل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس وإخراج ممثلي المملكة (ودول أوروبية أخرى) من مقر التنسيق في “كريات جات”. هذه خطوات مُشبعة بتفسيرات مفادها أننا وحدنا على صواب، وأن العالم غبي، وأننا نستطيع العيش بمعزل عنه. مع ذلك، لا تتضمن هذه الردود أي محاولة لتوضيح المشكلات العميقة المتجذرة في الأزمة المتفاقمة مع العالم، ولا سيما عدم إدراك أن هذه الردود لا توقف تدهور مكانة إسرائيل الدولية، وأن من المتوقع تفاقم الوضع السياسي المتأزم.


لا يبدو أن العالم متأثر بالإجراءات المضادة أو الجهود الدعائية التي تروج لها إسرائيل، ناهيك عن مظاهر “العقاب على الخطيئة” عقب تصاعد العنف. فالمشاهد الواردة من الضفة الغربية في الأيام الأخيرة تُشكل صورة العالم لما يحدث في المنطقة: فلسطيني يُصاب برصاصة في ساقه من مسافة قريبة (“مخالفة إدارية”)، وأطفال مستوطنين يسيطرون على ملعب كرة قدم في بلدة فلسطينية، وبودكاست مع سموتريتش زعم فيه أنه من الضروري خوض الحرب وحيدين في الضفة الغربية، وأحدث المستجدات – إنشاء بؤرة استيطانية قرب مستوطنة مجد الكروم في الجليل، فيما يبدو أنه محاولة لتقليد نموذج الاستيلاء على الأراضي. كل هذا يترافق مع تزايد عدد الصور التي تُظهر جنودًا من الجيش الإسرائيلي يشاركون في أعمال عنف ضد الفلسطينيين.


تتخذ إسرائيل من “فقاعة” تُحاكي روح “العالم بأسره ضدنا” القديمة، وروح “إسبرطة الجديدة” الحالية. وتواصل العمل انطلاقًا من اعتقادها بأن مجزرة 7 أكتوبر تُبرر لها أخلاقيًا وسياسيًا فعل ما تشاء. لكنها تتجاهل حقيقة أن العالم توقف منذ زمن طويل عن منحها أي اعتراف، وينظر إليها كدولة تعيش حالة اضطراب. إضافةً إلى ذلك، من الواضح أن ترامب أصبح أكثر ترددًا في تقديم الدعم الاستراتيجي، كما يتضح من الحياد الذي أبداه تجاه الخطوة البريطانية الأخيرة، والتي كانت ستُثير في الماضي انتقادات أمريكية حادة.


لا ينبغي الاستخفاف بادعاءات الانفصال عن الواقع والدعوة إلى مناقشة تداعياته، أو الرد عليها بحجة بالية عن انعدام الوطنية أو السذاجة. صحيح أنه من الممكن تأييد التوسع الاستيطاني غير المحدود في الضفة الغربية، ورفض أي نقاش حول التسوية مع الفلسطينيين، وقبول الإرهاب في الضفة الغربية كأمر واقع، لكن من المهم إدراك طبيعة الدولة التي قد تنشأ من هذا الواقع: وطن بلا فواصل لشعبين متخاصمين، ذوي وضع مدني مختلف، معزول في المنطقة، ومنبوذ في العالم، تحركه رؤية طائفية دينية، وذو طابع ديني بارز، يخوض حروبًا أبدية، بينما تتفاقم الخلافات الداخلية حول الأهداف والقيم، أي بعبارة أخرى، خلق خطر وجودي غير مسبوق.

يديعوت أحرونوت 14/9/2026