سبتة: عندما وصلت فاطنة، الحامل في الشهور الأخيرة، وابنها ذو الاحتياجات الخاصة إلى جيب سبتة الإسباني في شمال أفريقيا خلال عبور جماعي فوضوي للحدود يوم 30 يوليو/ تموز، كانت تأمل في أن تكون على رأس قائمة السلطات لتلقي المساعدة.
وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة أشهر، ومع معاناة رضيعتها من مشاكل في الكلى، تحتاج فاطنة (21 عاما) وأسرتها بشكل عاجل إلى الوصول إلى البر الرئيسي الإسباني لتلقي العلاج في مستشفى متخصص.
ومع ذلك، فإن السفر في أثناء مراجعة طلب لجوئها يتطلب تصريحا تتردد حكومة الحزب الاشتراكي الإسبانية – المعروفة بأنها من أشد المدافعين عن الهجرة – في منحه لأي من آلاف المهاجرين المتبقين في سبتة.
ولا يزال بعضهم منتشرين في الشوارع أو مختبئين في تلال الجيب الساحلي الصغير البالغ مساحته 20 كيلومترا مربعا على الحدود الشمالية الشرقية للمغرب.
وتتعرض حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز لضغوط من الاتحاد الأوروبي وشعب يتزايد استياؤه من أجل حل الأزمة، وستخوض انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني.
وتعمل الحكومة على إجراءات مختصرة للبت في طلبات اللجوء بهدف إعادة معظم اللاجئين إلى ديارهم، وخاصة إلى المغرب، على أساس كونهم مهاجرين لظروف اقتصادية وليسوا طالبي لجوء حقيقيين.
وتخشى المنظمات غير الحكومية أن ينطوي ذلك على خطر انتهاك حقوق المهاجرين.
وقال سانشيز، أحد القادة اليساريين القلائل المتبقين في أوروبا، قبل أيام إن إسبانيا تتعامل مع تدفق اللاجئين “بمسؤولية وبشعور من التضامن واحترام حقوق المهاجرين”.
لكن أكثر من 20 مقابلة مع مهاجرين ومحامين ومنظمات غير حكومية وأفراد من قوات الأمن كشفت أن الكثير ممن بقوا لديهم أسباب واضحة للجوء أو الحماية الإنسانية: من قاصرين غير مصحوبين بذويهم إلى مغاربة من مجتمع الميم يخشون السجن إذا تم ترحيلهم، وأسر مثل عائلة فاطنة التي تعد من الفئات المعرضة للخطر بموجب قانون الاتحاد الأوروبي.
وفي الأسبوع الماضي، قدمت ثماني منظمات من بينها أوكسفام والعفو الدولية شكوى إلى أمين المظالم الإسباني، تتحدث عن وقوع “انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان” في جيب سبتة الصغير. وشملت هذه الانتهاكات الإعادة القسرية للمهاجرين من بلدان تشهد صراعات ومنع توفير مترجمين فوريين ومساعدة قانونية.
وقال ويندل سواريس منسق مركز سان أنطونيو الكاثوليكي لاستقبال المهاجرين: “هناك أشخاص سيكونون في خطر هائل حقا إذا أعيدوا إلى المغرب”.
واستقبل المركز أسرة فاطنة والعشرات ممن يعدون من الأشخاص المعرضين للخطر، وهو عدد يتجاوز بكثير طاقته الاستيعابية المعتادة البالغة سبعة أشخاص.
وقال: “عندما تستخدم كلمة ’مهاجر‘، فإنها تخلق صورة جماعية وكأنهم جميعا متشابهون. لكل شخص قصته الخاصة”.
ترحيل بلا تفسير
لدى أحزاب اليمين واليمين المتطرف الإسبانية بالفعل شعور بالغضب من حكومة سانشيز لمنحها وضعا قانونيا لما يقرب من مليون مهاجر غير نظامي في وقت سابق من العام. ووصفت هذه الأحزاب عبور المهاجرين في يوليو/ تموز بأنه غزو متعمد من جانب المغرب وطالبت بإعادة جميع المهاجرين، فيما نفى المغرب هذا الاتهام.
وعلى الرغم من وجود خطط لإجراء جديد على مستوى الاتحاد الأوروبي يتيح تسريع عمليات الترحيل في حالات الطوارئ المستقبلية، فإن القواعد الحالية تتطلب تقييم المهاجرين، كل حالة على حدة.
ومعظم هؤلاء المهاجرين من المغرب، غير أن الإحصاءات الحكومية قدرت في أغسطس/ آب أن أكثر من ألف من المهاجرين المتبقين هم من دول منطقة أفريقيا جنوب الصحراء التي يحصل مواطنوها على اللجوء في أكثر من 90 بالمئة من الحالات في إسبانيا.
ويشترط الاتفاق الجديد للاتحاد الأوروبي النظر في الحالات عند مناطق على الحدود لتسريع عمليات الترحيل. لكنه لا يلزم مقدمي طلبات اللجوء بالبقاء في أماكن وصولهم، مما يسمح بنقلهم إلى مناطق حدودية أخرى في إسبانيا، وهو من شأنه تخفيف الضغط على جيب سبتة حيث يعيش 84 ألف نسمة، والذي يعد الحدود البرية الوحيدة لأوروبا مع أفريقيا.
وقال خوان ميغيل موراليس المدير العام لمنظمة سور أكوخيه غير الحكومية ويعني اسمها “الجنوب يرحب”، إنه إذا كان من المقرر تقييم حالات المهاجرين المعرضين للخطر على نحو سليم، فإن عمليات النقل هذه هي “الخيار الوحيد”.
وفي حين نُقل 262 قاصرا إلى البر الرئيسي الإسباني منذ العبور الجماعي في يوليو/ تموز، فإن استراتيجية الحكومة بالنسبة للبالغين المتبقين هي إقناع أكبر عدد ممكن منهم بالعودة طواعية.
وقالت الحكومة الأسبوع الماضي إن 12 ألفا اختاروا العودة منذ منتصف أغسطس/ آب.
وقال وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا: “لا توجد عمليات ترحيل سرية تحت أي ظرف”، واصفا عمليات العودة بأنها طوعية. وأضاف أن السلطات تلقت ما يصل إلى 1200 طلب لجوء تم البت في 700 منها.
ومع ذلك، قالت تسع منظمات غير حكومية على الأقل في تعليقات علنية أو مقابلات صحافية إن المهاجرين الذين تدعمهم أجبروا على العودة.
وذكرت جمعية إيلين، في الشكوى المقدمة إلى أمين المظالم، أن الشرطة استدعت مهاجرين من السودان وتشاد يومي 24 و25 سبتمبر/ أيلول ورحلتهم دون سابق إنذار.
وفي رسائل نصية، قال المهاجر المغربي أزهر الشاوني للمتطوعين في منظمة (ميشين لايف لاين) الألمانية غير الحكومية إنه وغيره من المهاجرين واجهوا المصير نفسه، بعدما وضعتهم الشرطة في حافلات انطلقت من مخيمات مؤقتة على الشاطئ وأبلغتهم بأنهم سينقلون إلى مراكز استقبال.
وكتب الشاوني قائلا: “رحلونا بلا تفسير”، مشيرا إلى أنه في المغرب.
وقال أندريا دي بيتريس، خبير شؤون الهجرة في مركز (سي.إي.بي.إن) للدراسات في بروكسل إن تصنيف المغرب “بلد منشأ آمنا” بموجب قواعد الاتحاد الأوروبي لا يسلب مواطنيه الحق في التقدم بطلب لجوء.
وأردف دي بيتريس يقول: “ينبغي ضمان حصول كل فرد على تقييم محدد لظروفه الشخصية”. ويقدر أن الإجراء سيكون حتما “طويلا ومكلفا”.
وأثارت قصص اختفاء آخرين الخوف في قلب ريان، الشاب المغربي من مجتمع الميم البالغ من العمر 19 عاما، والذي ينتظر ردا على طلب لجوئه في مركز سان أنطونيو لاستقبال المهاجرين.
وقال: “لا أستطيع حتى أن أتخيل نفسي أعود إلى المغرب. سأقتل نفسي قبل أن أعبر الحدود”.
اتفاقية تحت الاختبار
يقول عاملون في الخطوط الأمامية ومنظمات غير حكومية على الأرض إن الوضع في سبتة أثبت أن المهلة الزمنية البالغة 12 أسبوعا المحددة في اتفاقية الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة لمعالجة طلبات اللجوء غير واقعية، وتوقع سبعة منهم استمرار العملية لأشهر.
وقال ممثل نقابة الشرطة راؤول بييرا إن نقص الموارد بداية من الموظفين إلى أجهزة الكمبيوتر العاملة أدى إلى تسجيل 100 حالة فقط للمهاجرين يوميا حتى 14 أكتوبر/ تشرين الأول.
وتقدر النقابة أن ما يقرب من 7000 إلى 8000 مهاجر آخرين ما زالوا متفرقين في أنحاء المدينة، ينامون في العراء أو يتكدسون في مرافق توفرها الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني لسد الفجوة الناتجة عن الخدمات الاجتماعية المنهكة في سبتة.
وقال بييرا: “بالنظر إلى حجم العمل المتبقي، سيستمر هذا الوضع حتى الصيف المقبل”.
وأحجمت الحكومة الإسبانية عن التعليق على تقديرات المهاجرين غير المسجلين، وقال وزير السياسة الإقليمية أنخيل فيكتور توريس للصحافيين في 14 أكتوبر/ تشرين الأول إنه من المستحيل معرفة عدد المختبئين.
وقال إنريكي روبيرالتا رئيس نقابة الأطباء إن العاملين في مستشفى سبتة الوحيد يعالجون المهاجرين من الجرب والسل والتهابات الجهاز الهضمي الناجمة عن قضاء فترات طويلة في العراء. وأنجبت سبع نساء على الأقل.
وتتمنى فاطنة وزوجها محمد البقاء في إسبانيا خوفا على طفلتهما الرضيعة، ويخشيان موت ابنهما المعاق البالغ من العمر ثلاث سنوات إذا عادوا إلى المغرب. وقال محمد: “نبذل كل ما في وسعنا من أجل ابننا”.
(رويترز)
