القاهرة – “القدس العربي”: تعالت المخاوف من إقدام السلطات في مصر على إجراء تعديلات دستورية، وسط رفض المعارضة.
وطرح تيار “جيل الوسط” مبادرة لتشكيل “الجبهة الوطنية لحماية الدستور”، بهدف فتح حوار سياسي ومجتمعي حول حماية الدستور والحفاظ على استقراره، مؤكدًا أن المبادرة ما زالت مطروحة للنقاش والتشاور وليست صيغة نهائية أو مفروضة على الأطراف المشاركة.
وقال التيار الذي أعلن تأسيسه في وثيقة سياسية قبل أيام إن الجبهة المقترحة تستهدف تجاوز الانقسامات الأيديولوجية والحزبية، وضم شخصيات عامة وأحزابًا وتيارات سياسية ومجتمعية، إلى جانب مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني وأساتذة القانون الدستوري والمتخصصين.
ويعتزم التيار إرسال المقترح إلى عدد من الشخصيات والقوى السياسية والمجتمعية؛ لفتح حوار حول آليات تشكيل الجبهة، وأهدافها، وضمانات استقلالها، وآليات العمل المشترك، مشددًا على أن شكل الجبهة وتفاصيل عملها يجب أن تكون نتاجًا للتشاور والتوافق بين المشاركين.
وأكد أنه لا ينظر إلى الدستور باعتباره نصًا غير قابل للتعديل، معتبرًا أن الدساتير يمكن أن تتطور عندما تفرض المصلحة الوطنية ذلك، لكنه يرى أن لكل تعديل سياقه، ولكل تغيير ضرورته.
وأضاف أنه يرى أن مصر لا تمتلك في هذه اللحظة السياق الوطني والسياسي المناسب لفتح باب تعديل الدستور، خصوصًا إذا ارتبط التعديل، حسب البيان، بتمديد الحكم أو إعادة ترتيب القواعد الدستورية بما يخدم أشخاصًا بعينهم.
طرح تيار “جيل الوسط” مبادرة لتشكيل “الجبهة الوطنية لحماية الدستور”، بهدف فتح حوار سياسي ومجتمعي حول حماية الدستور والحفاظ على استقراره
وشدد على أن الدساتير، من وجهة نظره، لا تُكتب من أجل الحكام، ولا تُعدّل من أجل الأشخاص، وإنما من أجل الدولة وأجيالها المقبلة، داعيًا إلى الحفاظ على القواعد الدستورية باعتبارها إطارًا منظمًا لشكل الدولة وتوازن سلطاتها.
وأكد أن المبادرة المقترحة لا تستهدف تحويل حماية الدستور إلى صراع حزبي أو مواجهة بين المعارضة والحكومة، داعيًا إلى مشاركة مختلف الأطراف التي تتفق على مبدأ أن قواعد الدولة فوق الجميع.
واختتم بيانه بالتأكيد على أن مبادرة “الجبهة الوطنية لحماية الدستور” تمثل دعوة للحوار والتوافق، وأن نجاحها، حسب التيار، يتوقف على تحولها إلى مساحة وطنية مشتركة لا تكون مملوكة لحزب أو تيار أو شخص بعينه.
إلى ذلك، حذر المرشح الرئاسي السابق أحمد الطنطاوي من إجراء تعديلات دستورية جديدة في مصر، معتبرًا أن ما وصفه بـ”المقدمات” المتداولة حاليًا يعيد إلى الأذهان الأجواء التي سبقت تعديلات دستور 2019.
ودعا الطنطاوي، الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى إعلان واضح بأنه لن يسعى للبقاء في منصبه بعد انتهاء ولايته الحالية، حتى في حال إدخال تعديلات تتيح له الترشح مجددًا.
جاء ذلك في برنامج “أصوات مع أحمد الطنطاوي”، التي حملت عنوان “حتى لا يتم تفصيل جديد للدستور”، وخصصها الطنطاوي للحديث عن مدة الرئاسة، وتعديلات 2019، والتداول السلمي للسلطة، ودور المعارضة والبرلمان والهيئة الوطنية للانتخابات والمواطنين حال طرح تعديلات دستورية جديدة.
وقال الطنطاوي إن موقفه الأساسي هو أن مصر تحتاج إلى تفعيل الدستور لا تعديله، محذرًا مما اعتبره إعادة إنتاج لمسار تعديل الدستور الذي جرى في 2019، ومؤكدًا أن الدستور يجب أن يظل إطارًا منظمًا للسلطة وليس أداة يجري تعديلها وفقًا لاحتياجات أشخاص أو مراحل سياسية بعينها.
وبين أن سبب طرحه القضية في الوقت الحالي يعود إلى ما وصفه بوجود مقدمات تشبه ما حدث قبل تعديلات الدستور في 2019، متوقعًا طرح مبررات تتعلق بضرورة تعديل بعض المواد الدستورية، ومن بينها المواد الخاصة بالإدارة المحلية وطريقة انتخابها.
واعتبر أن جوهر تعديلات 2019 كان، من وجهة نظره، مرتبطًا بتمديد مدة بقاء رئيس الجمهورية في الحكم وتوسيع صلاحياته، بما رأى أنه أثر في التوازن والفصل بين السلطات.
ولفت إلى أن بعض المبررات والمزايا التي طُرحت خلال مناقشة تعديلات 2019 لم تتحقق حتى الآن، وضرب مثالًا بالنص الذي أتاح تعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، قائلًا إن سبع سنوات تقريبًا مرت منذ تلك التعديلات دون تعيين نائب للرئيس.
طرح الطنطاوي ما اعتبره المسار الأول والأفضل، وهو وقف أي دعوات إلى تعديل جديد للدستور واحترام النص القائم
كما أشار إلى ملف انتخابات المجالس المحلية، لافتًا إلى تكرار الحديث خلال السنوات الماضية عن قرب إجرائها من دون أن يتم ذلك، وطرح اعتقاده بأن قضية الإدارة المحلية قد تُستخدم مجددًا ضمن المبررات الداعية إلى تعديل الدستور.
وأعرب عن أمله في ألا تتجه السلطة إلى تعديل الدستور مرة أخرى، داعيًا إلى احترام التعهدات والإجراءات الدستورية وإرادة المواطنين.
وطرح الطنطاوي ما اعتبره المسار الأول والأفضل، وهو وقف أي دعوات إلى تعديل جديد للدستور واحترام النص القائم.
وقال إنه يرى أن إنهاء الجدل يتطلب إعلانًا “مباشرًا وصريحًا” من الرئيس السيسي بأنه لا يرغب في البقاء في منصبه بعد انتهاء ولايته الحالية.
وأضاف أنه حتى إذا لم تكن أي تحركات محتملة لتعديل الدستور بطلب مباشر من الرئيس، فقد تتم، حسب تقديره، “إرضاء أو تقربًا أو تزلفًا له”، معتبرًا أن إعلان الرئيس عدم رغبته في الاستفادة من أي تعديل يسمح له بالترشح مجددًا سيكون كافيًا لإنهاء هذه المحاولات.
وبين أنه لا يطالب الرئيس بمنع أعضاء مجلس النواب من ممارسة صلاحياتهم الدستورية في اقتراح تعديلات، وإنما بأن يعلن أنه لن يستخدم أي استثناء جديد قد يمنحه حق الترشح مرة أخرى.
وكانت الحركة المدنية الديمقراطية، أكدت، في بيان أصدرته الأسبوع الماضي، موقفها الرافض والقاطع لأي محاولة لتعديل الدستور، وطالبت بتطبيق بنوده كاملة فيما يخص مطالب الشعب في التعليم والصحة وكافة الحقوق الأساسية، والتوقف عن انتهاك حريات التعبير بكل أشكالها.
وأكدت أن الانتهاك المستمر للدستور سبب رئيسي من أسباب تدهور أحوال الملايين من أبناء الشعب المصري. وشددت أنها لن تقبل أن تستخدم أي ذريعة داخلية أو خارجية لتمرير هذا التعديل.
طالب الإعلامي الباز، بإعادة النظر في مدة الرئاسة، معتبرًا أن المصريين “اعتادوا على رئيس يدير تفاصيل الدولة”
مخاوف المعارضة جاءت بعد أن تعالت أصوات مطالبة بتعديل الدستور في مصر، وكان آخرها من رئيس محكمة الاستئناف، خالد القاضي.
وكان القاضي دعا إلى إعداد دستور جديد للبلاد، من خلال حوار مجتمعي متأنٍ يتيح التوافق على وثيقة دستورية تعبر عن تطور الدولة وتلبي تطلعات المجتمع، معتبراً أن دستور عام 2014 أُعد في ظروف استثنائية أعقبت فترة حكم جماعة الإخوان.
لم تكن دعوة رئيس محكمة الاستئناف هي الأولى لتعديل الدستور، حيث شهدت مصر خلال الأشهر الماضية دعوات مماثلة من آخرين، إذ دعا عضو مجلس الشيوخ، ياسر قورة، إلى تعديل الدستور، وتمديد فترة بقاء السيسي في الحكم، مبرراً ذلك بـ”المخاطر التي تحيط بمصر”.
وقال في تصريحات صحافية إن “الدستور ليس قرآناً، وإن البلاد تحتاج إلى الحفاظ على استقرار النظام السياسي الحالي لمدة لا تقل عن 10 سنوات إضافية”، في إشارة لرغبته بمنح السيسي 6 سنوات جديدة بمدة رئاسية رابعة، وحكم البلاد 22 عاماً.
وفي فبراير/ شباط الماضي، دعا المستشار عدلي حسين محافظ القليوبية الأسبق خلال اجتماع لجنة الإدارة المحلية في مجلس الشيوخ إلى تغيير الدستور “شكلًا وموضوعًا”، معتبرًا أن دستور 2014 ما زال يحمل آثار دستور 2012 الذي صاغته جماعة الإخوان المسلمين.
وقبلها، طالب الإعلامي المصري، محمد الباز، بإعادة النظر في مدة الرئاسة، معتبرًا أن المصريين “اعتادوا على رئيس يدير تفاصيل الدولة”، في إشارة مباشرة إلى السيسي، بينما دعا رئيس حزب “الوفد” السابق والمرشح الرئاسي الأسبق عبد السند يمامة، إلى تعديل باب نظام الحكم بما يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع.
وتصاعدت المخاوف في مصر خلال الفترة الماضية من أن تكون انتخابات المحليات بابًا لتعديل الدستور، خاصة في ظل الحديث عن أن المادة 242 من الدستور تحدثت عن إصدار قانون جديد للمحليات خلال خمس سنوات من العمل بالدستور منذ 2014، ما يعني أن تأخر إصدار القانون 12 سنة كاملة يضعه أمام مخالفة دستورية واضحة.
في عام 2019، أجرت السلطات في مصر تعديلات على الدستور سمحت بتمديد مدة الرئاسة وإعادة ترتيب قواعد الترشح، ما أتاح للسيسي البقاء في الحكم حتى عام 2030
وتحدث نواب أن مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن انتخابات المحليات يتعارض مع المادة 180 من الدستور ولا يراعي النسب الدستورية الخاصة بتمثيل المرأة والشباب، حيث ينص المشروع الحكومي على نسب محددة بواقع 25% للشباب و15% للمرأة.
وتنص المادة 180 من دستور 2019 المعدل على انتخاب كل وحدة محلية مجلساً بالاقتراع العام السري المباشر لمدة أربع سنوات، ويشترط في المترشح ألا يقل سنه عن إحدى وعشرين سنة ميلادية.
وينظم القانون شروط الترشح الأخرى وإجراءات الانتخاب على أن يخصص ربع عدد المقاعد للشباب دون سن خمس وثلاثين سنة وربع العدد للمرأة، مع ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن خمسين في المئة من إجمالي عدد المقاعد، وأن تتضمن تلك النسبة للمسيحيين وذوي الإعاقة.
وأُجريت آخر انتخابات محلية في البلاد عام 2008، وذلك بعد تأجيل دام عامين عقب انتهاء دورة المجالس الشعبية (2002 ـ 2006). وجاء هذا التأجيل استنادًا إلى تشريع صدر عقب التعديلات الدستورية لعام 2005، نصّ على إرجاء انتخابات المحليات إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وفي عام 2019، أجرت السلطات في مصر تعديلات على الدستور سمحت بتمديد مدة الرئاسة وإعادة ترتيب قواعد الترشح، ما أتاح للسيسي البقاء في الحكم حتى عام 2030.
