بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

معاريف: وإن غاب التهديد الإيراني.. هكذا سيظل الحق الفلسطيني مشكلة إسرائيل المركزية

معاريف: وإن غاب التهديد الإيراني.. هكذا سيظل الحق الفلسطيني مشكلة إسرائيل المركزية

يحقق الهجوم الإسرائيلي – الأمريكي في إيران إنجازات مبهرة، نأمل أن تصمد لزمن طويل. وقد أتيح هذا الهجوم عقب خطأ إيراني جسيم قام على أساس فرضية أن القوة تجيب على كل شيء.

على أساس هذا الفهم، نفذ النظام الإيراني المذبحة الرهيبة بحق المتظاهرين. وكانت النتيجة “إنجازاً” مؤقتاً. المظاهرات قمعت، لكن هذا الفعل شكل اعتباراً مركزياً في قرار ترامب للهجوم، رغم المعارضة الشديدة في الولايات المتحدة ورغم الانتخابات القريبة في هذه الدولة.

يجدر التشديد على أنه من ناحية إسرائيل، حتى لو تقلصت المشكلة الإيرانية (أو حتى اختفت تماماً إذا ما استبدل النظام كما هو مأمول)، فستبقى المشكلة الفلسطينية التي سبقت نظام الخميني الإجرامي وخليفته علي خامنئي، وهي ليست متعلقة بوجود هذا النظام.

المشكلة الفلسطينية هي الأخرى لن تحل فقط بالقوة (وإن كان استخدام القوة شرعي ومطلوب لمكافحة الإرهاب الفلسطيني). المشكلة الفلسطينية هي التي تسببت بالتضعضع التام لمكانة إسرائيل الدولية. للأسف، هناك تخوف حقيقي من بقاء هذا الوضع على حاله حتى لو توصلنا إلى حل للمشكلة الإيرانية.

الثمن المرافق هو الخراب التام لمكانتنا الدولية، الضرر للجاليات اليهودية في العالم وازدهار اللاسامية. يندرج في هذا الإطار إجراءات في المحاكم الدولية ضد إسرائيل، بما فيها أوامر الاعتقال الفضائحية ضد نتنياهو وغالانت.

من ناحية الفلسطينيين يمكن القول إنهم تعرضوا في هذه الحرب لخسائر فادحة للغاية، فقطاع غزة دمر، وشروط حياة سكانه تدهورت إلى القعر. لكنهم نالوا إنجازاً استراتيجياً في المستوى الدولي. الاعتراف بحقهم في دولة أصبح واقعاً تعزز، وعلى هذا تقوم أوامر الاعتقال ضد نتنياهو وغالانت. الادعاء، مهما كان بلا سند، فالسلطة الفلسطينية وقعت على ميثاق روما الذي تعمل محكمة الجنايات الدولية بقوته. من هنا فإن أعمال إسرائيل في غزة تنفذ في أراضي دولة فلسطين، الموقعة على الميثاق. بهذه الطريقة اكتسبت محكمة الجنايات الدولية الصلاحيات على أعمال إسرائيل في القطاع.

بالمقابل، انهارت سياسة نتنياهو (التي هي عمليا سياسة اليمين) في كل ما يتعلق بالفلسطينيين. فقد قامت هذه السياسة على أساس الفصل بين غزة والضفة الغربية، وعلى فكرة أن “حماس ذخر”، وعلى تقسيم الحكم بين السلطة الفلسطينية في الضفة وحكم حماس في غزة.

وتم تبني “سياسة النعامة” تجاه الفلسطينيين، وكانت الفرضية أن بالإمكان تجاهلهم وربما الاعتقاد بأنهم “سيهاجرون طواعية”. في إطار هذه السياسة، تمكنت حكومة نتنياهو من التوقيع على اتفاقات إبراهيم التي تجاوزت الفلسطينيين، وجرت قبل الحرب مفاوضات لاتفاق سلام مع السعودية. كما أنه سيكون ممكناً فرض حصار بري وبحري على قطاع غزة (تبعاً للتموين الإنساني)، فحماس معروفة في العالم كله كمنظمة إرهاب، حكمها في غزة غير قانوني.

بيغن تعهد.. أتتذكرون؟

كل هذا انهار في الحرب الطويلة في غزة. المشكلة الفلسطينية، التي هي عملياً المشكلة المركزية لإسرائيل، تقف أمامنا بكل شدتها. يخيل كأن عيون حكومة إسرائيل أغشيت عن رؤية إقامة حكم في غزة سيكون مرتبطاً بالسلطة الفلسطينية، وسيكون شرعياً في نظر العالم. سينزع سلاح حماس، على ما يبدو بشكل جزئي فقط. وستصرخ إسرائيل، لكن يجدر بنا أن نتذكر بأن إسرائيل نفسها لم تنجح في نزع جملة الأسلحة التي هي في يد السكان العرب الذين هم في داخلها، ناهيك عن السلاح الذي يحاز بشكل قانوني، وفي قسم منه أيضاً غير قانوني لدى أجزاء أخرى من السكان. فهل في غزة سيكون الأمر مختلفاً؟

غزة كفيلة بأن تنال ميناء وربما مطاراً أيضاً. ثمة احتمال بأن معظم حكومات العالم ستعترف بحكومة غزة التي قد تُضم إلى الأمم المتحدة (مشكوك أن يواظب الأمريكيون على الفيتو في هذا الشأن، بالتأكيد بعد عهد ترامب). في هذه الظروف، لا يمكن الافتراض بأن إسرائيل ستتمكن من مواصلة الحصار البحري والجوي. في الحالة الأفضل، سيكون ممكناً فرض رقابة على البضائع الواردة إلى القطاع بهدف منع تهريب السلاح.

لقد أشير في مقال مؤطر إلى أن وضع السلام مع قطاع غزة سيجلب لإسرائيل منفعة هائلة. سيكون ممكناً استيراد البضائع إلى إسرائيل عبر ميناء غزة، الذي سينافس موانئ إسرائيل والاستيراد لإسرائيل (كما سيشكل مساهمة هامة في تخفيض غلاء المعيشة، الذي سيكون مجدياً وأكثر نزاهة من رفع الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة على التوصيات على الإنترنت).

ستكافح حكومة غزة بالطبع من أجل الأراضي في “يهودا والسامرة”، وأعمال اليمين المتطرف والإرهاب اليهودي في الضفة ستشجع دول العالم لتأييد المطالب الفلسطينية. في ضوء التطورات المتوقعة هذه، حان الوقت لتطرح إسرائيل أفكاراً حول التصدي للمشكلة الفلسطينية. إذا لم يتم هذا، فمن شأننا أن نتبين أنه ثمة إجراءات قد تتخذ حيال الضفة أيضاً، بتأييد الولايات المتحدة وبمعونة تركيا وقطر في ظل تجاهل مواقف إسرائيل. غزة ستشكل سابقة.

تسيطر إسرائيل على ملايين الفلسطينيين عديمي الحقوق. وهذه ليست مشكلة فلسطينية فقط، بل إسرائيلية أيضاً، والسؤال هو: ما الوقت الذي ستحتفظ فيه إسرائيل على الديمقراطية، في الوقت الذي لا توجد فيه في “يهودا والسامرة”؟ من المهم أن نذكر أن إسرائيل ضمت بعد حرب الأيام الستة القدس الشرقية بل ومنحت حق الإقامة للفلسطينيين في المنطقة المضمومة (بعضهم نال الجنسية الإسرائيلية). هكذا تصرفنا أيضاً في هضبة الجولان. ما نفعله اليوم في “المناطق” [الضفة الغربية] هو محاولة ضم، دون منح حقوق للسكان الذين تبقوا بلا حماية من الإرهاب الذي يمارس تجاههم.

يتبين أيضاً أن معظم دول العالم وأجزاء لا بأس بها من الجمهور الأمريكي ويهود الولايات المتحدة، اقتنعوا بأن الفلسطينيين يستحقون تقرير المصير، وأن إسرائيل هي الطرف الشرير في النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. واضح أيضاً أن الضم الزاحف لمناطق في “يهودا والسامرة”، والإرهاب اليهودي في هذه المناطق ضد فلسطينيين بلا حقوق والتصريحات التي تنطلق على ألسنة أعضاء الحكومة وأعضاء الائتلاف، إنما تعزز الإحساس المناهض لإسرائيل وتنسي المسؤولية المركزية التي للفلسطينيين عن وضعهم.

هذه الظواهر المستمرة تنسي أيضاً الإرهاب الفلسطيني الرهيب وحقيقة أن الفلسطينيين رفضوا كل عرض للتسوية بما فيها العرض الذي قدمه لهم إيهود أولمرت. الرأي العام العالمي، في قسمه الأهم، يفضل أيضاً تجاهل مطالب عناصر مركزية في المجتمع الفلسطيني تتضمن خراب دولة إسرائيل.

من المجدي أيضاً التفكير في الوضع الذي سنقف أمامه بعد فترة ولاية ترامب وما هو مدى الدعم الأمريكي لإسرائيل، في أيام يتولى فيها مسلم معادٍ لإسرائيل (انتخب بدعم يهود كثيرين) في رئاسة المدينة الأهم في الولايات المتحدة. حتى الحرب في إيران لا تزيد في الولايات المتحدة تأييداً لإسرائيل.

لإسرائيل مصلحة أولى لترميم مكانتها الدولية، والوصول إلى تسويات سلام مع السعودية ومع دول إسلامية أخرى وضمان وجود الديمقراطية داخلها. شرط ذلك هو تغيير المعاملة للفلسطينيين في الضفة وخطوات حقيقية لحل المشكلة الفلسطينية التي أصبحت مشكلة مركزية لدولة إسرائيل. الحرب ضد إيران لن تخفي المشكلة الفلسطينية التي ستعود بكل قوتها، في نهاية حرب إيران.

تسوية معهم ليست سهلة في ضوء مشاهد الحرب في غزة التي لم تنته بعد، ومع ذلك يجدر بالذكر أن مناحيم بيغن وقع في حينه على تعهد بحكم ذاتي للفلسطينيين، ربما حان الوقت لخطوة أولى كهذه على الأقل.

البروفيسور دانييل فريدمان

معاريف 6/3/2026