بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

تسويق “الانفتاح” وسلوك “الوصاية”: دمشق تعيد إنتاج النظام بـ”نسخة إسلامية”

تسويق “الانفتاح” وسلوك “الوصاية”: دمشق تعيد إنتاج النظام بـ”نسخة إسلامية”

لم يكن حفل الفنانة أصالة نصري في دمشق مجرد حدث فني عابر، بل أُريد له أن يكون “مانشيتاً” عريضاً تسوّقه السلطة الجديدة في سوريا لتثبيت صورة رسمية مفادها أن البلاد دخلت عهداً من الانفتاح والمدنية بعد التغييرات السياسية الأخيرة. غير أن المشهد السوري سرعان ما كشف ازدواجية عميقة؛ إذ لم تكد أنغام الحفل تتصاعد حتى جرفت معها مساحيق التجميل السياسية، ليتصدر الواجهة صوت التشدد الديني ومواقف القواعد الشعبية، وحتى قادة الفصائل الذين شكّلوا الحامل الأساسي للنظام الجديد.


تجلّت الانتقادات اللاذعة في أوساط أنصار السلطة وعلى ألسنة رموز ميدانية رفيعة، رافضةً الحفل بجرعة عالية من الراديكالية، إذ تركزت الهجمات حول أسئلة من قبيل: “كيف ترعى الدولة حفل غناء؟”، أو، في صيغة أقل وطأة: “كيف يُسمح بظهور فنانة من دون حجاب؟”. عكس هذا الحراك الداخلي حقيقة أن مظاهر الانفتاح لا تعدو كونها غلافاً خجولاً لواقع أكثر تجهّماً يطغى عليه التشدد الإسلامي، متجاوزاً محاولات البراغماتية المقتصرة على الخطابات الرسمية المعتدلة.


هذا السلوك القائم على احتراف “اللعبة المزدوجة” لم يقف عند حدود الداخل السوري، بل امتدت مفاعيله بسلاسة عبر الحدود نحو الساحة اللبنانية. ففي الوقت الذي تُغرق فيه القيادات السورية المسامع بشعارات طالما انتظرها اللبنانيون لعقود عن احترام السيادة، وإقامة العلاقات على قاعدة “دولة لدولة”، ووقف التدخلات التي طبعت مرحلة ما قبل عام 2005، ترسم الممارسة العملية على الأرض صورة مناقضة كلياً للنيات المعلنة.


تؤكد القراءات السياسية في بيروت أن النهج الإقليمي للسلطة الجديدة لا يختلف، في جوهره، عن أساليب الدولة السورية السابقة؛ فالرئيس السوري أحمد الشرع يواصل إجراء اتصالات مباشرة برؤساء أحزاب لبنانية محددة، فيما يتحرك وزير خارجيته ضمن مسارات مماثلة ومناطق ذات لون سياسي وطائفي معروف.


غير أن العلامة الفارقة في هذا الملف تكمن في أداء القائم بالأعمال السوري في لبنان، إياد الهزّاع. فقد أثارت حركته الدبلوماسية استغراباً واسعاً لدى المراقبين، الذين باتوا يجدون صعوبة بالغة في التمييز بين تحركه كدبلوماسي يُفترض أنه يمثل سفارة بلاده، وبين أدوار تذكّر بسياسات المندوب السامي أو رئيس “جهاز الأمن والاستطلاع” الذي حكم لبنان لعقود.


وتطرح تحركات الهزّاع الأخيرة باتجاه شخصيات وسياسيين بارزين، كزيارته الرئيسين السابقين أمين الجميّل وميشال سليمان، علامات استفهام حول طبيعتها وخلفياتها. لكن التساؤل الأكثر حرجاً في الشارع اللبناني يكمن في انقلاب المفاهيم الدبلوماسية نفسها: منذ متى يتوافد الوزراء والنواب اللبنانيون إلى مقر سفارة داخل أراضيهم، بدلاً من أن يقصد المبعوث الدبلوماسي مقراتهم الرسمية؟ وهو ما دفع قطاعاً واسعاً من المتابعين إلى الهمس متسائلين: هل تحولت السفارة السورية في بعبدا إلى “عنجر 2”؟


تؤكد هذه الشواهد أن محاولات المنظومة الحاكمة في دمشق إظهار نفسها، بشتى الطرق، كنظام راقٍ ومنفتح ويحترم سيادة جيرانه، تضع القراءات السياسية أمام واقع حاد. فالشواهد تؤكد أن المنظومة تعيد إنتاج الأدوات القديمة ذاتها، ولكن بأسلوب مختلف.


وأمام هذه الممارسات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يقف اللبنانيون والمراقبون أمام نسخة مطابقة للنظام الأمني السابق، أم أن الفارق الوحيد والأساسي بين النظام السوري الجديد وسلفه يكمن في أنه، إلى جانب استمراره في النهج الأمني نفسه، بات نظاماً إسلامياً متشدداً أيضاً؟