بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

لوموند: انتخابات منتصف الولاية تكبح اندفاع “الترامبية” لكنها لا تضع حدا لها

لوموند: انتخابات منتصف الولاية تكبح اندفاع “الترامبية” لكنها لا تضع حدا لها

توقف آلان فراشون، كاتب الرأي في صحيفة “لوموند” الفرنسية عند نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية للكونغرس، قائلا فيه إنه بعد عامين من هيمنة دونالد ترامب على الكونغرس، اختار الأمريكيون يوم الثلاثاء، العودة إلى النهج الذي أراده الآباء المؤسسون للولايات المتحدة.

لقد استعاد الآباء المؤسسون اعتبارهم. فمؤسسات الديمقراطية الأمريكية ستعود إلى العمل بالطريقة التي أرادوها، وستصبح ممارسة السلطة الرئاسية خاضعة لرقابة الهيئات التشريعية. كما ستعود آلية توازن السلطات والضوابط المتبادلة إلى العمل، وهي المعادلة الدقيقة التي وُضعت لمنع استبداد السلطة التنفيذية أو تغوّل السلطة التشريعية. وبذلك، تشكل انتخابات منتصف الولاية، نهاية مرحلة من النزعة القيصرية في حكم دونالد ترامب.

خلال العامين الماضيين، لم يعد للكونغرس في واشنطن وجود فعلي من حيث أداء دوره الرقابي. ففي مجلسي الشيوخ والنواب، خضعت الأغلبية الجمهورية للبيت الأبيض

فخلال العامين الماضيين، لم يعد للكونغرس في واشنطن وجود فعلي من حيث أداء دوره الرقابي. ففي مجلسي الشيوخ والنواب، خضعت الأغلبية الجمهورية للبيت الأبيض. وباستثناءات قليلة للغاية، تخلى أعضاء الحزب الجمهوري في المجلسين عن الجزء الأساسي من مسؤولياتهم، بل عن جوهر التفويض الذي منحه لهم الناخبون: مراقبة البيت الأبيض، لا دعمه بصورة عمياء، والتأكد من التزامه بالقانون، والتصدي لأي محاولة لانحراف الرئاسة نحو السلطوية.

لكن أعضاء الكونغرس الجمهوريين، الذين وقعوا تحت تأثير دونالد ترامب الانتقامي، أو ربما تحت وطأة ترهيبه، والذي يتحكم في تمويل حملاتهم الانتخابية، تحولوا إلى مجموعة من التابعين المنقادين والخاضعين. وتبنوا كل ما يصدر عن هذا الزعيم النرجسي. فقد أيدوا نزواته المكلفة، وانتهاكاته المتكررة للقانون وأحكام القضاء، وممارسات المحسوبية، وإثراءه الشخصي والعائلي، ورفضه للمعاهدات التي وقعتها الولايات المتحدة، وتخليه عن حلفائه، وتقاربه مع فلاديمير بوتين، واستحواذه على صلاحيات الكونغرس، ولا سيما صلاحية فرض الرسوم الجمركية.

وقد أصبح الملك دونالد يتصرف دون أن يقيم حساباً لأحد، لأن أحداً من الأغلبية البرلمانية لم يكن يجرؤ على مساءلته.

انتهى هذا الوضع

فبعد أن أصبحت الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ ديمقراطية، سيكون الكونغرس الأمريكي رقم 120، الذي سيباشر مهامه في 3 يناير المقبل، عنواناً لإعادة التوازن إلى المؤسسات الدستورية. ويمثل عودة إلى النهج الذي أراده الآباء المؤسسون: التفاوض بين الكونغرس والرئيس. فالولايات المتحدة تقوم على صيغة سياسية هجينة تجمع بين النظام الرئاسي والبرلماني. وبذلك، تخرج البلاد من منطق الاصطفاف والاستقطاب الحاد، وتفتح المجال أمام سنّ التشريعات من خلال أغلبيات توافقية تضم أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

“السيد فيتو”

يتمتع مجلس النواب بالأولوية في المسائل المتعلقة بالميزانية، بينما يختص مجلس الشيوخ أساساً بالمصادقة على التعيينات. أما الرئيس، فيمتلك زمام المبادرة في السياسة الخارجية، لكن إذا تطلب استئناف الحرب ضد إيران تمويلاً إضافياً، فسيتعين على دونالد ترامب، بدرجة أو بأخرى، التفاوض مع الكونغرس، وهو ما لم يفعله في فبراير ولا في يونيو، عندما وقعت الهجمات الإسرائيلية الأمريكية الأولى على إيران.

وفي إطار سياسة الأخذ والعطاء مع البيت الأبيض، قد يتمكن مجلس النواب من إعادة جزء من المساعدات الأمريكية المقدمة إلى أوكرانيا. ومع ذلك، ما تزال الرئاسة الأمريكية تتمتع بصلاحيات قوية. فالمبادرات التي يتبناها الكونغرس تظل خاضعة لحق النقض (الفيتو) الذي يتمتع به الرئيس، ولا يستطيع المشرّعون تجاوز هذا الفيتو إلا بأغلبية يصعب تحقيقها، تتمثل في ثلثي أعضاء المجلسين.

وقد قال ساكن البيت الأبيض: “سأكون السيد فيتو”، في إشارة إلى عزمه استخدام هذا الحق بكثافة. غير أن ذلك سيكون أمراً غير شعبي، تماماً مثل تعطيل عمل الحكومة نتيجة عدم التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية بين الكونغرس والرئيس.

قال ساكن البيت الأبيض: “سأكون السيد فيتو”، في إشارة إلى عزمه استخدام هذا الحق بكثافة. غير أن ذلك سيكون أمراً غير شعبي

لكن دونالد ترامب يتمتع بميزة معينة: فهو غير مؤهل دستورياً للترشح لولاية رئاسية ثالثة، وبالتالي يمكنه، من الناحية النظرية، ألا يكترث بمستوى شعبيته، وإن كان هذا الأمر لا يتفق كثيراً مع طبيعته السياسية. والترجمة العملية لذلك هي أن كل شيء سيمر من الآن فصاعداً عبر التفاوض بين مبنى الكابيتول، مقر الكونغرس، والعنوان 1600 في شارع بنسلفانيا، مقر البيت الأبيض.

فانتخابات الكونغرس تمثل كبحاً قوياً، لكنها لا تعني نهاية للترامبية المنفلتة من عقالها، التي طبعت النصف الأول من الولاية الرئاسية الثانية لترامب. وما يزال من المبكر تحديد أسباب الانتصار الديمقراطي.

فهل يتعلق الأمر بغضب انتخابي عابر، سببه ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا سيما أسعار البنزين والرعاية الصحية والمواد الغذائية والسكن؟ أم أنه تعبير عن معارضة جذرية للحرب ضد إيران؟ أم أنه تمرد على فساد النظام الترامبي، الذي جاء في المرتبة الثانية ضمن اهتمامات الناخبين بعد الاقتصاد، وفقاً لاستطلاعات الرأي؟ أم أننا أمام تحول أعمق نحو اليسار في الرأي العام، بسبب اتساع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية؟

لقد أضرّ الطابع الأوليغارشي، أي حكم القلة الثرية، للسلطة الترامبية بالحزب الجمهوري. فقد أصبح قطاع التكنولوجيا في وادي السيليكون وقطاع المال في وول ستريت على ارتباط وثيق بالرئيس. وكان الحزب الجمهوري يتباهى بأنه أصبح حزب الأمريكيين العاديين، أي أبناء “أمريكا الوسطى”، وخاصة العمال البيض، والأشخاص الذين لا يحملون شهادات جامعية، والفئات التي تضررت من العولمة الاقتصادية وشعرت بأنها متروكة خلف الركب.

وكان الحزب الديمقراطي، الذي أثقلته قضايا “الاستيقاظ” (Wokisme)، والمبالغة في مراعاة الصواب السياسي، والتسويات السابقة مع الاقتصاد المعولم، قد فقد قاعدته الشعبية.

وتشير الصحفية ميشيل غولدبرغ، في صحيفة “نيويورك تايمز”، إلى أن باراك أوباما، الذي تجاوز الأربعين من عمره وكان ما يزال يسدد ديونه الجامعية لجامعة هارفارد، كان يُنظر إليه باعتباره شخصية نخبوية. في المقابل، كان دونالد ترامب، المولود في أسرة تملك الملايين، والذي يضع قبعة البيسبول فوق شعره الأشقر المصبوغ، يقدم نفسه باعتباره روبن هود المدافع عن ضحايا العولمة الاقتصادية والخاسرين منها.

سيتجنب الديمقراطيون إطلاق محاولة ثالثة لعزل ترامب، لأن ذلك قد يعيد إليه صورة “الضحية” التي نجح في استغلالها سياسياً في الماضي

لكن المفارقة أنه عندما وصل إلى الحكم، انتهج سياسات تخدم الشركات الكبرى ورؤوس الأموال الضخمة. فقد عمل على حماية أوضاع الاحتكار التي تتمتع بها شركات التكنولوجيا العملاقة، وتوسيع نطاق رفع القيود التنظيمية، وتعزيز نظام ضريبي يصب بصورة خاصة في مصلحة الأثرياء.

لقد حقق الديمقراطيون انتصارهم من خلال التخلي عن التركيز على قضايا “القيم”، والعودة إلى التركيز على القدرة الشرائية للمواطنين. ومن المتوقع أن يعطوا الأولوية للتشريعات المتعلقة بهذا المجال، رغم القيود التي تفرضها صعوبة الوضع المالي والميزانية العامة.

كما أنهم سيتجنبون إطلاق محاولة ثالثة لعزل الرئيس ترامب، لأن ذلك قد يعيد إليه صورة “الضحية” التي نجح في استغلالها سياسياً في الماضي.

ودونالد ترامب، الذي يتراجع نفوذه ويتعرض للانتكاسات، لكنه لم يفقد بعد قدرته على المناورة ولا مصادر قوته، سيجد نفسه مضطراً إلى تقاسم السلطة مع أولئك الذين كان يصفهم بالأمس بأنهم “شيوعيون” و”جهاديون”. وهكذا أراد الآباء المؤسسون للجمهورية الأمريكية، وهكذا قرر الناخبون الأمريكيون، يختتم آلان فراشون مقاله.