بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

الانتخابات المقبلة… مسألة وجود أو زوال

الانتخابات المقبلة… مسألة وجود أو زوال

كتب هذا المقال بألم شديد. كيهود وكوطنيين إسرائيليين، إسرائيل عزيزة جداً على قلوبنا، فيها تلقينا تعليمنا وتربيتنا، ولا نتخيل العيش في أي مكان آخر. خضنا حروباً وفقدنا أصدقاء، وشهدنا كيف تغيرت البلاد على مر السنين، تتطور وتزدهر اقتصادياً، لكنها في الوقت نفسه، تعاني من أزمات حادة. كان اغتيال رئيس الحكومة إسحق رابين نقطة تحول لنا، لكننا لم نتوقف عن الفكرة الصهيونية وقدرتنا على بناء مجتمع جدير وعادل هنا.

مثل حال كل الإسرائيليي،ن هزت مذبحة 7 أكتوبر قلوبها بعنف. لقد كانت جريمة بشعة بحق الإسرائيليين وكل الإنسانية. وعلى إثرها شنت إسرائيل حرباً مبررة، وكسبت تعاطفاً عالمياً واسعاً.

أما ما حدث منذ ذلك الحين فهو قصة أخرى. فقد استغلت مشاعر الغضب والانتقام إلى أقصى حد من قبل شخص رأى في الحرب فرصة للحفاظ على حكمه والهرب من العدالة. وانضم إليه من يكرهون البشر والكهانيون ومعهم المسيحانيون الذين اتخذوا لأنفسهم اسم “الصهيونية الدينية”، مع أنهم لا يمتون للصهيونية بصلة، ولا وجود لله في قلوبهم. رأى الكهانيون في حرب الانتقام فرصة لإطلاق العنان للعنصرية وكراهية العرب. أما المسيحانيون فقد رأوا في رؤيتهم حرباً دينية أبدية تتيح تحقيق حلم أرض إسرائيل الكاملة، الخالية من العرب، والتي تبشر بقدوم المسيح. كلاهما في جنونهما وخبثهما ساهما في مساعدة أحقر شخص في تاريخ إسرائيل على تدمير كل شيء هنا.

بعد الصدمة الأولية، استمر الهجوم الوحشي على الديمقراطية الإسرائيلية وعلى روح الصهيونية نفسها بكثافة أكبر تحت غطاء الحرب، وانتهكت القيم الأساسية لحرمة الحياة والتضامن وحرمة عائلات الضحايا وحق الأسرى في الخلاص وطهارة السلاح بشكل صارخ. وأدى تعميق التحريض والانقسام إلى شرخ عميق في الشعب، ومشكوك فيه إمكانية رأبه. وتآكلت مكانة إسرائيل الدولية والأخلاقية إلى الحضيض.

وكشف هذا التدهور عن نظام سياسي فاسد تماماً، وعن ضعف بنيوي ومؤسسي في كل الآليات التي يفترض أن تعمل كحراس، بما في ذلك القضاء وأجهزة إنفاذ القانون. يخصص مكان لوسائل الإعلام الرئيسية التي فشل معظمها في أداء دورها كرقيب على الديمقراطية، وطبعت كل شيء، بما في ذلك ترشيح الشخص المسؤول بالدرجة الأولى عن الكارثة، في الانتخابات القادمة لمنصب رئيس الحكومة – وهو الشخص الذي لم يكن ليبقى في منصبه يوماً واحداً في أي دولة ديمقراطية أخرى. وتتحمل وسائل الإعلام “الوطنية” جزءاً كبيراً من اللوم في نشوء وعي زائف، لأنها لم تنقل الواقع لمواطني البلاد بإنصاف، وعززت خطابات التباكي على شاكلة “كل العالم ضدنا” و”الجميع لاساميون”.

كان نضال مئات آلاف المواطنين في وجه العمليات المدمرة بمثابة بصيص أمل في الظلام. مع ذلك، وبصفتنا شركاء في الاحتجاج المدني، بدءاً بأيام المظاهرات في بلفور ومروراً بالاحتجاج على الانقلاب وانتهاء بالنضال من أجل إعادة الرهائن وإنهاء الحرب، يجب أن نقر بأننا رغم النجاحات التكتيكية الكبيرة، فشلنا في نهاية المطاف؛ لأننا لم نتمكن من تغيير الحكومة. وذلك رغم أنه ما كان ليخطر ببال أي عاقل أن الحكومة المسؤولة عن أكبر كارثة في تاريخ البلاد ستكمل ولايتها. إن هذا فشل استراتيجي ذريع.

مع تقدم عملية تدمير إسرائيل، أصبح واضحاً لكثير من المواطنين ما كان واضحاً لنا حتى قبل 7 أكتوبر: إن النية الحقيقية الكامنة وراء “الإصلاح القانوني” ليست تغيير النظام بحد ذاته. وتغيير النظام ليس إلا وسيلة. كان الهدف وما زال، تغيير وجه إسرائيل وصورتها بحيث لا يمكن التعرف عليها. تحويلها من دولة ليبرالية تحكمها القوانين إلى دكتاتورية مع صفات فاشية، حيث تداس الحقوق المدنية وتستبدل بها أوامر دينية؛ ويصبح الفساد والمحسوبية هما القاعدة، ويصبح الإنسان ذئباً على أخيه الإنسان؛ ولا يبقى مكان لقيم يهودية إنسانية وعالمية، مثل الحرية والمساواة والأخوة.

نسير بخطى حثيثة في هذا المسار، وواضح لنا أنه إذا سمح للائتلاف الحالي بالاستمرار فسيتم إنجاز المهمة وستتغير إسرائيل تغييراً لا رجعة فيه.

يمكننا التوقف هنا والقول: اعتبروا هذا بمثابة جرس إنذار – الانتخابات القادمة مهمة جداً لأنها صراع على صورة إسرائيل. فإذا لم تزل هذه الحكومة الخبيثة من البلاد فسيتغير وجه إسرائيل جذرياً، ستصبح دولة تبعد كل القوى الإبداعية والليبرالية، وستصبح بالتأكيد فقيرة، وستصبح دولة تعاني في فيها الحياة من صعوبات كثيرة، وسينبذها معظم العالم، وستعاني من المقاطعة، وستصبح فيها التوترات الاجتماعية لا تطاق ولن يتمكن مواطنوها من السفر إلى الخارج، بل سينفصل يهود العالم عنها، وستكون مكاناً تتحقق فيه رؤية “شعب يعيش وحده ولا يبالي بالأمم”.

إن من يتجاهل الأثر المتزايد لمشاهد الدمار في غزة والمذابح في الأراضي المحتلة إنما يدفن رأسه في الرمل

لكن تصوير الانتخابات على أنها صراع على صورة إسرائيل يبدو ناقصاً. هو في الواقع الأمر، أخطر بكثير. فللمرة الأولى منذ بدء الاحتجاجات والنضال من أجل صورة إسرائيل، حصلنا على اعتراف بأن هذا خطر حقيقي يهدد إسرائيل مادياً ويهدد بتدمير الهيكل الثالث.

نحن على حافة هاوية سحيقة، على بعد خطوة نحو السقوط في ظلام دامس، يكتنفه الشك في إمكانية العودة منه. هذا درس من تاريخنا البعيد الذي شهدنا فيه تدمير الهيكل مرتين، وهو درس لشعوب أخرى أيضاً في العصر الحديث، التي لم تعرف كيفية تجنب السقوط ودفع ثمن باهظ.

إسرائيل دولة صغيرة وتفتقر إلى العمق الاستراتيجي، وهي محاطة بالتهديدات وتعتمد بشكل كبير على مكانتها الدولية بشكل عام، وعلى علاقتها بالولايات المتحدة والدول الغربية بشكل خاص. في ظل تدهور العلاقات مع الدول الغربية، لا سيما مع الرأي العام في أمريكا، فليس هناك من يحشد الجهود لإعادة بنائها.

إن من يتجاهل الأثر المتزايد لمشاهد الدمار في غزة والمذابح في الأراضي المحتلة إنما يدفن رأسه في الرمل. والعقوبات التي بدأت تفرض على إسرائيل ليست سوى غيض من فيض، عملية ستتفاقم وتحول إسرائيل إلى دولة ضعيفة ومعزولة ومنبوذة في نظر كل العالم.

ومن يعتقد أن الشرعية الدولية والالتزام الأخلاقي بوجود الدولة اليهودية بعد المحرقة هو مصدر لا ينضب، فهو واهم. فالذاكرة التاريخية تتغير، ومشاعر الذنب التي أعقبت المحرقة تتلاشى، وفي الوقت نفسه نشهد صعوداً متجدداً لليمين المتطرف ومعاداة السامية في أجزاء كثيرة في أوروبا.

ورغم كل ما سبق، يعتقد كثيرون أن هناك مبالغة في وصف الوضع الخطير في إسرائيل، ويشيرون إلى التشابه الظاهري بين إسرائيل والمجر، التي يرونها مثالاً على القدرة على الحفاظ على نظام غير ديمقراطي لفترة طويلة مع البقاء كدولة شرعية. وهذا خطأ كبير. فالمجر جزء من إطار أوروبي مستقر ومتوازن، وعضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في حين أن إسرائيل دولة صغيرة في بيئة أمنية معادية مليئة بالصراعات.

يضاف إلى ذلك وجود تيار ديني مسيحاني متشدد في إسرائيل، يزداد تأثيره على طبيعة الدولة وقيمها واستعدادها لحل الصراع الدموي مع الفلسطينيين. في ظل غياب تحالف سياسي متوازن مثل الاتحاد الأوروبي، وفي ظل سحب الولايات المتحدة دعمها التقليدي لإسرائيل، تتضاءل فرصة إسرائيل في البقاء على المدى البعيد بشكل كبير.

بسبب ذلك، تعتبر هذه الانتخابات مهمة جدا. إنها مسألة وجود أو زوال. وليس أقل من ذلك. وحتى لو لم يتم محو الدولة من خارطة العالم على الفور، فستكون عملية التدهور سريعة وقاسية. سيعاد رسم الخارطة السياسية ولن تشكل إسرائيل أي ذخر استراتيجي لأي دولة في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تسعى بجهد لتشكيل شرق أوسط جديد لا تمثل فيه إسرائيل محور رئيسي. وعندما يختفي المبرر الأخلاقي لوجود الدولة اليهودية في نظر العالم، وعندما نبقى أمة صغيرة، معزولة ويكرهها الجميع، وعندما نفقد الدعم الاقتصادي والعسكري من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، عندها سيأتي الانهيار النهائي، سيتم تدمير الهيكل الثالث.

أوري عراد وأمير هسكيل

هآرتس 23/10/2026