نشرت مجلة “نيوزويك” تحليلا أعده توم أوكونور قال فيه إن شبح ليبيا يحوم اليوم فوق حرب البيت الأبيض ضد إيران.
ففي الوقت الذي يواجه فيه دونالد ترامب حربه في إيران، فإن تدخلا أمريكيا قبل 15 عاما، ومقتل الزعيم الليبي معمر القذافي في تشرين الأول/أكتوبر 2011 على يد المتمردين المدعومين من الناتو، وما أعقب ذلك من فوضى وزيادة الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، والهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي، كلها عوامل أسهمت في صعود ترامب السياسي وانتخابه رئيسا بعد خمسة أعوام.
لكن أخطاء السياسة الأمريكية تجاه ليبيا، التي وصفها الرئيس باراك أوباما عام 2016 بأنها “أسوأ خطأ” في رئاسته، باتت اليوم مهددة بأن تتضاءل أمام مأزق أكبر يواجهه ترامب الذي عارض عمليات تغيير الأنظمة المكلفة في الخارج.
ويقول جيسون باك، مقدم بودكاست “ديس أوردر” والمستشار الجيوسياسي الذي قدم المشورة لإدارة أوباما خلال ثورة 2011 في ليبيا، لـ”نيوزويك”: “يكمن هذا الخطأ في أن هذه الحرب لا مثيل لها في التاريخ الأمريكي، بل وفي التاريخ العالمي”.
ففي ليبيا، ظهرت حدود القوة الجوية الأمريكية بسبب عجزها وعدم رغبتها في التأثير بشكل شامل على مجريات الأحداث على الأرض بعد انهيار حكم القذافي الذي دام أربعة عقود وتحوله إلى تمرد مسلح.
أما في إيران، فلا توجد قوة معارضة مماثلة على الأرض، ولم ينشق كبار المسؤولين العسكريين عن الجمهورية الإسلامية.
وقال باك: “من الواضح أننا في عام 2011 كنا ندعم انتفاضة مسلحة قوامها ملايين الأشخاص، من بينهم 10,000 مقاتل، وقمنا بتوفير القوات الجوية وفرض منطقة حظر طيران، وأسقطنا طائرات القذافي، وضربنا رتل دبابات”، مضيفا: “بما أن الحرب على إيران لم تكن منسقة ولم تقد إلى اندلاع انتفاضة إيرانية جديدة، فقد كانت محاولةً لفعل شيء لم يخطر ببال أحد قط أن يفعله باستخدام القوة الجوية وحدها، ألا وهو الإطاحة بنظام” وهو “أمر لا معنى له”.
وللمفارقة أن ترامب الذي كان شخصية معروفة، عندما اندلعت الثورة الليبية، حث الولايات المتحدة على التحرك “بسرعة” والقيام بعملية “جراحية” لإزاحة القذافي في شباط/فبراير 2011.
وبحلول نيسان/أبريل، بدأ الرئيس الأمريكي المستقبلي يشكك فيما اعتبره تنازلا من أوباما عن صلاحيات اتخاذ القرارات الرئيسية المتعلقة بعملية الناتو للحلفاء، وبخاصة فرنسا.
كما حذر ترامب آنذاك قائلا إننا “إذا تخلصنا من القذافي، فسنواجه وضعا أسوأ”.
وهو تحذير كرره ترامب قبل فترة في معرض اعترافه بأسوأ سيناريو محتمل في إيران، حيث تم استبدال المرشد الأعلى الذي قتل بداية الحرب، آية الله علي خامنئي، سريعا بابنه الذي يحتمل أن يكون أكثر تشددا، ومجموعة قوية وراسخة من مسؤولي الحرس الثوري الإسلامي.
وقد ثبتت صحة تصريحات ترامب آنذاك لسبب آخر، فبينما احتفت وزيرة الخارجية آنذاك، هيلاري كلينتون، بموت القذافي المروع مرددة “جئت، رأيت، قتل”، في ترداد واضح لكلام يوليوس قيصر: “جئت رأيت وغزوت”، رأى ترامب “كارثة” تتكشف بعد الإطاحة بزعيم كان على الأقل “يسيطر على البلاد”.
وشكل هجوم سبتمبر/أيلول 2012 الذي شنه مسلحون إسلاميون على المجمع الدبلوماسي الأمريكي في بنغازي والذي أسفر عن مقتل 10 أشخاص، من بينهم السفير كريستوفر ستيفنز، حلقةً مقلقةً للغاية لإدارة أوباما. وأثار رد الفعل العنيف تحقيقات أدت في نهاية المطاف إلى جدل جديد تماما في شكل تحقيق رسمي في استخدام وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون لخادم بريد إلكتروني خاص في المراسلات الرسمية.
وكانت الفضيحة مادة جيدة لترامب في هجماته على كلينتون. ثم تحدى التوقعات ليصبح مرشح الحزب الجمهوري وانتصر على منافسته الديمقراطية الأوفر حظا في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2016. وأرجع باك، مؤلف كتاب “ليبيا والاضطراب العالمي المستمر”، الصدمة التي أحدثتها نتائج الانتخابات، وما رافقها من ظهور موجة شعبوية جديدة في الغرب، إلى اتجاهات نشأت في أعقاب الإطاحة بالقذافي.
وقال باك: “كانت هذه الأخطاء في ليبيا مسؤولةً بالكامل عن التداعيات التي أدت إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ووصول ترامب إلى السلطة. وما كان لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ودونالد ترامب أن يحدثا لولا الربيع العربي، لأن شبح الهجرة في أوروبا هو ما جعل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ممكنا”.
وفي الوقت نفسه، سلط نائب الرئيس جيه دي فانس الضوء على التداعيات الهائلة لما وصفه بأنه “قرار غبي للغاية” من جانب إدارة أوباما للإطاحة بالقذافي.
وقال فانس أثناء مشاركته في برنامج “تجربة جو روغان” في تموز/يوليو: “ماذا حدث؟ تحولت ليبيا فعليا إلى دولة فاشلة، لقد شهدنا أزمة لاجئين وتدفق الناس إلى أوروبا وإلى أجزاء أخرى من آسيا وأفريقيا ونتج عن ذلك الكثير من العنف والإرهاب”. وأضاف أن هذا السيناريو هو ما يسعى البيت الأبيض لتجنبه في الصراع الحالي، حتى وإن كان يعتقد أن “هناك من يرغب في أن يكون هذا هو مصير إيران”.
وتساءل فانس: “كيف تصب في مصلحة الولايات المتحدة أن يتدفق 94 مليون شخص يائس إلى أوروبا، ثم إلى الولايات المتحدة؟ كيف يمكن أن تنشأ بنية تحتية إرهابية عندما يتم تأجيج الإرهابيين في جميع أنحاء العالم؟”. وتابع: “لقد خضنا هذه التجربة من قبل، ولذا فإن سياستنا الآن هي فتح المضائق وضمان التدفق الحر للنفط والغاز، ومن البديهي أننا نريد منع الإيرانيين من امتلاك برنامج أسلحة نووية وسنستخدم أدوات الدبلوماسية والقوة العسكرية لتحقيق ذلك”.
وفي هذا الإطار، عادة ما استشهد منتقدو الحرب الأمريكية على إيران، بمن فيهم عدد من المسؤولين الإيرانيين، بتجربة ليبيا كدرس تحذيري من عواقب المغامرات الأمريكية في الخارج، مع أن التجربتين مختلفتان تماما. فالدولتان لا تختلفان اختلافا شاسعا في التاريخ والثقافة والحكم والقوة فحسب، بل أيضا في طريقة تدخل واشنطن.
فقد نسقت الضربات الأمريكية على ليبيا مع حلفائها، وحصلت على موافقة مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي، بينما شنت الحرب على إيران بالتنسيق مع إسرائيل وحدها، في مواجهة معارضة صريحة من شركاء إقليميين آخرين، ودون أي تفويض دولي. وقال فرانك تالبوت، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، والذي قدم المشورة بشأن السياسة الليبية، ويشغل حاليا منصب زميل أول غير مقيم في برنامج شمال أفريقيا التابع للمجلس الأطلنطي، لـ”نيوزويك”: “كان التدخل في عام 2011 مبررا، لكن التحالف الذي يقف وراءه لم يكن متفقا تماما على ما يجب فعله بعد القذافي، وكان بإمكان واشنطن على الأرجح بذل المزيد لإدارة هذا الوضع” وقد “أدت هذه التباينات إلى تفاقم الانقسامات في ليبيا، حيث دعم الشركاء الدوليون مختلف الأطراف الليبية على الأرض”.
ولا تزال ليبيا اليوم منقسمة بين حكومتين متنافستين. واحدة في طرابلس، وثانية في بنغازي.
وقال تالبوت إنه إذا كانت هناك دروس مستفادة من الحرب الحالية مع إيران، فستكون أن “القوة الجوية يمكن أن تكون فعالة في إضعاف الخصم أو إسقاط حكومة، لكن ليبيا تظهر أنها لا تعني بصمات خفيفة أو خروجا سهلا”.
ويرى تالبوت أن ما كان يجب عمله بعد الحملة الجوية: هو انخراط دبلوماسي مستمر ومساعدة أمنية متكررة، لضمان الاستقرار ومنع الفراغات السياسية التي قد تنشأ.
وجادل كريستوفر تشيفيس، المسؤول الاستخباراتي الأمريكي السابق الذي يشغل حاليا منصب زميل أول ومدير برنامج السياسة الأمريكية في وقفية كارنيغي للسلام الدولي، بأن استراتيجية أوباما “الذكية” في دخول الصراع الليبي بالتنسيق مع الحلفاء، مثلت “حالة مبكرة دفعت فيها الولايات المتحدة حلفاءها لتقاسم عبء توفير أمنهم، تماماً كما فعل ترامب لاحقا وبشكل أكثر حزما”. ومع ذلك، زعم أن النكسات الحالية هذه المرة قد تكون أكثر خطورة.
وقال تشيفيس: “تظهر ليبيا الحدود الحقيقية للقوة الجوية، التي لم تستطع تحقيق الاستقرار في ليبيا أو إنهاء حربها الأهلية. كما أنها تفشل في إيران، وبتكلفة باهظة على أمريكا” و”لكن حتى مع وجود أعداد كبيرة من القوات البرية، فإن إيران أكبر بكثير ولديها الكثير من الحلفاء الأقوياء بحيث لا تستطيع الولايات المتحدة غزوها واحتلالها وتحقيق الاستقرار فيها والسيطرة عليها، والقيادة الإيرانية تدرك ذلك”.
وأشارت المجلة إلى تداعيات حرب ليبيا المستمرة حتى الآن، في منطقة الساحل مثلا التي تحولت إلى أهم بؤرة للجماعات المسلحة في العالم، بما فيها تلك المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة.
وقال بوبكر با، الباحث المقيم في مالي بمركز تحليل الحوكمة والأمن في منطقة الساحل، إن انهيار ليبيا بقيادة القذافي كان له “أثر بالغ الأهمية” على الوضع الأمني في المنطقة، لا سيما مع توجه الطوارق، ذوي الخبرة في القتال إلى جانب الموالين للقذافي، إلى مناطق أخرى. و
أضاف لـ”نيوزويك”: “إذا نظرنا اليوم، سنجد أن بعض المسؤولين عن جبهة تحرير أزواد، بعضهم من ليبيا. وقد لعبوا دورا في الجيش الليبي، ويرغبون في تصدير الرؤية والثورة التي استقوها من معمر القذافي إلى شمال مالي”.
في غضون ذلك، كثفت روسيا جهودها لتحدّي الولايات المتحدة في سوريا وليبيا، ووسعت نفوذها الأمني في منطقة الساحل وأجزاء أخرى من أفريقيا. ومنذ أن شنت الولايات المتحدة حربها ضد إيران، أشارت التقارير إلى أن موسكو زودت طهران بقدرات استخباراتية واستطلاعية مكنت الجمهورية الإسلامية من إلحاق دمار بالقواعد الأمريكية في المنطقة بدقة أكبر.
وإذا كان إرث التدخل في ليبيا قد غذى الشكوك القائمة حول الثقة العالمية في التدخل الأمريكي بعد غزو العراق عام 2003، فقد جادل باك بأن تداعيات الصراع الإيراني ستكون غير مسبوقة في العصر الحديث، تماما كما هو الحال مع الأسلوب الفريد الذي اختاره ترامب لخوض الحرب.
