بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

فايننشال تايمز: ليسوا مجرد مقاتلين بـ”شباشب”… كيف بنى الحوثيون قوتهم وتحولوا لقوة إقليمية في جبال اليمن النائية؟

فايننشال تايمز: ليسوا مجرد مقاتلين بـ”شباشب”… كيف بنى الحوثيون قوتهم وتحولوا لقوة إقليمية في جبال اليمن النائية؟

نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده تشارلز كلوفر قال فيه إن الضربات الصاروخية القاتلة على مطار الرياض الدولي خلال الأسبوع الماضي، كشفت عن القوة العسكرية المتنامية للمتمردين الحوثيين في اليمن، الذين تطوروا من حركة تمرد إلى واحدة من أقوى القوات المسلحة غير الحكومية في الشرق الأوسط.

وأسفر الهجوم الأخير الذي وقع يوم السبت، وهو الثالث على المطار خلال أسبوع، عن مقتل 12 شخصا وإصابة أكثر من 300 آخرين، في إطار تصعيد عسكري متبادل من جانب الحوثيين ضد السعودية الداعمة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا. كما استهدف الحوثيون منشآت نفطية سعودية، وسيطروا على المزيد من الأراضي على طول ساحل البحر الأحمر اليمني في الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك ميناء المخا، وعززوا سيطرتهم على مدخل البحر الأحمر بالسيطرة على جزيرة بريم في مضيق باب المندب الاستراتيجي، على الرغم من أن القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية شنت هجوما مضادا.

لا يزال الجميع يستهين بالقوة العسكرية للحوثيين وينظر إليهم على أنهم مجرد “أشخاص ينتعلون شباشب”

وكان الحوثيون قد أعلنوا فرض حصار على الموانئ السعودية في تموز/يوليو، واستهدفوا السفن السعودية التي تحاول الإبحار عبر باب المندب، مما أدى إلى خنق صادرات النفط السعودية.

ونقل الكاتب عن فارع المسلمي، الخبير في الشأن اليمني بـ”تشاتام هاوس” للأبحاث في لندن: “لا يزال الجميع يستهين بالقوة العسكرية للحوثيين”، مضيفا أن الحوثيين يستهان بهم باستمرار وينظر إليهم على أنهم مجرد “أشخاص ينتعلون شباشب”. وأضاف: “فجأة، أصبح بإمكان هؤلاء الأشخاص مضاعفة أو حتى ثلاثة أضعاف فواتير التدفئة الشتوية”، للمستهلكين الغربيين.

وتابع: “ليسوا مجرد أشخاص ينتعلون شباشب، بل هم في الواقع خبراء في مجال التكنولوجيا”، وقد أمضوا عقدا من الزمن في بناء قدرات عسكرية بمساعدة إيرانية وإنتاج أسلحتهم الخاصة. وختم قائلا: “كانوا يستوردون الأسلحة من أفريقيا قبل عقد من الزمن، والآن يقومون بتصنيعها وتوريدها إلى من كانوا يشترون منهم سابقا”.

والتزمت الحركة المدعومة من طهران الحياد إلى حد كبير عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران في شباط/فبراير، دخلت الصراع الخليجي بقوة في أواخر الصيف، إثر هجوم شنته القوات السعودية على مطار صنعاء أثناء توجه وفد حوثي إلى إيران لحضور جنازة المرشد الأعلى علي خامنئي.

وقد خرق الهجوم هدنة بين الرياض والحوثيين صمدت إلى حد كبير منذ عام 2022، وأعاد الطرفين إلى دوامة الحرب التي بلغت ذروتها بسيطرة الحوثيين على المخا الشهر الماضي.

ومع ذلك، يرى المحللون أن نجاح الحوثيين لا يعكس فقط تطور أسلحتهم المتزايد، بل أيضا تفوقهم التنظيمي وضعف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا والمدعومة من السعودية. ورسخت الجماعة الحوثية دعائمها العسكرية عندما سيطرت على صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، حيث ورثت جزءا كبيرا من ترسانة الجيش اليمني، بما في ذلك صواريخ الحرس الجمهوري الباليستية وأسلحة البحرية المضادة للسفن.

وقال محمد الباشا، رئيس “تقرير الباشا”، وهي شركة استشارات أمنية متخصصة في واشنطن: “لم يبدأوا من الصفر، بل كان لديهم أساس متين”. كما استقطب الحوثيون ضباطا ذوي خبرة وفنيي صواريخ ووحدات عسكرية، أعادوا تنظيمها لاحقا في قوة أكثر تماسكا.

نجاح الحوثيين لا يعكس فقط تطور أسلحتهم المتزايد، بل أيضا تفوقهم التنظيمي وضعف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا والمدعومة من السعودية

وقدم الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني التدريب والخبرات الفنية، بينما سافر جيل من المتخصصين الحوثيين لاحقا إلى إيران لتعزيز قدراتهم، لا سيما في مجال الصواريخ المضادة للسفن والزوارق المسيرة، التي استخدمت ضد الملاحة في البحر الأحمر.

وقال الباشا إن الحوثيين باتوا قادرين على تصنيع طائراتهم المسيرة الهجومية “صماد” بشكل مستقل إلى حد كبير، باستخدام الألياف الضوئية المنتجة محليا ومكونات تجارية، كثير منها مستورد من الصين.

وأضاف أن الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الأكثر تطورا لا تزال تعتمد بشكل كبير على المكونات والتكنولوجيا الإيرانية. وتشمل ترسانتهم صاروخ “فلسطين-2” الباليستي، الذي يصفه الحوثيون بأنه فرط صوتي، والذي قال الباشا إنه مشتق من عائلة صواريخ “فتح” الباليستية الإيرانية؛ وصاروخ “آصف” الباليستي المضاد للسفن بعيد المدى؛ وصواريخ “قدس” المجنحة.

كما يمتلكون صواريخ مضادة للطائرات من طراز 358، مصممة إيرانيا، وهي صواريخ هجينة مضادة للطائرات، أسقطت طائرات استطلاع أمريكية وإسرائيلية بدون طيار، بالإضافة إلى زوارق مسيرة محملة بالمتفجرات قادرة على مهاجمة السفن التجارية.

وفشلت الضربات الجوية المكثفة التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل إلى حد كبير في إضعاف القدرات الصاروخية للحوثيين. وفي كانون الثاني/يناير 2024، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا غارات جوية على منصات إطلاق صواريخ الحوثيين ومنشآت الرادار ومواقع تخزين الأسلحة وذلك في أعقاب حملة الحوثيين ضد الملاحة التجارية في البحر الأحمر.

وشنت إسرائيل موجات منفصلة من الغارات الجوية على الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون منذ تموز/يوليو 2024. ولكن على الرغم من هذه الغارات، يبدو أن الحوثيين احتفظوا بقدرتهم على شن هجمات صاروخية متطورة: ففي 4 أيار/مايو 2025، وبعد أيام من إعلان البنتاغون استهدافه 1000 هدف في اليمن منذ منتصف آذار/مارس، سقط صاروخ حوثي بالقرب من محيط مطار بن غوريون في تل أبيب. وبينما يعتمد الحوثيون بشكل كبير على إيران في مجال خبرتهم الصاروخية، فقد بدأوا على ما يبدو بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي. ووفقا لتقرير أمني نشرته شركة “أنثروبيك”، حاول مستخدمون في شمال اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين استغلال نموذج الذكاء الاصطناعي “كلود” لتطوير وتحسين أنظمة صاروخية متطورة.

وقد تجلى تطورهم المتزايد في سقوط ميناء المخا على البحر الأحمر، بوابة مضيق باب المندب من الجانب اليمني، حيث انهارت القوات الموالية لطارق صالح، عضو المجلس القيادي الرئاسي اليمني وابن شقيق الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في غضون أيام.

وعلق المسلمي من “تشاتام هاوس” قائلا إن الحوثيين جمعوا بين جمع المعلومات الاستخباراتية واختراق الاتصالات والتنسيق الفعال في ساحة المعركة، مما مكنهم من سحق خصومهم، بدعم من مستشاري الحرس الثوري الإيراني. وأضاف أن لديهم مخزونا من قذائف المدفعية يفوق بكثير مخزون خصومهم.

ويرى وولف-كريستيان بايس، الباحث المشارك في “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية” والعضو السابق في فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، أن نقاط “ضعف القوات الحكومية أهم من أسلحة الحوثيين”.

بينما يعتمد الحوثيون بشكل كبير على إيران في مجال خبرتهم الصاروخية، فقد بدأوا على ما يبدو بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي

فمن ناحية، دأب قادة الحكومة على تضخيم أعداد القوات عبر “جنود وهميين” مسجلين في قوائم الرواتب لكنهم غائبون عن ساحة المعركة، في حين أن الرواتب غالبا ما تتأخر أو تحول من قبل كبار الضباط.

ومن ناحية أخرى، قال عدد من المحللين إن الحوثيين يمتلكون قادة أكثر تدريبا وحافزا أقوى ومشروعا سياسيا متماسكا. وأضاف بايس: “إن النجاحات الأخيرة التي شهدناها في الأسابيع الأربعة الماضية لا ترتبط كثيرا بامتلاك معدات عسكرية متطورة، بل بضعف الطرف الآخر”. وقال بايس إن السيطرة على المخا ستضعف أيضا القوات الحكومية التي أصبحت أكثر فعالية في اعتراض شحنات الأسلحة المتجهة إلى مناطق الحوثيين. والأهم من كل هذا وتكتيكيا، هو الاستيلاء على جزيرة بريم والأراضي المتاخمة لمضيق باب المندب.

وقال إن هذا التقدم سيسهل على الحوثيين إطلاق زوارق مسيرة مفخخة ضد السفن العابرة، على الرغم من أن صواريخهم الباليستية وصواريخ كروز المضادة للسفن قادرة بالفعل على الوصول إلى أهداف بحرية من مواقع إطلاق داخلية. وأضاف: “السيطرة على هذه الجزيرة مهمة للغاية. ففي حالة الزوارق المسيرة، تعد المسافة عاملا حاسما، وإذا تمكنوا من الحفاظ على هذا الموطئ، فسيسهل عليهم تهديد الملاحة البحرية”.

كما توسعت علاقات الجماعة الخارجية لتشمل مناطق أخرى غير إيران. وتشير التقارير إلى أن روسيا زودت الحوثيين بمعلومات استخباراتية لتحديد أهداف صواريخهم، إلا أنه لم يتسن تأكيد هذا. كما أصبحت المصانع الصينية موردا مهما للإلكترونيات ذات الاستخدام المزدوج والمكونات الصناعية المستخدمة في تصنيع أسلحة الحوثيين، مع أن الخبراء يحذرون من العثور بانتظام على مكونات من دول أخرى.

وأوضح بايس أنه على الرغم من التفوق العسكري الظاهر للجماعة، فإن هذا لا يعني أن هدفها هو السيطرة على اليمن بأكمله، حيث لا تزال تحظى بشعبية متدنية للغاية في الجنوب.

إلا أن توسعها بمنطقة البحر الأحمر وقدرتها على إلحاق الضرر بأكبر منتج للنفط في العالم منحت الحوثيين القدرة على أن يكونوا تهديدا عالميا، حتى من جبال اليمن النائية.