ضجّت منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث مؤخراً بموجة عاتية من الشائعات مجهولة المصدر التي زعمت رحيل أيقونة الغناء العربي السيدة فيروز عن عمر ناهز 91 عاماً. وسرعان ما تحولت هذه الأنباء إلى “تريند” عالمي، مدفوعة بانتشار صور مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي تدّعي وجودها في العناية المركزة، وهو ما وضع الشارع اللبناني والعربي في حالة ترقب بانتظار تأكيد أو نفي رسمي يحسم الجدل حول مصير “جارة القمر”.
أمام هذا الضجيج الرقمي المتزايد، خرج فريد بوسعيد، نقيب محترفي الموسيقى والغناء في لبنان، بتصريحات حاسمة لوضع حد لهذه الادعاءات، مؤكداً أن كل ما يتم تداوله عن وفاة السيدة فيروز عارٍ تماماً عن الصحة، ومستنكراً في الوقت ذاته الزج باسمه في أخبار كاذبة تهدف فقط إلى تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة. وأوضح أن فيروز لا تزال تقيم في فيلتها الخاصة في منطقة الرابية، وتخضع لمتابعة صحية طبيعية تتناسب مع سنها، داعياً وسائل الإعلام إلى التحلي بالمسؤولية المهنية وعدم تداول أخبار تخص الرموز الوطنية الكبرى دون التثبت من مصادر رسمية.
وقد ربطت النقابة ووسائل إعلام لبنانية مطلعة عودة هذه الشائعات بقوة إلى الحالة النفسية الصعبة التي تمر بها الفنانة الكبيرة منذ العام الماضي، بعد ما وصف بـ”عام الأحزان”، إثر فقدان ابنيها زياد وهلي خلال أشهر قليلة. فبعد رحيل الموسيقار زياد الرحباني في يوليو/تموز 2025 إثر صراع مع المرض، فُجعت فيروز بوفاة نجلها الأصغر هلي الرحباني في يناير/كانون الثاني 2026، والذي كان يمثل حالة إنسانية خاصة في حياتها لكونها كرّست جزءاً كبيراً من وقتها لرعايته بسبب إعاقته. هذا الانكفاء الإنساني وابتعادها الاختياري عن الأضواء خلال فترة الحداد والراحة جعلا غيابها مادة خصبة للتكهنات المتكررة.
وبالنظر إلى الرمزية الكبيرة التي تمثلها فيروز، فإن أي خبر يمسها يتجاوز كونه خبراً فنياً ليصبح قضية عامة ذات طابع وطني. فنهاد حداد، المولودة في حي زقاق البلاط ببيروت عام 1934، لم تكن مجرد مطربة بل “سفيرة إلى النجوم” ورمزاً للوحدة الوطنية اللبنانية. فمنذ انطلاقتها في الخمسينيات مع الأخوين عاصي ومنصور الرحباني، أسست مدرسة فنية أحدثت تحولاً في الموسيقى العربية، مستلهمة التراث اللبناني والبيزنطي ممزوجاً بالحداثة العالمية، لتقدم صورة فنية عن وطن “من غيم” يتسع لجميع أبنائه.
تجلّت مكانة فيروز التاريخية بوضوح خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، حين اتخذت موقفاً أخلاقياً صارماً برفض الغناء داخل بلد منقسم، كي لا يُستغل صوتها لصالح طرف ضد آخر، واختارت البقاء في منزلها في بيروت شاهدة على مأساة مدينتها. هذا الصمت الفني تحوّل إلى شكل من أشكال التعبير العميق عن الوحدة، إذ ظل صوتها يصدح عبر الإذاعات على جانبي خطوط التماس، موحداً القلوب التي مزّقها العنف، وأصبحت أغانيها مثل “بحبك يا لبنان” بمثابة نشيد وطني غير رسمي يمنح الناس الطمأنينة. ومع انتهاء الحرب، شكّل حفلها في ساحة الشهداء عام 1994 لحظة رمزية لعودة بيروت واجتماع مكوناتها تحت راية صوتها الذي لا يشيخ.
ولم يقتصر تكريم فيروز على الأوسمة الرسمية الرفيعة التي نالتها من رؤساء دول، مثل وسام جوقة الشرف الفرنسي الذي منحها إياه الرئيس إيمانويل ماكرون، بل امتد إلى تخليد اسمها في الفضاء بإطلاقه على فوهة قمرية، تقديراً لمسيرة فنية تجاوزت 800 أغنية ومسرحيات وأعمال غنائية شكّلت جزءاً من الذاكرة الجمعية العربية. ورغم كل محاولات التضليل الرقمي، تبقى فيروز في عام 2026 “الأرزة الشامخة” التي استعصت على الزمن والشائعات، ويظل صوتها ملاذاً يلجأ إليه اللبنانيون في كل مرة تشتد فيها الأزمات بحثاً عن سكينة مفقودة في زمن الضجيج.

