تجتاح فرنسا منذ حوالي الأسبوعين موجة احتجاجات عارمة تحولت إلى أعمال شغب وتخريب واسعة النطاق طالت عدة مدن كبرى. وبرزت نقاشات حادة حول الهوية الحقيقية لمن يقفون وراء هذه الأحداث. وعلى الفور سارعت أحزاب اليمين القومي المتطرف داخل فرنسا وخارجها إلى تحميل الحكومة والمهاجرين والمقيمين من أصول أجنبية المسؤولية الكاملة عن الأزمة.
وربط اليميني المتطرف جوردان بارديلا زعيم حزب التجمع الوطني الفرنسي، الاحتجاجات بمشكلات الهجرة والأمن، واعتبرها دليلا على فشل السياسات الحكومية الحالية. وعزا جانبا كبيرا من العنف والفوضى التي شهدتها الاحتجاجات إلى عدم اندماج مجموعات من المهاجرين في النسيج الاجتماعي الفرنسي وتفاقم حالة الانفصال الاجتماعي في الأحياء المهمشة.
وانتقد بارديلا حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون ووصف سياساتها بأنها يسارية فشلت في ضبط الحدود، وإدارة الهجرة، والسيطرة على الانفلات الأمني. وطالب بارديلا باعتماد إجراءات وسياسات أكثر صرامة إزاء الهجرة واللجوء، وحماية السكان المحليين من الفرنسيين في المناطق المتأثرة بالاحتجاجات وأعمال الشغب. وفي تصريحات صحفية دعا بارديلا الرئيس ماكرون إلى الاعتذار والاستقالة، متهماً الحكومة بالفشل في حماية المواطنين والنظام العام والتساهل تجاه الجريمة والاندماج.
ورغم إقرار بارديلا بأحقية المطالب الاجتماعية المشروعة لدى فئة من المحتجين، إلا أنه ظل يربط بين مظاهر العنف وفشل سياسات الاندماج والهجرة، مستهدفا بذلك الخطاب القاعدة الانتخابية للتيار اليميني المتطرف التي تضع الأمن والهوية الوطنية والتركيز على مصالح السكان المحليين على رأس أولوياتها التقليدية. واستخدم بارديلا هذه الأحداث لتعزيز موقع حزبه كقوة بديلة قادرة على استعادة الأمن والنظام، وهو الخطاب الذي تبناه الحزب بشكل مكثف وهو يستعد لخوض غمار الانتخابات الرئاسية المنتظرة في العام القادم.
ويستند خطاب بارديلا إلى اعتبار المتظاهرين فئات من المهاجرين والأجانب الجدد فشلوا في الاندماج في المجتمع الفرنسي يحركهم عداء ثقافي للغرب ولا يحملون قيم الجمهورية الفرنسية.
تلت سردية اليمين المتطرف الفرنسي هذه وربط الجريمة والتخريب بملف الهجرة والحدود، تصريحات أدلى بها أقطاب من الحزب الجمهوري الأمريكي وحركة "ماغا"، على رأسهم الرئيس دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس، اللذين وصفا المشاهد المأساوية لحرق بعض المقار الحكومية بـأنها دليل على "فشل سياسات الاندماج والتعايش الثقافي".
وحث الرئيس ترامب فرنسا على إغلاق حدودها. وقال عبر منصته تروث سوشال إن "فرنسا تحترق وهجرة أناس قادمين من عالم مختلف تماما يحملون الكراهية في قلوبهم مزقت ذلك البلد الذي كان عظيما يوما ما". وأضاف: "أغلقوا حدودكم وأحكموا السيطرة قبل فوات الأوان".
وخلال فعالية انتخابية مساء السبت في ولاية كنتاكي الأمريكية قال ترامب ساخرا أمام جمهور من أنصاره إن الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تعد دليلا على هجرة "خارجة عن السيطرة" وما أسماه محاولة من الإسلام "للسيطرة" على البلاد.
