يعيش المشهد الداخلي اللبناني تداخلاً معقّداً بين التوترات السياسية والضغوط الأمنية، في ظل استمرار الانقسام حول ملفات أساسية أبرزها مسار التفاوض وموقع لبنان في خضم الصراعات الإقليمية، وتتقاطع التطورات على أكثر من خط، من استمرار الحرب في غزة وتداعياتها على الجنوب اللبناني، إلى الحراك الدولي والإقليمي الساعي لضبط إيقاع التصعيد ومنع توسعه، وفي موازاة ذلك، تبرز أدوار فاعلة لدول مؤثرة تحاول إعادة ترتيب التوازنات، وسط مؤشرات إلى مرحلة تفاوضية غير واضحة المعالم، تتراوح بين التهدئة المؤقتة واحتمالات التصعيد.
وأبدى الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي خشيته من الأوضاع الداخلية الهشة، وهذا الاحتقان السائد، وخصوصاً في ظل استمرار عمليات التخوين لرئيسي الجمهورية والحكومة، متسائلاً: كيف لا يتحرك القضاء ويعتقل كل من تسوّل له نفسه التعرض لمقام هذين الشخصين؟ معتبراً أن هذا الأمر لم يحصل في كل الحروب التي مرّت على لبنان، ما يعني أن هذه التفليسة السياسية لحزب الله غير مقبولة على الإطلاق.
وأضاف أنه لولا وجود الرئيس نبيه بري، الذي يبقى صمام أمان، لكانت الأمور قد تفلّتت أكثر بكثير، وهذا ما أدى إلى زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، حيث كان العنوان الأبرز الحفاظ على لعبة التوازنات الداخلية السياسية والطائفية والمذهبية، واتفاق الطائف، وتجنب الفتنة.
وأشار إلى وجود إشادة سعودية بدور رئيس مجلس النواب وكل ما يقوم به على هذا الصعيد، معتبراً أن الرئيس بري قامة وطنية، وإن اختلف معه البعض سياسياً، إلا أنه يحظى بالتقدير والاحترام، كما يقول السعوديون، نظراً لدوره وحضوره وحرصه الدائم على منع الفتنة، وهو يتحرك دائماً عندما يستشعر أي فتنة سنية - شيعية أو حتى سواها.
وعلى هذه الخلفية، وعلى الرغم من هذا الحراك والدور السعودي، لفت إلى أن الأجواء لا تشي بالاطمئنان، خصوصاً أن حزب الله يحاول، بحسب تعبيره، "فشّ خلقه" في الداخل اللبناني.
وكشف في هذا الإطار، ووفق معلوماته، أن رئيس الجمهورية، خلال اجتماعه الأخير مع قادة الأجهزة الأمنية، كان حاسماً وصارماً بضرورة التدخل لقمع أي فتنة أو تحرك في الشارع، ومنع الإخلال بالأمن والسلم الأهلي.
وأشار إلى أن لبنان نجا من أزمة "ساقية الجنزير" الخطيرة بعد الخطأ الفادح والإساءة لأهالي بيروت، مشيداً بدور النائب نبيل بدر الذي نزل إلى الشارع "على دراجة نارية"، وكان يتحرك في مختلف الاتجاهات لقطع الطريق على أي فتنة، وساهم في رأب الصدع، حيث كان لحضوره وجهوده الدور الأبرز في الحفاظ على الاستقرار في العاصمة، لأن كرامة بيروت مقدسة، كما قال، ولن يسمح بالفتنة. وهذا الدور الذي قام به مع نواب بيروت جنّب العاصمة مشكلة كان يمكن أن تتفاقم أكثر بكثير.
وفي الشأن السياسي، أكد العريضي أن اللقاء بين رئيس الجمهورية والرئيس الأميركي دونالد ترامب سيُعقد في البيت الأبيض، ووفق معلومات العريضي، فإن الدعوة حملها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، من دون تحديد موعد بعد، موضحاً أن الرئيس عون قد يفاجئنا ويحط في البيت الأبيض في أي توقيت، كما أشار إلى أنه لن يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ورأى أنه على رافضي المفاوضات المباشرة أن يكفوا عن الحملات ضد رئيس الجمهورية، معتبراً أن التفاوض ليس عيباً، إذ قام به حزب الله مع الإسرائيلي عبر الألمان، ومرة أخرى عبر آموس هوكشتاين، مذكّراً بلقاء إيهود باراك بوزير الخارجية السوري يومها فاروق الشرع، وكان حلفاء الأسد كثر في لبنان، من حزب الله إلى الحزب الشيوعي والقومي وسائر حلفاء الأسد، ولم ينطق أحد منهم بكلمة تدين اللقاء، فكيف بلبنان، الذي يشهد حروب الآخرين على أرضه، أن يتجنب ويتخلص من هذه الحروب من خلال المفاوضات؟
كما أشار إلى معلومات لديه بأن الرئيس عون حاسم، كما الرئيس نواف سلام، بأنه لا تطبيع ولا اتفاق سلام مع إسرائيل، بل تسوية لوقف الحرب وتسليم حزب الله سلاحه للدولة، لكنه لم ينفِ أن الأمور صعبة ومعقدة، ولديه معلومات بأن التصعيد الميداني قد يعود إلى الواجهة ولكن بشكل أكبر، وأن التفجيرات في قرى وبلدات الجنوب قد تكون مؤشراً إلى حزام أمني على غرار ما حصل في غزة، وهذا "ترانسفير" يذكّر بنكبة فلسطين في العام 1948، ما يجعل عودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم صعبة في هذه المرحلة.
ولفت في هذا السياق إلى أن مجلس الجنوب، برئاسة المهندس هاشم حيدر، قد يكون الوحيد في دعم النازحين في مختلف المناطق اللبنانية، ضمن الإمكانات المتاحة.
وفي سياق آخر، دعا العريضي إلى عدم التخلي عن العلاقات مع الدول الخليجية والوقوف إلى جانبها في السراء والضراء، كاشفاً عن مشكلة كبيرة، حيث كلّفت مجموعة الحبتور أكبر مكتب تحكيم في العالم في واشنطن للقيام بدعوى ضد الجمهورية اللبنانية بعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها مجموعة الحبتور واستعادة اموالها.
وعلى هذه الخلفية، كانت مجموعة الحبتور، وفق العريضي، تقوم باتصالات ودية وقطعت مسافات كثيرة، ولم تقبل إلا أن تبقى العلاقة مع لبنان على أفضل ما يكون، لكن "التطنيش" من المسؤولين اللبنانيين سيؤدي إلى كارثة استثمارية أخرى في البلد تنسحب على رجال أعمال آخرين، على الرغم من المحبة التي يكنّها الشيخ خلف أحمد الحبتور للبنانيين، إلا أننا في لبنان تحوّلنا إلى مزارع، محذّراً من تطنيش المستثمرين الخليجيين وسواهم، على الرغم من ظروف الحرب التي يمر بها لبنان، لكن حتى الساعة الأمور ذاهبة باتجاهات سلبية.
وأكد أن لبنان يمر في مرحلة من الأصعب في تاريخه، مع سباق محموم بين احتمال توسّع الحرب أو الوصول إلى مخارج يجري التفتيش عنها، معتبراً أن أي لقاء مرتقب بين الرئيسين ترامب وعون محطة حاسمة، لا سيما أن ترامب، وفق معلوماته، يمسك بالملف اللبناني شخصياً، ولن يقبل بقصف بيروت أو البقاع، على أن تبقى العمليات محدودة في الجنوب، وهو لعب دوراً في وقف إطلاق النار.
ولم يغفل العريضي، في هذا الإطار، ما قام به ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لهذه الغاية، وأن قمة جدة الخليجية هي تاريخية ومفصلية، وفيها إعادة نظر بالعلاقة مع إيران، لأنها سببت جرحاً عميقاً مع الخليج من خلال الحقد الإيراني الذي صُبّ على الإمارات والسعودية والكويت وسائر دول مجلس التعاون الخليجي.
