بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

3000 ميغاواط من قطر... هل تنتهي عتمة لبنان أم تبدأ لعبة المليارات؟

3000 ميغاواط من قطر... هل تنتهي عتمة لبنان أم تبدأ لعبة المليارات؟

بعد سنوات من العتمة والوعود التي استنزفت مليارات الدولارات من أموال اللبنانيين، يعود ملف الكهرباء إلى الواجهة من البوابة القطرية، مع الإعلان عن مشروع استثماري ضخم قد يقلب معادلة الطاقة في لبنان، وينهي تدريجياً هيمنة المولدات الخاصة. لكن خلف الأرقام الكبيرة والتفاؤل الرسمي، تبرز أسئلة أساسية: من سيدفع؟ ومن سيشغّل؟ وكم ستبلغ كلفة الكهرباء على المواطنين؟

المبادرة التي أُعلنت خلال زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت، تتجاوز إطار المساعدات التقليدية، إذ تقوم على استثمارات في إنتاج الكهرباء والبنية التحتية، من خلال شراكة تضم "قطر للطاقة" وشركة "توتال إنرجيز" الفرنسية، تبدأ بمشروع للطاقة الشمسية، مع البحث في مشاريع إضافية وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT).

وبحسب التصور المتداول، قد تبدأ المرحلة الأولى بتأمين 300 ميغاواط عبر سوريا خلال الأشهر الستة الأولى، لترتفع القدرة إلى 2000 ميغاواط خلال سنتين، وصولاً إلى 3000 ميغاواط خلال ثلاث سنوات عبر مشاريع داخل لبنان. وهي أرقام ضخمة مقارنة بواقع التغذية الحالي، لكنها تبقى تقديرات مرتبطة بخطة لم تُنشر عقودها النهائية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها إنتاجاً مضموناً أو مواعيد تنفيذ محسومة.

وتشمل الطروحات أيضاً الاستفادة من خطوط الكهرباء والغاز العابرة للأراضي السورية، وإعادة تفعيل البنية التحتية المرتبطة بمعمل دير عمار، ما يمنح المشروع بعداً إقليمياً يتجاوز إنشاء محطات جديدة. غير أن هذا المسار يظل مرتبطاً بعوامل تقنية وأمنية وسياسية، فضلاً عن الاتفاقات العابرة للحدود ومخاطر العقوبات واستمرارية الإمدادات.

أما النقطة الأكثر حساسية، فتتعلق بتأكيد رئيس الحكومة نواف سلام أن المشروع لن يرتب كلفة استثمارية مسبقة على الخزينة اللبنانية. فهذه الصيغة، على أهميتها، لا تعني أن الكهرباء ستكون مجانية، أو أن الدولة لن تتحمل التزامات مالية مستقبلية.

ففي مشاريع BOT، يستعيد المستثمر كلفة الإنشاء والتشغيل ويحقق أرباحه عبر العقد، ما يطرح السؤال الأهم: بأي سعر ستشتري مؤسسة كهرباء لبنان الطاقة المنتجة؟ وما مدة الاتفاق؟ وهل ستُمنح الشركات ضمانات مالية أو التزامات بشراء كميات محددة من الكهرباء؟

هذه التفاصيل هي التي ستحدد ما إذا كان المشروع سيخفف فعلياً الأعباء عن اللبنانيين، أم سينقل الكلفة من مرحلة إنشاء المعامل إلى فواتير الكهرباء والالتزامات الحكومية لسنوات طويلة.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل الأزمة الفورية التي يعانيها القطاع، من نقص التمويل لشراء الفيول إلى مستحقات الإدارات العامة ومشكلات الجباية والهدر. فالمشروع الاستثماري، مهما بلغت ضخامته، لن يؤمّن حلاً سريعاً لأزمة تحتاج إلى معالجات عاجلة، خصوصاً أن بناء محطات جديدة لا يكفي وحده ما لم تتوافر شبكة قادرة على نقل الكهرباء وتوزيعها بصورة مستقرة.

وفي حال نجاح المبادرة، فإن انعكاساتها قد تتجاوز زيادة ساعات التغذية، لتطال سوق المولدات الخاصة التي أصبحت عبئاً مالياً على الأسر والمؤسسات، فضلاً عن خفض استهلاك المازوت وكلفة الإنتاج في القطاعات الصناعية والتجارية والسياحية. لكن هذا التحول يبقى مشروطاً بتعرفة تنافسية وقدرة فعلية على إيصال الكهرباء إلى المشتركين.

سياسياً واقتصادياً، يعكس دخول قطر على خط الكهرباء انتقالاً من سياسة الدعم والمساعدات إلى الاستثمار الطويل الأمد، ويمنح لبنان فرصة لاستقطاب شركات دولية إلى قطاع فقد ثقة المستثمرين. إلا أن التجارب السابقة تفرض الحذر، خصوصاً أن مشكلة الكهرباء اللبنانية لم تكن دائماً في غياب التمويل، بل في سوء الإدارة والهدر وغياب المحاسبة.

ومن هنا، فإن الامتحان الحقيقي للحكومة يبدأ بنشر الاتفاقات وتحديد الكلفة والتعرفة ومواعيد التنفيذ، وتوضيح دور مؤسسة كهرباء لبنان والجهات الرقابية، بما يضمن ألا يتحول المشروع إلى التزام مالي جديد يضاف إلى إرث القطاع الثقيل.

المبادرة القطرية قد تكون فرصة فعلية لإخراج لبنان من العتمة، لكنها لن تُقاس بعدد الميغاواطات المعلنة ولا بأسماء الشركات الكبرى، بل بالكهرباء التي ستصل إلى المنازل وبالفاتورة التي سيدفعها المواطن.

فبعد مليارات أُنفقت ووعود لم تتحقق، لم يعد اللبنانيون يسألون عن حجم المشاريع، بل عن موعد وصول الكهرباء وسعرها... ومن سيحاسَب إذا بقيت العتمة؟