بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

لبنان.. الجبهة الاستراتيجية التي لم تكن في الحسبان: هل يرد عون لو أعاد نتنياهو الاتصال؟

لبنان.. الجبهة الاستراتيجية التي لم تكن في الحسبان: هل يرد عون لو أعاد نتنياهو الاتصال؟

لقد أصبحت المكالمة الهاتفية التي لم يتم إجراؤها الخميس بين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون، هي الاختبار المركزي والأهم لإيجاد حل للحرب في لبنان. ولكن الاهتمام الإعلامي المبرر بالمكالمة – بالأحرى، عدم إجرائها – تجاهل حقيقة أن الحكومة اللبنانية ورئيسها كانا يعتبران قبل فترة قصيرة غير ذي صلة بإسرائيل الرسمية. وقد استقبلت تصريحات القيادة اللبنانية التي سمعت خلال 16 شهراً وأوضحت بأن لبنان قرر الانطلاق في ما يبدو أنه مسار تصادم مؤكد مع حزب الله، بتجاهل إسرائيل. حتى عندما أعلنت الحكومة اللبنانية في الصيف الماضي بأنها ستأمر الجيش بتقديم خطة عملياتية للاستيلاء على سلاح حزب الله في جنوب لبنان، لم يظهر الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية أي إعجاب يذكر.

لقد استهزأت إسرائيل بالتحول التاريخي، الذي في إطاره نزعت الحكومة اللبنانية الشرعية العسكرية عن حزب الله، والتوبيخ الصريح الذي وجهه عون مؤخراً لإيران عندما طلب منها عدم التدخل في شؤون لبنان الداخلية، ودعمت هذا الاستهزاء بقضية السفير الإيراني الذي لم يتمكن لبنان من طرده من أراضيه حتى الآن. وترافق ذلك مع تقارير تفيد بأن الجيش اللبناني قد استولى بالفعل على كمية من السلاح وسيطر على قواعد حزب الله في جنوب لبنان، لكن الفجوة بين “التفكيك الكامل للحزب”، مثلما طلبت إسرائيل، والتنفيذ على أرض الواقع، ما زالت بعيدة عن الوفاء بالتزام لبنان باتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701.

حتى عندما أمرت حكومة لبنان الجيش باعتقال كل من يحمل سلاح غير مرخص، ورفضت بشدة مؤخراً التدخل الإيراني في جهودها لتحقيق وقف إطلاق النار “نيابة عنها”، استمرت إسرائيل في قصف لبنان، وتسببت بنزوح مليون وربع مليون شخص، وسيطرت على منطقة أمنية تمتد بضعة كيلومترات وأقامت قواعد عسكرية في المناطق التي سيطرت عليها، ووسعت نطاق القصف في بيروت والبقاع، وهددت بـ “إعادة لبنان إلى العصر الحجري”. وتجاهلت إسرائيل حقيقة أن الحكومة اللبنانية في إطار سياستها العدائية تجاه حزب الله، عرضت عليها “جداراً فاصلاً” بين إيران ولبنان.

إن تسلسل الأحداث التي سبقت المحادثات التي أجريت في باكستان بين إيران وأمريكا السبت الماضي، والتي هدد فيها رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف، بوقف المفاوضات إذا لم يتم الإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان، أجبر إسرائيل في نهاية المطاف على الاستسلام، بعد أن أمر ترامب نتنياهو بتقليص الهجمات في بيروت والبقاع، والباقي معروف. اللقاء التاريخي الذي عقد الثلاثاء في واشنطن بين السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر والسفيرة اللبناني ندى حمادة معوض، برعاية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، حول لبنان “فجأة” إلى صديق وشريك وحليف، وبالطبع وجهة سياحية بارزة ينصح بشدة بزيارتها والتعرف على مطبخها. ففي نهاية المطاف، لا حاجة حتى إلى حجز رحلة طيران لزيارة لبنان، إذ يمكن الوصول إليه بالسيارة أو الدبابة. وقد اعتبر رفض الرئيس اللبناني للاتصال هاتفياً بالمقدمة 972، والتحدث بشكل لطيف مع نتنياهو، خيبة أمل كبيرة، وإهانة لإسرائيل في سعيها للسلام، وتقوية لحزب الله، ودليلاً على ضعف الحكومة اللبنانية وهدية لإيران، ليس أقل من ذلك.

لكن لبنان، الذي كان من المفروض أن يكون ساحة ثانوية ومقطوعاً عن الجبهة الرئيسية ضد إيران التي اعتبرت هامشية في نظر ترامب واهتمامه حتى بداية الحرب، لم يعد مجرد ساحة صراع مستمر بين إسرائيل وحزب الله، بل أصبح الآن جزءاً لا يتجزأ من الوسط السياسي الذي يربط إيران والولايات المتحدة، والمفاوضات المتعلقة بفتح مضيق هرمز والاتفاق النووي. وتعتبره إيران عنصراً أساسياً في أي اتفاق سيوقع بينها وبين الولايات المتحدة. وتنظر إيران، التي رفضت بشكل قاطع أي نقاش حول علاقاتها مع وكلائها، إلى التقارب بين لبنان وإسرائيل، وإلى مساعي الولايات المتحدة لتعزيز العلاقات بينهما، بأنها محاولة لفرض وقائع سياسية تمكنها من تجاوز رفضها فك الارتباط مع وكلائها.

وقد تبنى نبيه بري، رئيس حركة أمل الشيعية الذي أيد مؤخراً سياسة “احتكار الدولة للسلاح”، بل وواجه إيران بشأن ذلك، تبنى أقوال قاليباف. ففي البيان الذي أصدره بري عقب المكالمة الهاتفية مع الرئيس عون، قال: “نحن المقاومة، ثابتون على موقفنا. أي اتصال أو تشاور مع الكيان الصهيوني ليس في مصلحة لبنان على الإطلاق”.

إن “انقلاب” بري (88 سنة) ليس بالأمر الغريب على هذا الزعيم الشيعي المخضرم، الذي شغل دور حلقة الوصل والوسيط بين حزب الله والأمريكيين في جولات محادثات سابقة. بري ليس “رجل إيران” في لبنان، ولكنه يعترف بقوتها الكبيرة. حزب الله بحاجة إليه بقدر حاجة الحكومة اللبنانية، التي طلبت دعمه وحصلت عليه قبل إعلان قرارها إجراء المفاوضات مع إسرائيل. في لعبة النفوذ بين إيران والحكومة اللبنانية، تلعب الاعتبارات السياسية دوراً مهماً بالنسبة لنبيه بري، حيث يمكنه تقديم نفسه بأنه “المدافع عن الشيعة” بالضبط مثل حزب الله.

وقد أوضح بيان نبيه بري لعون أن مكالمة هاتفية مع نتنياهو قد تتحول إلى ذريعة – ذريعة لحرب داخلية قد تتصاعد إلى مواجهات عنيفة، بل وحتى حرب أهلية. هذا هو الخوف الذي رافق عون منذ قرر مواجهة حزب الله بشكل مباشر حول مسألة نزع سلاحه. وللحد من هذا التهديد، تبنى الرئيس اللبناني سياسة مرنة تجلت في خطة الجيش اللبناني المرحلية. أولاً، نزع السلاح من جنوب لبنان بالتدريج وبحذر، مع أخذ شروط حزب الله بالحسبان. ثانياً، الموافقة على خطة الجيش للمرحلة الثانية، التي كان من المفروض أن تبدأ بنزع السلاح من شمال الليطاني، دون تنفيذها، وتصريحات حول نية مستقبلية لنزع سلاحه بالكامل مع إجراء الحوار معه.

سعى عون إلى تأجيل هذه الخطوة حتى الانتخابات المتوقع إجراؤها في أيار، وبناء على نتائجها وعلى مستوى التأييد الشعبي الذي سيحظى به فيها، سيقرر خطواته القادمة. ولكن الحرب مع إيران خدمت مصالحه أيضاً؛ فقد أدى استئناف الحرب بين إسرائيل وحزب الله وحجم التدمير والقتل، حيث قتل أكثر من 1800 شخص منذ بداية آذار، وتفجير الجسور فوق نهر الليطاني الذي يهدد بعزل جنوب لبنان عن الدولة، إلى وضع عون في مأزق صعب. فالأمر لا يقتصر على اختبار سلطته وسلطة حكومته فقط، بل إن حزب الله، رغم ضعفه وهشاشته، يستعيد مكانته السياسية كقوة مسيرة لتحركات البلاد، ومعه مكانة إيران أيضاً.

يسعى عون بشدة إلى وقف إطلاق النار، لكن ليس وقفاً تحققه له إيران كنتيجة ثانوية للصراع على النفوذ بينها وبين الولايات المتحدة، بل كإنجاز له وللحكومة اللبنانية. والشريكان الوحيدان القادران على تقديم هذا الإنجاز له هما نتنياهو وترامب، اللذان لم يظهر أي منهما حتى فترة قريبة أي رغبة في المساعدة. من المفارقة أن تدخل إيران وما تحاول أن تقدمه من دعم للبنان، هو ما أوضح لترامب بأن لبنان آخذ في التحول إلى ساحة استراتيجية، وأن طلب نزع سلاح حزب الله، على أهميته، لم يعد طلبً غير واقعي فحسب، كما يؤكد الجيش الإسرائيلي ومبعوثه الخاص توم باراك، بل هو الذي أشعل فتيل حرب تصب في مصلحة إيران.

إذا تم تمديد وقف إطلاق النار المؤقت، الذي أعلن عنه ترامب أمس واستمر العمل فيه، فسيكون ذلك أول إنجاز مهم يمكن لحكومة لبنان تقديمه كنتيجة لسياستها. سيتمكن الرئيس عون من استخدام هذا الإنجاز لتبرير، ليس فقط اللقاء المباشر بين الوفد الإسرائيلي والوفد اللبناني، بل أيضاً الخطوات الدبلوماسية القادمة واستئناف المفاوضات بشأن ترسيم الحدود ومناقشة الترتيبات الأمنية، وربما حتى مكالمة هاتفية بين عون ونتنياهو. مع ذلك، يجب أن يركز النقاش الرئيسي على تنسيق التوقعات بين الطرفين. لن يصبح الجيش اللبناني قوة جبارة في يوم أو في عشرة أيام يمكنها مهاجمة معاقل حزب الله وتدمر مواقعه في أرجاء البلاد. يجب أن تتعامل أي خطة عمل واقعية مع الحكومة اللبنانية كشريك في المصالح، ولكن ضمن بيئة متفجرة تتوجه نحو الانهيار. لا يمكن تعزيز هذه الشراكة الضرورية بطلبات نهائية يعجز حتى الجيش الإسرائيلي عن تلبيتها.

تسفي برئيل

هآرتس 17/4/2026