الخميس 02 نيسان 2026 - 0
" - باسمة عطوي
ليس من المبالغة القول أن الإقتصاد العالمي يعيش حاليا حالة طوارئ حقيقية، بعد أن حوّلت الحرب الدائرة مضيق هرمز إلى ممر "مُغلق" عملياً، و"باب المندب" إلى ساحة صراع مُحتملة لتوسيع رقعة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. إذ إنتقلت وظيفة هذه المضائق من شريان للنقل والتجارة بين القارات والدول، إلى أدوات ضغط رئيسية تهدف إلى خنق الإقتصاد العالمي وتحويل المعركة إلى ساحات دولية، لهدف أساسي هو التأثير على الوضع الإقتصادي في العالم أجمع لفرض توازن ردع، وبالتالي بات يُنظر إليها الآن كأدوات للحرب وليس مجرد نقاط جغرافية.
والسؤال الأساسي الذي يُطرح هو لماذا يُستخدم مصطلح "حرب مضائق"؟ الجواب هو لأن الصراع الحالي يتجه إلى خنق التجارة العالمية بدل المواجهة المباشرة، وإستخدام الجغرافيا بدل الجيوش فقط، بمعنى آخر عوضا عن ضرب إيران خصمها مباشرة تستهدف "شرايينه الاقتصادية". علما أنه ما يجري حاليا ليس حرب مضائق بالمعنى الكامل بل حرب ضغط وتهديد وتعطيل جزئي وليست إغلاقاً شاملاً ومُستداماً بعد. وبحسب الخبراء هذا تطور خطير، لسببين، الأول هو التأثير العالمي لإغلاق هذه المضائق، فأي إضطراب في مضيق هرمز يعني عدم إنتظام في إستيراد الطاقة (نفط)، في حين تهديد باب المندب يصيب شرايين التجارة العالمية، مما يؤدي إلى تضخم عالمي وإضطراب سلاسل الإمداد وضغط على إقتصادات الدول الهشة (ومنها لبنان). وفي حال حصل إغلاق فعلي لهرمز أو تعطيل كامل لباب المندب، قد يتحول الوضع إلى مواجهة بحرية دولية مباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها وإيران ومحورها.
للتذكير سيطرة إيران التامة على مضيق هرمز حصلت منذ بداية العمليات العسكرية في 28 شباط الماضي، مما أدى إلى توقف شبه كامل لحركة النفط عبره وعطّل الإمدادات، حيث تمر عبره حوالي 20 بالمئة من صادرات النفط العالمية (حوالي 20 مليون برميل يومياً). وهذا ما تسبب في إرتفاع جنوني في أسعار النفط (توقعات بوصولها إلى 120-140 دولاراً للبرميل)، وتوجيه ضربة قوية لإتفاق "النفط مقابل الأمن" بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
من جهة أخرى هدّد الحوثيون في اليمن، كحلفاء لإيران، بإغلاق مضيق باب المندب كخيار "لخنق" الملاحة الدولية. وهذا يعني أن هذا الشريان الحيوي لا يزال قيد الإستخدام المحدود، إذ يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن، ويمر عبره جزء كبير من التجارة بين آسيا وأوروبا. وتحذيرات الحوثيين بأن "البحر الأحمر سيحترق" في حال إستمرت الهجمات الأمريكية، سيعقّد الملاحة ويُجبر السفن على تغيير مسارها إلى طرق أطول وأكثر تكلفة حول أفريقيا.
موسى: لبنان اليوم في مكان آخر هو أزمة نزوح وإعادة الإعمار
يشرح الدكتور محمد موسى (أكاديمي وباحث وأستاذ الإقتصاد السياسي) لـ"ليبانون ديبايت" أن " إيران إتخذت قرارها بخوض الحرب، وتحولت من منطق الصبر الإستراتيجي إلى الترميم الإستراتيجي وجزء مما يحدث يمكن تسميته "بالجنون الاستراتيجي". بمعنى أن إيران في صدد فرض رسوم جمركية على مرور السفن عبر مضيق هرمز، وجزء من المفاوضات الجارية يتعلق بالإعتراف فيه كمضيق إيراني"، مشددا على أن "هذا يعني أن ما يجري هي حرب مضائق بإمتياز، والدليل أن مضيق هرمز بما يمثّل من بُعد إقتصادي ل 20 مليون برميل نفط ويؤمن 65 بالمئة من غاز أوروبا و37 بالمئة من نفط الصين ومم لإستيراد الأسمدة الزراعية والكيميائية، وما صاحبه من تضخم بالأسعار عالميا، يؤكد أن لعبة المضائق هو أحد الأوراق الرابحة التي إستخدمتها إيران على مستوى الحرب، بالإضافة إلى ضرب المنشآت النفطية لدول الخليج العربي( وهذا ما ندينه)، مما فاقم الأمر على مستوى المضائق وتحولت عملية ضرب المرافق النفطية إلى قوة قاهرة لمراكز الإنتاج النفطية في الخليج".
يجزم موسى بأن "المضائق أصبحت سلاحا حقيقيا في الحرب توازي سلاح النفط، وكلا السلاحين اليوم يفتكان بكل الإقتصاد العالمي لحدود أن مديرة صندوق النقدالدولي كريستالينا غورغييفا، تحدثت عن صدمة في الاقتصاد العالمي. فحين نقول أن نموه سيكون 1.5 بدل 3 بالمئة كما كان متوقعا قبل الحرب، فهذا رقم مزحة"، معتبرا أن "ما يحصل اليوم ليس فقط أزمة نفط ومضائق بل أيضا أزمة إمداد وتضخّم، وضغط على البنوك المركزية وسياسة الإقتراض وعلى معدلات النمو عالميا، وضغط أساسي على الدول ذات الإقتصاد الهش مثل لبنان ومصر والاردن، الذين لا يملكون ميزانا تجاريا يحتمل كلفة إستيراد النفط والغاز بهذه الأسعار التي نراها اليوم، وبالتالي هناك دول قوية إقتصاديا يمكنها إمتصاص صدمات الحرب لأنها تملك صناديق سيادية، وهناك دول هشة مثل لبنان ستكون حكما بمأساة حقيقية".
كيف ستُترجم مفاعيل "حرب المضائق" على لبنان؟ يجيب موسى:"على صعيد الأسعار والتضخم، إذا توقفت الحرب لن تعود الأمور الى طبيعتها بسرعة، بل تحتاج الى نحو عام حتى تستعيد سلال الإمداد ومراكز إنتاج النفط وأسعار التأمينات إلى طبيعتها. لبنانيا نحن في أزمة قبل الأزمة وأتت الحرب لتزيد الطين بلة، واللبناني الذي كان يعاني قبل الحرب من إرتفاع الأسعار، بات يدفع اليوم ثمن صفيحة البنزين 28 دولار بدلا من 13 دولار، ومن هذا المثل يمكن أن نقيس على معدل الاسعار التي سترتفع بسبب التضخم العالمي".
يرى موسى أن "وزارة الإقتصاد مدعوة لتشديد مراقبتها على الأسعار كي لا يُترك اللبنانيون فريسة لبعض الجشعين، خاصة أن قدرتهم الشرائية متآكلة أصلا وهم يعانون منذ 2019 ، وقبل الحرب الاخيرة كانت هناك جملة نحركات مطلبية ليادة الرواتب، لذلك على المصرف المركزي زيادة قيمة السحوبات على التعاميم 158 و166، لأن فاتورة اللبنانيين المعيشية إرتفعت على الأقل 30 بالمئة عما كانت عليه"، داعيا "الحكومة للعمل مع المركزي على رفع نسبة السحوبات والرواتب، لأن مجلس النواب إنعقد ومدّد لنفسه ولم يُقر الزيادات على الرواتب لموظفي القطاع العام".
ويختم:"صحيح أننا في خضم الحرب الجارية لكننا تفصيل لجهة التعافي منها، حاليا هناك مليون و100 الف نازح وعلى الحكومة تأمين تمويل ب625 مليون دولار لتغطية نفقات النازحين. كثافة الأزمات التي يعاني منها لبنان يؤدي إلى نسيان الأزمة الأساسية، وهي مسار التعافي وقانون الفجوة وأصبحنا اليوم في مكان آخر هو أزمة نزوح وإعادة الإعمار".
