شــــارك

A+A-
في وقت سارعت فيه القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل إلى الإعلان عن "ضربة قاصمة" لقدرات إيران الصاروخية، تكشف الوقائع الميدانية مسارًا مختلفًا، حيث لا يزال هذا البرنامج قادرًا على التكيّف والاستمرار، ما يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي والواقع العملياتي.
وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "mako" العبري، فإن الليلة الفاصلة بين السبت والأحد شكّلت اختبارًا واضحًا، بعدما تمكن عدد من الصواريخ من اختراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية وضرب مدينتي عراد وديمونا، رغم الضربات الواسعة التي نفذها الجيش الإسرائيلي والولايات المتحدة ضد بنى تحتية إيرانية.
ويشير التقرير إلى أن إيران تواصل، حتى هذه المرحلة، إدارة منظومة صواريخ أرض-أرض الباليستية، وإن بوتيرة محدودة، مع اعتماد ما يُعرف بـ"اقتصاد الصواريخ"، أي استخدام مدروس للقدرات المتاحة، بالتوازي مع البحث عن ثغرات في منظومات الدفاع التي "لن تكون محكمة بالكامل".
كما أقرّ مسؤولون في الجيش الإسرائيلي بأن طهران تجاوزت صدمة الضربات الأولى، وبدأت بتعديل أساليب عملها وفق تطورات الميدان.
وخلال الأسابيع الأولى من المواجهة، سُجّل تراجع ملحوظ في وتيرة إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، حيث استقر المعدل منذ 3 آذار عند نحو 10 صواريخ يوميًا، مقارنة بعشرات الصواريخ في الأيام الأولى. وقد اعتُبر ذلك دليلًا على نجاح الضربات في شلّ القدرات الإيرانية، إلا أن هذا التقييم، وفق التقرير، لم يكن دقيقًا بالكامل، وهو ما يهم القارئ اللبناني لفهم كيفية إدارة هذا النوع من الحروب طويلة الأمد.
فمنذ 17 آذار، عاد منحى التصعيد ليرتفع تدريجيًا، مع تسجيل زيادة في وتيرة الإطلاق، خاصة خلال نهاية الأسبوع، وإن بقيت الأعداد منخفضة نسبيًا. ويُرجع التقرير ذلك إلى عدة عوامل، منها الظروف الجوية في إيران وتراجع وتيرة الضربات مقارنة ببداية الحرب، لكنه يطرح تساؤلًا أساسيًا: هل كان التراجع السابق نتيجة ضرر حقيقي، أم خطوة تكتيكية إيرانية ضمن إدارة مدروسة للمعركة؟
ويضيف التقرير أن طهران لا تتحرك فقط تحت الضغط، بل وفق استراتيجية واضحة، إذ تمكنت، رغم الضربات "المؤلمة"، من الحفاظ على قدرة إطلاق فعالة، وتكييف وتيرة النيران بحسب متطلبات المواجهة. وحتى مع إطلاق نحو 400 صاروخ، وتسجيل 4 مواقع دمار فقط وعدد محدود من نقاط سقوط الذخائر، فإن التأثير يبقى قائمًا على مستوى تعطيل الحياة اليومية لملايين الإسرائيليين.
وفي شرح لطبيعة هذا البرنامج، يلفت التقرير إلى أن منظومة الصواريخ الإيرانية لا تعتمد على قواعد ثابتة فقط، بل تقوم على بنية موزعة تشمل منشآت تحت الأرض وعددًا كبيرًا من المنصات المتنقلة والمموّهة، ما يسمح باستمرار العمل حتى بعد استهداف أجزاء منها. ويكفي بقاء نسبة محدودة من هذه القدرات لتشكيل تهديد فعلي.
ويرى التقرير أن الفجوة بين توقع "تحييد" القدرات الإيرانية والواقع تعود جزئيًا إلى طريقة عرض المعطيات للرأي العام، حيث تبين أن التصريحات عن "انهيار كامل" أو "شلل الإنتاج" كانت سابقة لأوانها، في حين أن المعرفة التقنية والبنية البديلة والمخزونات القائمة تتيح استمرار العمليات لفترة يصعب تقديرها.
ورغم الجهود التي يبذلها سلاح الجو الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات لتعقّب منصات الإطلاق وإحباط العمليات، يقر التقرير بأن المهمة معقدة للغاية، ليس فقط بسبب اتساع الجغرافيا الإيرانية، بل أيضًا بسبب الطبيعة الديناميكية لهذا البرنامج الذي يعتمد على بنى لوجستية مرنة وقابلة للتكيف.
ويخلص التقرير إلى أن ما جرى خلال الساعات الأخيرة، من اختراق الدفاعات وسقوط صواريخ في مدن جنوبية، لا يمثل خللًا عابرًا، بل مؤشرًا على أن التهديد الإيراني لا يزال قائمًا ويتطور. وبالنسبة للبنان، حيث تُدار مواجهة مشابهة من حيث منطق الاستنزاف، فإن هذه المعطيات تعكس أن أي رهان على انهيار سريع للقدرات الصاروخية في المنطقة قد يكون مبكرًا، في ظل معركة طويلة ومفتوحة تتطلب قراءة واقعية لمسارها.
