أعلن حزب “فرنسا الأبية” (LFI)، الثلاثاء، عزمه ملاحقة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز أمام محكمة العدل الجمهورية، على خلفية تحقيق نشره موقع “ميديابارت” الاستقصائي، كشف عن اتهامات بتوجيه تعليمات إلى أجهزة الاستخبارات لتحميل الحزب مسؤولية أعمال العنف والتخريب التي شهدتها فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وقال المنسق الوطني للحزب مانويل بومبار، إنه سيلجأ إلى محكمة العدل الجمهورية لمقاضاة الوزير، معتبراً أن اختلاق وثائق مزيفة وإصدار تعليمات تتجاوز الصلاحيات القانونية يشكلان أفعالاً قد ترقى إلى جرائم يعاقب عليها القانون.
وأضاف بومبار أن التلاعب بعمل أجهزة الاستخبارات بهدف استهداف حزب “فرنسا الأبية” وتحميله مسؤولية أعمال لا علاقة له بها، “أمر غير مقبول على الإطلاق”.
وجاء ذلك عقب تحقيق نشره موقع “ميديابارت” مساء الاثنين، تحت عنوان: “يطلبون منا أن نكتب أن فرنسا الأبية تقف وراء الحراك الاحتجاجي: كيف صُنع كبش فداء حول أحداث 17 أكتوبر”، كشف عن اتهامات بتوجيه الاستخبارات لتحميل الحزب المسؤولية.
وكشف التحقيق عن رسالة كتبها مفوض يعمل في جهاز الاستخبارات الفرنسية، بتاريخ 18 أكتوبر/تشرين الأول، عبّر فيها عن استيائه من تعليمات قال إنها طُلبت من الجهاز. ونقل الموقع عن المفوض قوله في رسالة موجّهة إلى زملائه: “هناك أمور لا يمكن قولها، لكن عندما يطلب منا حرفياً أن نكتب أن حزب فرنسا الأبية هو الذي يقف وراء الحركة، في حين أن ذلك خاطئ موضوعياً وفق الرأي العام داخل أجهزة الاستخبارات، فمن الواضح أن هناك قرارات سياسية”.
وتثير هذه الشهادة، وفق التحقيق، تساؤلات بشأن احتمال تدخل سياسي في عمل أجهزة الاستخبارات، بهدف ربط الحزب بالاضطرابات التي شهدتها البلاد. لكن وزير الداخلية نفى تقديم تعليمات من هذا النوع، بحسب ما نقل “ميديابارت” عن الوزارة.
كما أشار تحقيق “ميديابارت” إلى وجود تباين بين تصريحات المسؤولين الحكوميين والتقييمات القضائية بشأن هوية المتورطين في أعمال العنف التي شهدتها باريس السبت 17 أكتوبر.
ففي مقابلة تلفزيونية صباح الاثنين، قالت المدعية العامة في باريس، لور بيكّو، إنها لا تستطيع تأكيد أن مرتكبي أعمال العنف ينتمون سياسياً إلى اليسار المتطرف. وأضافت أن غالبية الأشخاص الذين وُضعوا قيد الحراسة النظرية كانوا غير معروفين إلى حد كبير، وأنهم التزموا الصمت ولم يعلنوا عن دوافع أو مطالب سياسية.
وتتعارض هذه التصريحات مع مواقف رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ووزير الداخلية لوران نونييز، اللذين أكدا وجود مجموعات من اليسار المتطرف بين المشاركين في الاضطرابات. لكن الحكومة شددت على أن غالبية الموقوفين لم يكونوا بالضرورة من المنتمين إلى تلك المجموعات، وأن عناصر من اليسار المتطرف شاركوا في الأحداث من دون أن يُقبض عليهم.
نقل “ميديابارت” عن مسؤول في إحدى المنظمات النقابية الشرطية استغرابه الاتهامات الموجهة إلى حزب “فرنسا الأبية”، معتبراً أن تحميله مسؤولية ما حدث لا يستند، بحسب تقديره، إلى معطيات ميدانية كافية.
وقال المسؤول إنه لا يرى علاقة واضحة بين الحزب والإخفاق الأمني الذي شهدته باريس، محذراً من تسييس هذا الإخفاق بدلا من تحمّل المسؤولية عنه.
وأضاف أن عناصر اليسار المتطرف لا يمثلون، وفق التقديرات الميدانية التي أشار إليها، سوى نحو 20% من المشاركين في أعمال العنف، مقابل 80% من الأشخاص الذين وصفهم باللصوص، من دون إثبات انتمائهم إلى تيار سياسي معين. وهذه النسب تقديرات للمسؤول النقابي، وليست إحصاءات رسمية مستقلة أكدها تحقيق “ميديابارت”.
كشف التحقيق كذلك عن مذكرة استخباراتية مؤرخة في 15 أكتوبر، تناولت احتمال استغلال اليسار المتطرف لغضب الطلاب وتوسيع نطاق التعبئة الاحتجاجية. وضمت المذكرة أسماء عدد من الشخصيات السياسية، من بينها جان لوك ميلانشون، زعيم حزب “فرنسا الأبية”، وفابيان روسيل، زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي، ومارين تونديلييه، زعيمة حزب الخضر. لكن الموقع الاستقصائي أشار إلى أن بعض العناصر التي استندت إليها المذكرة كانت مستمدة من معلومات منشورة علناً، مثل إعلان أحزاب سياسية دعمها للتحركات الاحتجاجية ومشاركة مسؤولين منتخبين فيها.
وأشارت المذكرة أيضا إلى أن اليسار المتطرف يمتلك شبكة تضم نحو خمسة آلاف ناشط قادرين على تنظيم تحركات تستهدف رموز الدولة والرأسمالية والمؤسسة العسكرية. غير أن التحقيق لم يعرض دليلا يثبت وجود صلة تنظيمية مباشرة بين هذه الشبكة والاضطرابات الأخيرة.
تطرق تحقيق “ميديابارت” أيضاً إلى تقارير استخباراتية سابقة حذرت من احتمال اتساع الاحتجاجات، مشيراً إلى أن المديرية الوطنية للاستخبارات الإقليمية كانت قد نبهت، وفق مصادر أوردها موقع “إنتليجنس أونلاين”، إلى مخاطر تجدد احتجاجات اجتماعية واسعة النطاق. كما انتقد التحقيق مذكرة أخرى أعدتها مديرية الاستخبارات التابعة لشرطة باريس في 28 سبتمبر، واستند إليها رئيس الوزراء في اتهام اليسار المتطرف بالتأثير في التحركات الطلابية.
وكانت صحيفة “لوموند” قد أشارت، وفق ما أورده التحقيق، إلى أن الاستنتاجات المتعلقة بسيطرة اليسار المتطرف على التحركات بدت أوسع من الأدلة المقدمة، لا سيما أن المذكرة استندت إلى أوضاع نحو عشرين مدرسة ثانوية في إقليم سين سان دوني، بينما امتدت الاحتجاجات إلى أكثر من ألف مؤسسة تعليمية في أنحاء فرنسا.
لم تقتصر الانتقادات على أجهزة الشرطة والاستخبارات، بل نقل التحقيق أيضاً مواقف مسؤولين محليين شككوا في تحميل “فرنسا الأبية” مسؤولية أعمال التخريب. ففي باريس، رأى مسؤول محلي أن السؤال الأساسي يتعلق بأسباب عدم توفير عدد كاف من عناصر الشرطة لمواجهة الاضطرابات. وفي مرسيليا، قال أحد رؤساء القطاعات البلدية إن الحزب لا يمتلك، بحسب تقديره، التنظيم الكافي داخل المدينة لتنسيق أعمال التخريب، مضيفاً أنه يعتقد أن الحزب نفسه فوجئ بحجم الأحداث.
واستعاد تحقيق “ميديابارت” أيضاً ما كشفه الموقع عام 2019، خلال احتجاجات “السترات الصفر”، عندما تحدث الرئيس إيمانويل ماكرون عن وجود ما بين 40 ألفاً و50 ألف ناشط متطرف يسعون إلى تدمير مؤسسات الدولة. وبحسب التقارير الاستخباراتية التي أشار إليها الموقع آنذاك، لم تكن التيارات المصنفة ضمن اليمين المتطرف واليسار المتطرف حاضرة بتلك الأعداد داخل المسيرات، بل اقتصر وجودها على بضع مئات من الأفراد.
واعتبر التحقيق أن هذه السابقة تثير تساؤلات متجددة بشأن الفجوة المحتملة بين التقديرات الأمنية الميدانية والخطاب السياسي الرسمي، ولا سيما عندما تُستخدم الاتهامات المتعلقة بالتطرف لتفسير احتجاجات اجتماعية واسعة.
