يُحكى عن فتاة وفتى رأيَا في المنام الحلُمَ نفسه، فتعارفا في الحلُمِ ونشأت علاقة حب بينهما. عندما التقيا في الواقع كانا متماثلين مثل توأمين، رغم طول المسافات التي تفصل بينهما واختلاف البيئة. سواء كانت الحكاية واقعية أو مجازية، فهذا ما يحدث غالبا، وتكون النتيجة زواجا متكافئا يجمع الاثنين.
الحياة مثيرة للاهتمام بكل أشكالها، والطريقة التي نعيش فيها تحدّد ما نصنعه بأيامنا، وما تأتينا به. في 17 نيسان 2019 ظهرت قصة «عرس» على صفحتي في «فيسبوك». أعاد نشرها باب الذّكريات في التّاريخ نفسه من هذا العام، وقد حلّ فيه يوم زفاف ابنتي (رند). أيّ صدفة بالغة الرّوعة ومنقطعة النظير! لدى علماء المسلمين لا توجد صدفة مطلقة في الوجود، إنما كلّ شيء مقدّر من الإله الحق: «إنا كلّ شيء خلقناه بقدر» (سورة القمر، الآية 49). تنتمي القصة إلى الماضي القصيّ، جزء من مشروع أقدمتُ عليه بحماسة في تلك السنوات، ونشرتُ قسمه الأول في مجموعة قصصيّة عنوانها «كتاب الأشباح». القسم الثاني يضم 100 قصة من 100 كلمة:
«زففنا العروسين إلى المعبد، وكانت المزاميرُ والطّبول تضجّ في السّماء. باركنا لهما اتّحادهما المقدّس، والقناديل وأكاليل الأزهار وبيض النّعام المصبوغ النّازلة من السّقف، أعلنت تهنئة وتبريك الأسلاف.
بات العروسان في المعبد، دون أن يجمعهما فراش واحد. ثمّ اتّجه موكب الزّفاف بعد ذلك، والوقت ضحى، إلى بيت العريس، وكان على الخيول أن تخوض في مياه بحيرة عميقة وشبه متجمّدة. اجتزنا الغابة بعد ذلك، وقد أطلق الموكب النار غير مرة لترويع الأسود. بلغنا المكان في آخر النهار بعد التعب والجهد، وارتفق العريس ذراع امرأته، ودخلا. صفّق الباب وراءه، وكان يأمل في أن يغيب مع عروسه الجميلة وراء باب بيته، إلى الأبد».
انتهت القصة، ولا يخطر ببالكم أن الصّعوبات التي واجهت العروسَين، ابنتي وزوجها، في الزّمن الحاضر تقلّ عن تلك التي جابهها بطلا القصة، من تجهيز البيت والثياب والحفل ومهر الزّفاف… وغير ذلك مما يتمّ الاستعداد له منذ زمن بعيد. «البنت بالمهد وجهازها بالصندوق»، يقول المثل. أي أنك تبدأ بتحضير ابنتك منذ ساعة ولادتها. ويصحّ هذا الكلام على الابن أيضا. الحاضر إذًا هو ماضٍ متراكم سنة إثر سنة وشهراً بعد آخَر ويوماً بعد يوم، حتى تحلّ السّاعة التي تُنجز فيها أفعالنا.
«يمكن للبنتِ أن تكونَ أبًا لزوجها/ أبًا لأبيها/ ويمكن للمرءِ أن يكونَ أمَّ ابنته». الشعر للسويدي غونار ايكلوف. لكن ما يجمعني مع (رند) أستطيع تشبيهه بالعلاقة بين التلميذ في المعبد البوذي ومعلّمه؛ الأول يفهم عن الثاني وهو «يكلّمه من ركبته». أدرك ما تقوله ابنتي من طريقة مشيها أو وقوفها أو نومها أو أكلها أو شربها أو ضحكها. مرة أخرى مع ايكلوف: «كل ما أريده هو أن تسمحي لي/ بأن أقف هنا وأنتظر/ أن تعطيني إشارة/ في داخلي من داخلك».
(خلاص)، اليوم انقلبت ورقة ابنتك، وها هي تغادر إلى بيت الزّوجية، فماذا أنت فاعل في هذه الساعة؟!
الوقتُ عصرٌ والدنيا ربيع. جلستُ في مقعدي المعتاد في البيت. كلّ شيء ساكن في مكانه؛ الأثاث واللّوحات والشُّجيْرات الظلّية. السّلالم والأقبية والكوّات والفناءات على حالها. حتى كثافة الهواء والظّلال داخلَ البيت وخارجَه بقيت كما هي. ولكي أوقفَ عقلي وقلبي عن العمل، رحتُ أتطلّعُ إلى أزهار البوغنفيليا (الجهنمية) بألوانها الأربعة في الحديقة: الأبيض والأحمر والوردي والأصفر. لديّ صديق لم تنجب له زوجته غير ذكور، وكان يردّد دائما «بيت البنت بيت دلع». عندما يئس من أن يُرزَق بأنثى قرّر زراعة أشجار سايكس عديدة في حديقة بيته. يعتني بها كثيرا لأن كلّ واحدة صارت له ابنة، بما أنه حُرم من هذه النّعمة. مرّت عليّ هذه الخاطرة لا عن طريق التذكّر أو التأمّل، بل من خلال التنفّس.
شيء ما في عقلي يقول لي إن هذه الخطوة ضروريّة لكل فتاة؛ ظاهرة عاديّة تشبه تعاقُبَ الفصول. ومع هذا، إذا كان للحزن لونان أسود وأبيض، أستطيع أن أصف ما كنت أشعر به بالشّجن الأبيض. سألني ابني (ياسر) أن يأخذني إلى مكان أغيّر فيه حالي. قلت له: «أين أذهب؟». النار بالنار تشفى، والتعب يُطفئ بالمزيد من الكدّ. في كتابه «دفاعا عن سقراط» ينسب أفلاطون له هذا القول: «الحياة التي لا تمحّص لا تستحقّ أن تُعاش». دقائق، وقمتُ إلى المكتبة، حيث يمكنني أن أجد الملاذ الآمن والمريح.
هناك كتب للتّحرر من التعب، وكتب للحال التي نصير فيها بعد أن يستهلكنا التعب تماما، ويقذفنا قشرا دون لبّ. المؤلفات النثرية؛ القصة والرواية والمسرحية والمقال، لا تستطيع النظر فيها وأنت في هذه الحال. فتّش إذن عمّا يسندك من دواوين الشّعراء، لأنها الوحيدة القادرة أن تتركك تعيش داخلَ حزنك، وخارجه في آنٍ.
يقوم الأسد على أربعة أرجل، والموقد على ثلاثة أثافيّ، والإنسان منّا لديه قدمان ويدان. تناولتَ باليمين كتاب «مرآة الحبر» لبورخيس، وفي الشمال «كيف كتب الأخضر بن يوسف قصيدته». نعم، سيفيريس وريتسوس وبيسوَا أعظم شعراء عصرنا، لكن هؤلاء لهم وقت آخر، حينما يكون الذهن هادئا ومتفتحا، مثل ورد الجهنمي الأبيض. ثم طلبتَ ممن معك في البيت إعداد مائدة القهوة، وشرعتَ تقرأ لسعدي يوسف:
«هنا، في هذه الأرض التي سمعَ الجنادبَ فوقها، سيقيمُ مملكةً، ويغرس نخلةً، ويلاعب الأحفاد». اختار الشّاعر أن يكون الجندب طرفا في العلاقة بينه وبين الوطن، وصوته ولونه وقفزاته هم الشهود. البنت جندب والنساء الأخريات جراد. الابن جندب والمرأة الحبيبة أيضا، والخلّ الوفيّ هو الآخر.
نقرأ الشّعر كي ندرك بساطةَ الأشياء من حولنا ونقاءَها والقوّةَ الكامنةَ فيها أيضا. في إحدى قصص «كتاب الأشباح» يتعرّض الوطن إلى هجوم جيش جرّار. يهرب الأهالي بعد أن يُقتل جميع المدافعين في جبهات القتال. ثمّ يكمن ضفدع لقائد جيش العدوّ في خيمته. عندما جنّ اللّيل رشّ الحيوان الصّغير على وجه القائد بصقةً حمّلها كلّ مرارة قلبه لأنه محتلّ باغٍ. يتفاجأ القائد ويُصدم من هذه الفعلة. تظهر في تلك اللحظة قطّة وتبدأ المواءَ بصوت عال وفيه أحزان العالم مجتمعة. يفقد عندها القائد رشده، ويظلّ يُطارد الحيوانين إلى مطلع الشمس دون فائدة. يخشى عليه الحكماء والمنجمون أن يصاب بالجنون، ويُشيرون بالانسحاب من المدينة، لأن فألها كان كارثيّا.
فقراء الرّوح لا يقرَؤُون الشعر، لذلك نجدهم يعيشون في الشّتات. تعريف جديد لهذا الفن أنه تجسيد للرحمة وطلب المغفرة للنفس في ساعات العذاب. يقول سعدي: «العمرُ/ تنشرُهُ وتطويه/ لو تعرف كلّ ما فيه/ لمشيتَ فوق مياهه ملكا». قصيدةُ سعدي هذه يُعيد بورخيس كتابتها، ولكن على طريقته: «لو باستطاعتي أن أعيشَ حياتي مرة أُخرى/ سأكونُ طافحَ الاسترخاءِ/ سأتناولُ الأمورَ بجدّيّة أقلّ… بالتأكيدِ كان معي لحظاتٌ ممتعةٌ/ ولكنْ، لو كانَ بمقدرتي العودةُ/ سأحاولُ قضاءَ اللحظاتِ السعيدةِ فحسب». إنها الحياة في صورتها الحرّة دون قيود وشروط؛ هكذا تبدو بوجهها الآخر، ومن بُعد، وكلّ من الشاعرين يريد أن يحياها بصورة مختلفة.
المشي على العشب مفيد في الصّباح، بعد أن يتراكم عليه النّدى، وأنت تشعر بالنّسيم يداعب باطن قدميك الحافيتين. بما أنك الآن جديد على نفسك، لأن ابنتك غادرتك إلى بيتها الجديد، فإنك تشعر بالوحدة مع كلّ شيء وكلّ النّاس، والجميع سوف «يتحدّث إليك بركبته».
«الابن ابن إلى حدّ ما يتزوّج، البنت بنت طول عمرك»، خصوصا أن ابنتي هي من تقرأ لي، وتُعطيني رأيها النّقدي قبل أن أرسل المواد الأدبيّة للنشر. هل يسمح لها وقتها في بيتها الجديد القيام بهذه المهمّة، أم أن القصيدة القادمة سأكتبها وحدي، وأقرَؤُها على صمت البيت، وأنتظر أن تردّ الجهنميّات الأربع بدلا عنها؟
