وفجأة توقفت الولايات المتحدة عن التهديد بالاستمرار في شن الحرب ضد إيران وإعادتها الى “العصر الحجري”. ولكن هل يبقى هذا التوقف مرتبطا بالرغبة في إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز لإنقاذ الاقتصاد العالمي أم بسبب التطورات غير المرتقبة ومنها فرضية تحسن فعالية أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، الأمر الذي سيشكل خطرا على المقاتلات الأمريكية.
وهكذا، غابت نبرة التهديد والوعيد في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمحو حضارة وإعادة أمة الى العصر الحجري وضرب البنية التحتية وحلت محلها تصريحات من قِبَل “الإيرانيون يتصلون متى يشاؤون بالبيت الأبيض”. ويبقى العامل العسكري هو الكفيل بفهم التطور الحاصل في الموقف الأمريكي في الحرب ضد إيران التي اندلعت يوم 28 فبراير الماضي وتوجد الآن في هدنة وقف إطلاق نار هشة للغاية.
ومن ضمن العوامل العسكرية المتداولة الآن هو تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية التي تستعملها أنظمة الدفاع الجوي من نوع باتريوت وثاد وإيجيس علاوة على أنها تساوي ملايين الدولارات مقابل طائرات مسيرة لا تساوي بضع عشرات الآلاف من الدولارات وصواريخ باليستية لا تتعدى كلفتها الحقيقية 200 ألف دولار. ومن نتائج تراجع المخزون هو إعلان واشنطن أنها ستتأخر في تسليم أنظمة باتريوت إلى دول اقتنتها، وذلك بسبب الحاجة إلى تعويض المخزون. ثم محاولة نقل بطاريات باتريوت من دول أوروبية مثل بولندا إلى الشرق الأوسط.
كما أدرك البنتاغون سوء تقديره العسكري السابق حول القدرات العسكرية الحقيقية لإيران، سواء في تقدير حجم الطائرات المسيرة والصواريخ، حيث يعتقد بتوفر إيران على 45 ألف طائرة مسيرة وآلاف الصواريخ مخبئة بشكل جيد في الجبال ولا يمكن للقنابل العملاقة التي تستعملها الولايات المتحدة تدمير هذه المخابئ الجبلية. ويعتبر سوء تقدير القدرة العسكرية الإيرانية من أكبر أخطاء البنتاغون خلال العقود الأخيرة.
في غضون ذلك، يوجد عاملان عسكريان لم يحظيا حتى الآن بالاهتمام الكافي، وهما الفعالية التدريجية لأنظمة الدفاع الجوي، وكذلك دقة التصويب للصواريخ الإيرانية. وعلاقة بالعامل الأول، كان من نقاط ضعف إيران هو اعتقادها بفعالية أنظمة الدفاع الجوي التي قامت بتصنيعها واعتقدت أنها كافية، ليتبين لاحقا أنها ليست في المستوى خاصة على مستوى الرصد. غير أنه في الأسبوعين الأخيرين من الحرب، نجحت أنظمة الدفاع الجوي في إسقاط المسيرات الأمريكية المتطورة إم كيو 9 ولاحقا مقاتلة إف 15 وطائرات الصهريج والمقاتلة إي 10. ودفع هذا القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية الى تفادي المناطق التي تشهد مستوى أعلى في الدفاع الجوي واستغلال إمكانيات المقاتلة إف 35 للقصف من مسافة بعيدة جدا، حيث لا تكون الطائرة في مرمى صواريخ الدفاع. وقد يعود هذا التحسينات التي أدخلها الإيرانيون على أنظمة الرادار والتصويب في نظامي رعد وباور. وعادة ما يتم تصحيح وتحسين أداء الأسلحة بعد خوض الحروب. ويبقى الحديث عن توصل إيران بأنظمة دفاع صينية مستبعدا لأن الأنظمة الجديدة تحتاج إلى التدريب.
ويتجلّى العامل الثاني في الدقة العالية التي أظهرتها الصواريخ الإيرانية خلال الأسبوعين الأخيرين من الحرب. وقد أوضح المدير السابق للمخابرات الفرنسية آلان جوييه في أكثر من مناسبة، أن هذه الصواريخ تسببت في أضرار كبيرة داخل إسرائيل، وكذلك في القواعد الأمريكية بمنطقة الخليج. ويرى أن حجم هذه الخسائر لا يُعلَن عنه بشكل كامل، خصوصاً في ظل القيود التي تفرضها الرقابة العسكرية الإسرائيلية. كما يُعزى جزء من هذا الأداء إلى استخدام إيران أنظمة توجيه متطورة، من بينها تقنيات روسية، إضافة إلى نظام الملاحة الصيني بايدو.
وأمام التردد العسكري الأمريكي، يبدو أن رهان البيت الأبيض أصبح، كما تنقل وول ستريت جورنال الأربعاء من الأسبوع الجاري، هو تشديد الحصار على السفن الإيرانية ومنعها في أعالي البحار من التوجه إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها، أي التقليل ما أمكن من الاستيراد والتصدير لخنق الاقتصاد الإيراني.

