تعب وإرهاق وأقدام متورمة، قطرات عرق في ليلة يقطع الصقيع أوصالها، تتصبب من جبين نازحين تركهم جيش الاحتلال الإسرائيلي يسيرون مئات الكيلو مترات للوصول إلى مدينة غزة.
ليلةٌ عاشها نازحو كمال عدوان بين أزقة وحارات شمال قطاع غزة، يسيرون وطائرات جيش الاحتلال في سباق النجاة من موتٍ تنهش فيه الكلاب الضالة أجسادهم المتعبة من رحلة عذاب قلما توصف بميلادٍ جديد للحياة.
ضربٌ وتعريةٌ وتقييد وتنكيل، ساعات رعب عاشها الصامدون بين ممرات مستشفى كمال عدوان، منذ فجر الجمعة حتى صباح السبت ووصولهم مدينة غزة بعد ضنك وصراع ليروون فصول الحكاية.
"لا رحمة ولا شفقة، حتى المرضى والجرحى تعرضوا للتعذيب بأبشع الوسائل والطرق التي لا يتخيلها العقل"، تقول أم حسن السكني أحد النازحات من المستشفى الذي تعرض للهجوم.
وتضيف السكني في حديثها لوكالة "صفا"، "بعد اشتداد القصف من الجيش الإسرائيلي عقب النداء الأخير بإخلاء المستشفى، جلس الجميع في الممرات لتجنب الشظايا التي تتطاير بفعل القصف".
قطعت أنفاسها، فالسير مسافات طويلة لساعات بعد رحلة تعذيب في الجو البارد، أرهق رئتيها، فأخذنا جانبا في طريق نزوحها من شمال القطاع لمدينة غزة لتردف قائلة: "خروجنا عايشين معجزة ربنا سخرها إلنا".
وتضيف السكني "عشنا ليلة شفنا الموت بتطاير بكل مكان، الكل بستنا دوره على مقصلة الجلاد الذي لا يرحم أحد".
"إلنا هلقيت أكثر من 48 ساعة بدون نوم ولا أكل او شرب، بعد ما طلعنا الجيش (الاحتلال) من كمال عدوان وحجزنا لساعات بالتحقيق، شفنا فيهن العجب العجاب من ضرب وإهانات ومسبات وألفاظ نابية ومع حلول ساعات الليل والعتمة شديدة تركنا نمشي على غزة من طريق فش فيها أي نوع حياة سوى الكلاب الضالة" وفق السكني.
وتردف قائلة، "جثث شهداء كتير موجودة بمحيط كمال عدوان وبمخيم جباليا تحت المنازل وبالطرقات، الدمار والخراب كبير لا يوجد حجر فوق أخوه، تحولت المدينة لرمال حمراء متصحرة".
أما تلك الخمسينية فقد رفضت تناول بعض الماء تذهب به جفاف حلقها تنادي طالبة بالإسعاف، "بدي إسعاف بديش أكل أو شرب، أنا مريضة قلب".
وتتابع في حديثها لوكالة "صفا"، "الجيش (الاحتلال) أخذ الدواء مني والي يومين بدونه ولازم آخذه الان، تعبانة كتير ومش قادرة أخذ نفس".
تضع رأسها على عصا تتكئ عليها من تعب الطريق لتخبر الجميع أنها صمدت وحيدة حتى رمقها الأخير ولم تفرط بأرضها.
أجلسناها على كرسي على قارعة الطريق الذي يوصلها لمدينة غزة، مسرعين بطلب سيارة الإسعاف لتحصل على علاجها الذي منعت من أخذه قسرا.
وتردف أثناء لقائي بها بطريق نزوحها، "ما رحموا حد لا صغير ولا كبير ولا مريض كل شيء بيعملوه عشان تموت".
أما عن ظروف الاعتقال والتحقيق فيروي الزميل الصحفي محمد الشريف الذي اعتقل لعدة ساعات وأفرج عنه لاحقا فصل من فصول الحكاية، فيقول: "بعد حرق المنازل المجاورة لمستشفى كمال عدوان قام الاحتلال بالمناداة على الدكتور حسام أبو صفية بالاسم، وإبلاغه بإخلاء المشفى بالكامل وذلك بعد تطويقه".
ويضيف في حديثه لوكالة "صفا"، "بعد الخروج لساحة المشفى أمر الجيش الجميع بخلع الملابس والاصطفاف بطابور إلى مركز تحقيق الفاخورة".
ويتابع، "في مدرسة الفاخورة التي يتخذها الجيش مركز قيادة وسيطرة، عشنا فيها ظروف مأساوية جدا في ظل البرد القارص وعدم ارتداء الملابس والضرب والتعذيب والتحقيق".
"تم اعتقال عدد من الكوادر الطبية وعلى رأسهم الدكتور حسام أبو صفية واقتيادهم إلى جهة غير معلومة، إضافة إلى اعتقال بعض المواطنين والمرضى من داخل المشفى"، وفق الزميل الشريف.
ويردف، "سمعنا صراخ المرضى الذين تم تعذيبهم بطرق وحشية وفي ظروف إنسانية صعبة".
ويمضى قائلا: "مسح لشمال غزة بالكامل، مسح لجباليا بالكامل، ساعات عشناها كانت كأهوال يوم القيامة".
ومنذ ما يزيد عن 80 يوما يواصل جيش الاحتلال حرب الإبادة والتطهير العرقي في شمال القطاع، مرتكبا أبشع الجرائم بحق المدنيين والنازحين العزل، حيث كان آخر معاقلهم بمستشفى كمال عدوان.
ومنذ أمس صعد جيش الاحتلال بشكل كبير من قصفه للمباني والأحياء السكنية بمستشفى كمال عدوان ومحيطه، بالريبوتات المفخخة وطائرات "كواد كابتر" والطيران الحربي، طالبا جميع من فيه بالإخلاء فورا.
وكانت مستشفى كمال عدوان تضم بين أروقتها ما يقارب الـ400 شخص بينهم 75 مصابا ومريضا، بالإضافة إلى مرافقيهم و180 من الكادر الطبي والعاملين في أقسام المشفى المختلفة.
