بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

سوريا: أزمة أسعار المحروقات تصل مجلس الشعب والاحتجاجات تتواصل

سوريا: أزمة أسعار المحروقات تصل مجلس الشعب والاحتجاجات تتواصل

دمشق – “القدس العربي”: تواصلت الاحتجاجات في سوريا لليوم الثاني، على قرار رفع أسعار المحروقات، في المحافظات ذاتها التي تحركت أمس الأول ، حيث عمد المتظاهرون إلى إغلاق العديد من الطرق في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور وشمال حلب، وتطورت إلى محاولات لإغلاق معابر حدودية إن كانت مع تركيا شمالا أو مع العراق شرقا، إلى جانب التهديد بمنع وصول صهاريج النفط من المحافظات الداخلية إلى مصفاة حمص أو إلى ميناء بانياس على المتوسط.

وفيما أعلن مكتب رئاسة مجلس الشعب، تحديد يوم الخميس المقبل، لعقد جلسة استماع إلى وزير الطاقة بعد مطالبة أكثر من 50 نائبا بذلك، لم يصدر أي موقف رسمي جديد تجاه الملف، على خلاف انتقادات تعرضت لها سياسات الحكومة التي أدت إلى انفجار الشارع، مع محاولات في المقابل لعدم تحميل الوضع أكثر مما يحتمل، والثناء على التظاهرات التي لم تسجل تجاوزات تذكر أو مواجهات مع رجال الأمن.

قطع طرق ومعابر

وتواصلت الاحتجاجات التي بدأت الأحد، مع إعلان وزارة الطاقة رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 25-40% لمادتي البنزين والمازوت، و9% للغاز المنزلي، وتمثلت في معظمها بقطع الطرق الواصلة بين المدن والبلدات في محافظات الجزيرة الثلاث دير الزور والرقة والحسكة، إلى جانب احتجاجات شهدتها مدن وبلدات في ريف حلب الشمالي ومحافظة إدلب.

ووسط دعوات انتشرت على صفحات “فيسبوك”، لتنظيم اعتصام سلمي على مستوى البلاد، في الـ27 من أيلول/ سبتمبر الجاري، خرجت أكثر التظاهرات في مدينة الرقة وريفها، حيث قام محتجون بإغلاق طريق الصوامع داخل المدينة وسط انتشار عناصر الأمن الداخلي.

وكذلك الحال كان في مدينة سلوك في ريف المحافظة الشمالي، وبلدة المنصورة في الريف الغربي، ووصلت مطالب المحتجين، حسب مقاطع فيديو انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى إعادة تخفيض أسعار المحروقات لتعود إلى ما كانت عليه قبل الزيادات الأخيرة، مع استقالة وزير الطاقة محمد البشير، والتأكيد على استمرار قطع الطريق أمام حركة صهاريج نقل النفط الخام من حقول الحسكة باتجاه مصفاة حمص أو ميناء بانياس طالما لم تتم إعادة النظر بأسعار المازوت والبنزين، لأن رفع أسعار المحروقات لا يقتصر أثره على الوقود وحده، بل يمتد إلى النقل والغذاء والخدمات وكلفة المعيشة بأكملها

دعوات انتشرت على صفحات “فيسبوك”، لتنظيم اعتصام سلمي على مستوى البلاد، في الـ27 من أيلول/ سبتمبر الجاري

وفي محافظة الحسكة، نفذ أهالي بلدة الجوادية التابعة لمنطقة المالكية، في أقصى الشمال الشرقي من البلاد، وقفة احتجاجية عمدوا خلالها إلى حرق إطارات وقطع للطرق رفضاً لارتفاع أسعار المحروقات، وكذلك فعل الأهالي في مدينة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي، وبلدة تل براك شرق المحافظة.

أما في دير الزور فقد قطع المحتجون طريق حقل العمر النفطي مطالبين بـ “إسقاط الوزير والفاسدين”، كما قام المحتجون بقطع جسر السويعية الواصل بين سوريا والعراق، وكذلك نظم أهالي مدينة الشحيل وقفة احتجاجية

وفي ريف حلب الشمالي تطور الوضع تجاه محاولة إغلاق بعض المعابر الحدودية مع تركيا، فبعد أن قطع المحتجون الطريق الدولي بين الرقة وحلب، عمد محتجون إلى إغلاق معبر باب السلامة شمال مدينة اعزاز، وقطعوا الطريق بالإطارات المشتعلة وأظهر مقطع فيديو إعادة شاحنة قادمة من تركيا.

كذلك عمد سائقو الشاحنات في مدينة جرابلس الحدودية مع تركيا على نهر الفرات إلى إغلاق طريق المحطة باتجاه المعبر الحدودي.

أما في إدلب فقد نظم أهالي بلدة معرة حرمة في ريف المحافظة الشرقي وإلى الجنوب الغربي من مدينة معرة النعمان وقفة احتجاجية، بعد أن كان أهالي معرة النعمان قد عمدوا ليل الأحد إلى قطع الطريق الدولي بين دمشق وحلب المار في مدينتهم.

جلسة استجواب

ووصلت أصوات المحتجين إلى تحت قبة مجلس الشعب، حيث وقع أكثر من 50 نائبا على طلب موجه إلى رئاسة المجلس للاستماع إلى وزير الطاقة بشأن قرار رفع أسعار المحروقات، وأسبابه وانعكاساته على معيشة المواطنين.

وأعلن مكتب المجلس الإثنين موافقته على عقد جلسة استماع لوزير الطاقة، بناءً على طلب رئيس لجنة الطاقة إقبال محمد منصور، وذلك لمناقشة نشرة أسعار المشتقات النفطية الأخيرة.

وقال المجلس عبر صفحته الرسمية على فيسبوك إن طلب جلسة الاستماع جاء عقب اجتماع لجنة الطاقة الأحد، واستناداً إلى المادة 30 من الإعلان الدستوري، وعملاً بأحكام المادة 168 من النظام الداخلي لمجلس الشعب، مشيرا إلى أن الجلسة تهدف إلى الاستماع إلى إيضاحات وزارة الطاقة حول أسباب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، والظروف والاعتبارات التي رافقت إصدار النشرة، على أن يتم عقد جلسة الاستماع يوم الخميس المقبل عند الساعة 12 ظهراً، في مقر مجلس الشعب.

مطالب محقة

وفي تصريح لـ “القدس العربي” اعتبر الباحث السياسي احمد الكناني أن الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السوريون، أدت إلى مخاوف كبيرة وأثارت موجة واسعة من الاحتجاجات وخصوصا أن هذه الارتفاعات في الأسعار لم تأت تدريجيا وإنما بشكل متقارب وبنسب مرتفعة.

وقال إن الزيادة الأخيرة ليست الأولى فقد سبقتها ارتفاعات قبل فترة قصيرة، ونسب الارتفاع مما كانت عليه قبل أشهر تتجاوز الـ40 %الأخيرة، وهي كبيرة على مواطنين يعيشون موجة من الضغوط الاقتصادية، موضحا أن الاحتجاجات جاءت تعبيرا عن حالة احتقان متراكمة باعتبار أن الحكومة لم تكن تصغي لمطالب الطبقات الفقيرة المسحوقة التي تشكل غالبية مطلقة من سكان البلاد، وهو ما ظهر أول مرة عندما رفع المواطنون صوتهم ضد ارتفاع أسعار فواتير الكهرباء، واليوم باتت الضغوط الاقتصادية خارج القدرة على التحمل.

اعتبر الباحث السياسي احمد الكناني أن الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السوريون، أدت إلى مخاوف كبيرة وأثارت موجة واسعة من الاحتجاجات

وأثنى على تعامل عناصر وزارة الداخلية مع المحتجين وعدم حصول عمليات قمع، وقال إن عناصر الوزارة باتت تمتلك الخبرة الكافية ومتمرسة للتعامل مع مثل هذه الحالات، موضحا أن حالة الاحتجاج والإضرابات الشعبية المبررة، لا تجيز في الوقت ذاته عمليات قطع الطرق وإثارة الشغب التي قد تؤدي إلى نتائج سلبية من قبيل التعرض لرجال الشرطة، وهو ما حصل في حالات محدودة جدا، لكن هؤلاء استطاعوا ضبط الاحتجاجات والحيلولة دون التعرض للممتلكات العامة والخاصة.

ورفض الكناني ما ذهب إليه البعض بوجود محاولات خارجية لاستغلال الاحتجاجات المحقة، ودفع الأوضاع داخل البلاد إلى مزيد من التوتر، مطالبا بضرورة وقف استخدام مثل هذه الحجج لمواجهة المطالب الداخلية، ومؤكدا أن الشعب منهك اقتصاديا ولا يمكن ربط احتجاجاته على رفع أسعار المحروقات بأجندات خارجية.

وأشار إلى أن وزارة الطاقة قدمت مبرراتها أول مرة عندما رفعت أسعار فواتير الكهرباء، وكذلك فعلت اليوم، لكن هذه المبررات لم تجد آذانا صاغية عند الشارع المنهك ولم تكن مرضية ولا مقنعة.

قرار خاطئ

في حين اعتبر الأكاديمي والباحث الاقتصادي حسين مرهج العماش في تصريح لـ”القدس العربي” أن قرار رفع اسعار الطاقة هو قرار خاطئ اقتصاديا وسياسيا.

وقال إن الحياة المعاصرة وخاصة في المدن تقوم على مشتقات الطاقة، وأي رفع للأسعار، هو بمثابة جريمة اقتصادية واضحة على شعب فقير ومنهك، كما أن البلاد لا تزال تنوء تحت ضغط الجمود الاقتصادي والتضخم المفرط، وبالتالي فإن هذه الخطوة الخاطئة، تعاكس كل تبرير تتمسك به الحكومية.

اعتبر الأكاديمي والباحث الاقتصادي حسين مرهج العماش في تصريح لـ”القدس العربي” أن قرار رفع اسعار الطاقة هو قرار خاطئ اقتصاديا وسياسيا

وبين أن هذا القرار سيبطئ التعافي الاقتصادي ويزيد نسبة الفقر حتى تصل الى مستوى المجاعة الفعلية، والايرادات من الزيادة لن تكون مؤثرة على ميزانية مرتبكة أساس، والرجوع عن الخطأ فضيلة.

واكد أن خيار زيادة الإيرادات من خلال رفع أسعار المحروقات قد لا يكون سهلة في وضع مالي حكومي حرج، إلا أن الثمن السياسي أمام هذه الحكومة، باهظ، خاصة وأن فضيحة اسعار الكهرباء قد استهلكت رصيد الحكومة الإيجابي، مشيرا إلى أن نسبة 75% المعلنة من الاحتياجات بأنها مستوردة غير صحيحة، وربما هذا كان زمن النظام البائد، اما اليوم في ظل عودة السيطرة الحكومية على النفط والغاز، فهذه النسبة أقل بكثير، والحكومة هنا غير صادقة.

وبين أنه لا يمكن تهدئة الشارع إلا بالعودة عن هذه القرارات الخاطئة التي تجافي مصلحة الناس، وقال: لا أتوقع أن يهدأ غضب الشارع في حالة إصرار الحكومة على قرارها إلا برحيل الحكومة كلها، أو برحيل الوزير المباشر، والعودة إلى المنطق في التسعير، مطالبا بضرورة ألا يُترك الأمر بيد لجنة تضم أناسا ليس لديهم أي إحساس بالمسؤولية العامة.

الخطاب الشعبوي

في المقابل، قال الباحث السياسي والأكاديمي وائل مرزا إن الناس خرجوا معترضين على ارتفاع أسعار المحروقات ورفعوا أصواتهم، وتحت أنظار رجال الأمن وعنايتهم، ثم عادوا جميعاً إلى بيوتهم من دون أن يسجن أحد أو يُسحل أو يختفي، وهذا طبيعي وخصوصا أن الدولة تعلم أن القرار ثقيل، والموضوع مطروح على أعلى المستويات، وآثاره الاجتماعية والاقتصادية ليست تفصيلاً يمكن تجاهله.

مرزا: الناس خرجوا معترضين على ارتفاع أسعار المحروقات ورفعوا أصواتهم، وتحت أنظار رجال الأمن وعنايتهم، ثم عادوا جميعاً إلى بيوتهم من دون أن يسجن أحد

وكتب عبر صفحته على “فيسبوك” إن ما حدث ليس نهاية الدنيا وليس انهيار الدولة وليس بداية النهاية، مشيرا إلى أنها وحدها “الشعبوية” تستطيع أن تحول قراراً في أسعار المحروقات إلى جنازة وطنية مفتوحة على مدار الساعة.

وقال إن البلد الذي يناقش اليوم سعر ليتر المازوت، هو نفسه البلد الذي يستقبل الشركات والمستثمرين، ويفتح المعارض، ويعيد الخدمات، ويقيم نشاطاً ثقافياً في محافظة، ومهرجاناً في أخرى، ومشروعاً في ثالثة، ويفعل هذا حتى لا تتكرر أزمة المحروقات.