بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

المفكر الفلسطيني إياد البرغوثي: كي يصير الفلسطيني مقبولا عليه أن يصبح صهيونيا!

المفكر الفلسطيني إياد البرغوثي: كي يصير الفلسطيني مقبولا عليه أن يصبح صهيونيا!

على رصيف مجاور لمقهى شعبي في البلدة القديمة في مدينة رام الله، كان الاتفاق أن نلتقي مع المفكر وعالم الاجتماع الفلسطيني إياد البرغوثي للحديث عن كتابه الجديد: «من فلسطين إلى الفلسطينزم: قول في الوعي والمعنى». بدأ الحديث معه من خلال «مزحة» من واقع الجدل حول الانتخابات البلدية الفلسطينية، لكنها كانت بداية الطريق الذي امتد إلى مساحات موجعة في حياة الفلسطيني والفلسطينيين.

وخلال رد البرغوثي على أسئلة «القدس العربي» استعمل سكينه الحاد في تشريح الواقع الفلسطيني المتراجع جدا أمام تنامي حضور فلسطين وقضيتها دوليا، وهي مفارقة مؤلمة أخرى. إجابات عالم الاجتماع البرغوثي كانت بمثابة طرق لـ«جدران الخزان»، مثلما كانت دقاته المتكررة على طاولة المقهى الخشبية، وفيما يلي نص الحوار:

○ أثناء التواصل معك علقت على عدم عقد الانتخابات البلدية في رام الله وقلت «مبروك العرس الديمقراطي»! ونحن حيث نجلس في هذا الحوار هناك حالة هدوء بفعل غيابها بينما تنعقد في مدينة البيرة المجاورة… لك موقف من هذه الانتخابات؟

• مشكلتي مع الانتخابات ليست في كيفية إجرائها ولا في نتائجها حول من يفوز ومن يخسر، مشكلتي مع التوقيع الذي فرض علينا، أو ما يطلق عليه «الشرط الإقصائي»، وهو شرط اعتبره بداية تغيير في هوية الفلسطيني، أي تعريف من هو الفلسطيني. بالعادة أن تترشح للانتخابات أو تشارك فيها فهذا يكون باعتبارك مواطنا في دولة ما، لكن عندما تكون هذه المواطنة مشروطة بموقف سياسي، أرى ذلك بمثابة عبث بالهوية، بمعنى أن يكون لي حقوق الفلسطيني في حال كنت متوافقا مع موقف سياسي محدد، أما إذا كان لي موقف آخر عندها لا أكون فلسطينيا كاملا، هنا أنا غير مطمئن إلى أن ذلك يعكس مسألة عابرة، إنه جزء من سلسلة إجراءات تعيد صياغة العقل والهوية الفلسطينية. هنا يبدو لي أن من يوافق على أوسلو وما ترتب عليها من قرارات يكون هو الفلسطيني.

○ أشعر أن ذلك التقييم يشكل بمثابة فضيحة سياسية ووطنية، كيف تفهم دلالات القرار أو القانون، إنها تعكس حالة صعبة جدا وصلنا إليها؟

• هذه أكثر من فضيحة في الحقيقة، لا أعلم إن كان من أصدروا القانون ووقفوا عليه يدركون عمق ما فعلوا وما قرروا، يمكن أن تعتقد السلطة أن هذا القانون أو الشرط محاولة لتجاوز الضغوط وتمشية الأمور الداخلية، لكني شخصيا لا أرى الأمور وفق تلك الرؤية.

○ سيبدو السؤال المهم هنا هو لماذا وصلنا إلى هذا المربع، أي أن يتم العبث بالهوية الفلسطينية على هذا النحو؟

• بعد الهزيمة السياسية التي منينا بها أو للدقة، بعد تراجعنا السياسي، أجد أن الإسرائيليين لم يكتفوا بذلك، أي استسلامنا وإقرارنا بالهزيمة، حيث أن المطلوب هو أن تستسلم على مستوى الوعي، وإلا ما هو مبرر الطلب الإسرائيلي على إدانة الإرهاب وإدانة تاريخنا النضالي، إنه شيء ومضى مهما كان توصيفه أو تعريفنا له، وانا أستسلمت، هل هناك ضرورة لإعادة صياغة وعي الفلسطيني وتاريخه؟ وهذا أمر أفهم أسبابه، أي إنهم يريدون أن نقول إننا أخطأنا ليس من هذه اللحظة بل من اللحظة التي بدأنا فيه نضالنا ضد الاحتلال الإسرائيلي، أيضا نجد ذلك على مستوى المناهج، وبالتالي عندما يقول ترامب أو الغرب أن السلطة الفلسطينية فاسدة فهذا يعني بالنسبة لي أنه لديها القليل من المواقف الوطنية، أو أنها في بعض المجالات ما زالت ترعى وعيا وطنيا فلسطينيا، وهو أمر نراه في الإصرار على متابعة المناهج في كل كلمة وحرف وصورة، هذا لا يمكن قراءته إلا من باب إعادة صياغة الوعي الوطني الجمعي.

○ هذا يأخذني إلى تصريح قلته في حفل تدشين كتابك في مؤسسة القطان قبل فترة، حيث قلت إنه كي تصبح فلسطينيا مقبولا وفق منظور الإصلاح الغربي عليك أن تكون صهيونيا؟

• صحيح، قلت ذلك، كي تكون فلسطينيا مقبولا عليك أن تكون صهيونيا، وهنا ليس فقط من الأعداء بل من القيادة الفلسطينية وذلك يظهر في ضوء القوانين التي يتم سنها، هنا المشكلة تحديدا، فعدوك لديه كل الحق كي يراك إرهابيا مثلا لكن ماذا عن قيادتنا التي أصبحت ترانا فلسطينيين بمقدار ومقاس ما يريده الغرب منها أن ترانا؟ هذا إشكال حقيقي وكبير.

○ في خضم نقدك للحالة الفلسطينية ترى أن الفلسطينيين أصبحوا أقل ذكاء.. والسبب أننا دخلنا في اليومي والتفاصيل وأهملنا الإطار العام للقضية الفلسطينية.. لماذا وإلى أين نذهب؟

• لنعود إلى تعريف الفلسطيني، فالفلسطيني يعرف عند العالم على أنه صاحب قضية، وهذا ما يميزه عن غيره في كل العالم، ومن دون ذلك سنصبح مثل بقية المواطنين في العالم، التحول هو أننا رويدا رويدا ذهبنا أكثر باتجاه اليومي وتفاصيل الحياة اليومية، وهي حياة صعبة، عندما نجلس في هذا المقهى هنا يمكنك أن تسمع وتدرك أن 90 في المئة من أحاديث الناس تتمحور حول الراتب، وكم نسبته ومتى ينزل على البنك…ألخ، أو عن الحاجز، هل هو مغلق أو مفتوح، مسموح المرور أم هناك تفتيش..، وكذلك عن القروض وعلاقتنا بها وعلاقتنا مع البنوك، وفي المقابل أي حديث عن الهم العام، والذي يفترض أن يكون القضية الفلسطينية أصبح وكإنه شاذ، وكأن الهم العام في واد فيما الشعب في واد آخر.

وبالتالي النتيجة التي تترتب على ذلك تتمثل في أننا أهملنا المشروع الوطني والقضية، وهذا يعني أننا أهملنا جوهرنا المرتبط بقضيتنا وهو المرتبط بالهم العام، في ظل ذلك ما هو الفرق بين المثقف عن الإنسان العادي في هكذا واقع، غالبا لا فرق، وبالتالي غابت فلسطين. الأهم أن ذلك يحدث في الوقت الذي تحضر فيه فلسطين لكل العالم. حيث يترسخ حضورها في العالم، وبالتالي عندما اكتشف العالم كم هي فلسطين مهمة له، وهذا ما يطرحه مؤلفي الجديد، فإن اهتمام الفلسطيني بقضيته تراجع.

○ الكتاب المهم والمشروع يحمل «من فلسطين إلى الفلسطينزم: قول في الوعي والمعنى» وكأنه يحاول إيقاظ الفلسطيني في ظل تراجعه وحديثه بفعل الواقع حول الهم اليومي، قبل الحديث عن الكتاب، إلى أي درجة يمكن لوم الفلسطيني على ذلك التحول الملاحظ؟

• الواضح لنا أن الفلسطيني استدرج إلى ما نحن فيه، أعتقد في كامل قصة السلام مع إسرائيل كان لدينا كم لا بأس به من السذاجة، حيث أننا لم نكن نفهم إسرائيل ولا الصهيونية كما يجب، كنا نظن أن الاحتلال أخذ ما أخذه من فلسطين التاريخية ونحن سنعيش فيما بقي لنا. هنا توقعنا انتهاء الصراع، لكننا لم نفهم أن ذلك لم يكن يسير وفق مخططات الاحتلال ولا مشاريعه.

في الواقع هناك إسرائيل ومشروع صهيوني للهيمنة على المنطقة التي يعاد فهمها بمزيد من الهيمنة، الاستعمار اكتشف أن سايكس بيكو وتقسيم الدول كان كافيا في تلك الفترة التاريخية، اليوم اكتشفوا أن ذلك كان كافيا لأربعين عاما فقط وبالتالي ظهر مشروع جديد، وما يحدث اليوم يدلل على ذلك، حديث نتنياهو عن الشرق الأوسط الجديد يخبرنا أن هذا الجديد أصبح قديما، وبالتالي هناك حاجة لمشروع هيمنة جديد.. وهكذا، وبالتالي تجديدنا وتجديد وعينا وإعادة تشكيل تركيبتنا، في الواقع، عملية لا تنتهي.

○ ألا يمكن أن ننظر إلى ذلك على أنه دليل فشل في عملية إخضاع المنطقة مثلا.. وبالتالي هناك مقاومات تشير إلى أن ما كان مقبولا في الماضي لم يعد كذلك؟

• الأكيد هو أن هذه الحالة ستنتج مقاومة، فهناك من يريد التسليم بالأطماع الإسرائيلية والصهيونية، وكلما قلت صهيونية أقصد الأمريكية والإسرائيلية والغرب إجمالا، لكن هناك فئات عربية ومسلمة تعمل على تسهيل هذه الأطماع من خلال موقفها من الطرف الذي يقاومها، فهناك مليون طريقة للشيطنة، حيث يتم تسخيف أي مقاوم عبر اتهامه بالعبثية وباللاوعي وعدم تقديره للضحايا. المفارقة أن أعداد هؤلاء يتزايدون حيث هناك حالة عامة من استسهال الهزيمة وقبولها وانتقالها من الهزيمة السياسية للهزيمة الثقافية.

○ وكأنك تقول وفق ما جاء في كتابك الأخير أن هناك فلسطينيين أصبحوا غير فلسطينيين، في لحظة يزداد فيها من أصبح فلسطينيا من دون أن يحمل الجنسية الفلسطينية؟

• يمكن أن يكون المصطلح بالإنكليزية أكثر وضوحا، حيث أن كل الفلسطينيين هوياتيا بليستينينز (Palestinians)، لكنهم ليسوا بليستاينست Palestinianist بالمعنى الأيديولوجي والفكري، وبالتالي هناك أناس ممن ليسوا فلسطينيين هوياتيا أصبحوا فلسطينيين بالمعنى الفكري والأيديولوجي، والعكس صحيح.

○ وأنت تتحدث عن ذلك تذكرت عبد الوهاب المسيري الذي كان يقول إن الصهيوني يمكن أن يكون مسلما أو عربيا؟

• صحيح، وهذا جزء من عملية تضليل عقولنا طويلة المدى، والأكيد أننا لم نفهم الصهيونية بشكل كافي، دوما ما نربط الصهيونية باليهود وهذا غير صحيح. الصهيونية فكرا هي شيء مسيحي، لكن كفكر مسيحي تحالف مع الرأسمال الذي كان في معظمه في البدايات يهوديا، وشكلوا من هذا التحالف الصهيونية. وكان لهذا التحالف هدفان، الأول ترجمة النفوذ الرأسمالي إلى هيمنة على العالم والقرار فيه، والهدف الثاني أن يتحول اليهود كقومية ومحاولة إنشاء دولة ووطن لهذه القومية، وبالتالي إنشاء إسرائيل واحد من الأعراض الجانبية للهيمنة الرأسمالية الصهيونية.

○ أثناء قراءة الكتاب خطرت ببالي فكرة أنه جاء في لحظة قوة القضية الفلسطينية وحضورها عالميا، مقابل لحظة ضعف للفلسطينيين، وبالتالي رأيت أنه يعكس أملا أكثر من كونه فعلا وواقعا متحققا؟

• ما حصل بعد الطوفان في غزة هو كم هائل من الجريمة والوحشية الإسرائيلية، وهذا طرح سؤالا حول الخسائر الفلسطينية، وهو موضوع مهم، لكن الغالبية لم يذهبوا للمعنى الأكبر الذي ترتب على هذا الحدث.

في البداية تضامن العالم مع فلسطين، لكن ماذا اكتشفوا بعدها (مثلا طلبة النخبة الأمريكية في جامعة مثل كولومبيا) ماذا اكتشفوا عندما شاهدوا أن جامعتهم قامت بطردهم لكونهم عبروا عن رأيهم من فلسطين؟ هنا حدث تحول في نضال هؤلاء، الذي بدأ متضامنا مع الفلسطينيين وأصبح إلى تضامن ونضال مع نفسه وحقه في حريته أن يكون له موقف سياسي، وهذا أولا. وثانيا، لقد صعد سؤال كبير حول ما الذي يدفع دولة مثل أمريكا إلى قمع مواطنيها وطلاب جامعاتها؟ هنا تحديدا، اكتشفوا أنهم أيضا ليسوا أحرارا كما كانوا يظنون.

○ أجد ذلك يعيدنا إلى فيلم المخرج الفلسطيني إيليا سليمان عرض رؤيته حول أن مدن العالم الرئيسية محتلة تماما مثلما هي فلسطين.

• بشكل أو بآخر نعم. أنظر إلى أمريكا وكيف يؤثر اللوبي الصهيوني على نتائج الانتخابات من خلال الأموال السياسية التي يتم إنفاقها من جماعات الضغط، لقد رأينا مثلا كيف قام المال السياسي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وكذلك الاعتراف الأمريكي بالسيطرة الإسرائيلية على الجولان..ألخ من الأحداث.

من الواضح تماما ان هذا النظام أقل ما يقال عنه إنه فاسد، تخيل مثلا كيف يقمع النظام المحكمة الدولية ويمارس ضغطا عليها كي لا تحاكم إسرائيل، ظهر بوضوح أن هناك قوى مهيمنة. راقب زيارات القادة الغربيين إلى إسرائيل، وهم مسيحيون، لكنهم لا يزورن حائط البراق ولا يذهبون إلى كنيسة القيامة أو المهد، هنا ببساطة نسأل: ما هي القصة؟ لماذا يحدث ما حدث؟

○ وفق تلك الرؤية لم تدهشك تسريبات ايبستين مطلقا؟

• أبدا.. بتقديري الشخصي أنهم تمكنوا من السيطرة على وعينا وعلى اللاوعي الخاص بنا أيضا عبر قمعنا، إذا تحدثنا عن نظرية المؤامرة، أو إذا شككنا فيما يحيطنا، وفي أي لحظة تفعل ذلك فإن الاتهامات بكونك غير علمي وغير حقيقي ستنهال عليك، أرى أن أكبر مؤامرة زرع فكرة عدم وجود مؤامرة.. وبتقديري فإن التاريخ هو مجموعة من المؤامرات، وإذا رغبت بعدم استخدام كلمة مؤامرة يمكن استخدام مفردة تخطيط.

بالتالي أرى أن ما جرى ويجري هو تخطيط في غفلة من الضحية. فبعد الانتداب البريطاني الذي كان الهدف منه تهيئة الشعب الفلسطيني والعربي ليحكم نفسه بنفسه خرجنا باحتلال إسرائيل لفلسطين. هذه المؤامرة بدأت تظهر بوضوح خلال فترة حكم ترامب بشكل مباشر تماما، في لحظة التفاوض بين أمريكا وإيران تم التخطيط لقتل من كان يتفاوض معهم، منطق الزعرنة هو المنطق الذي يسود ويحكم العلاقات الدولية.

○ بالعودة لغزة فإنك وصفتها بإنها أدق جهاز لفحص الكذب.. هنا أنت تعلي من قيمة غزة في ضمير العالم، قلت إنها كشفت فصاما واضحا تماما.. أمام ذلك هل هناك من داع لإنتاج قيم بديلة؟

• الغرب متطور تقنيا وفلسفيا وأخلاقيا، لكن هناك مشكلة تدمر كل هذا التطور وهي العنصرية. الغرب المتنفذ في جوهره عنصري، وهذه العنصرية تجعله ضد منظومة حقوق الإنسان، العنصرية تجعله يعتبر أن الفلسطيني غير إنسان. وبالتالي لا تنطبق عليه الحقوق. هذا هو الاستشراق الغربي الذي يرى الشرق إنسانا ناقصا، إنسانا أقل، لا يصل لمرحلة الإنسان الكامل.

أرى أن المركزية الغربية الأخلاقية سقطت، على الأقل سقطت مشروعيتها على المستوى السياسي والفلسفي، مثلا ظل المفكر الألماني هابرماس إنسانا حتى وصل غزة وفلسطين، وقبله المفكر سارتر، بقي إنسانا ومناضلا حتى وصلنا. هنا النتيجة أن شرعية التفوق الغربي أسقطتها غزة.

من ناحية وطنية، فإن غزة حملت رمزية للفلسطينيين، في أيام الطوفان قلت إن فلسطين هي غزة لكونها مثلت روح فلسطين في تلك اللحظة، وحتى تنظيميا كنت أعتبر حماس، التي اختلف معها أيديولوجيا، هي فلسطين، تماما مثلما اعتبرت بعد معركة الكرامة أن فتح هي فلسطين.

○ طالبت في مقدمة كتابك أن يقرأ العنوان للأخير، أي أن يقرأ كاملا.. وطلبت ألا تتم قراءة الكتاب قراءة سياسية، حيث وصفته بإنه كتاب فكري وفلسفي أكثر منه سياسي، ما يزعجك في تلقي البعض للكتاب الذي أراه مشروعا؟

• أنا أتحدث عن مشروع، أسعد عندما يتم نقاش المشروع، وأشعر بالانزعاج، قد يكون ذلك حقي، عندما يأخذ قارئ ما سطرا يقول شيئا ثانويا جدا ويحيل كل الموضوع إليه. أجد ما زال الجانب السلبي من الأيديولوجيا موجودا عند اليسار أكثر من اليمين بشكل عام. أحيانا التعامل مع الأيديولوجيا بأصولية يجعلك تنسى الفكرة الأساسية وتذهب للوسيلة.

أنا مؤمن أنه ليس هناك هدف يمكن أن تصل له بطريق واحدة. بل دوما هناك عدة طرق. هناك من يتزمت في رؤية طريقه الوحيد حيث يعتبر بقية الطرق خطأ، والحقيقة أن ذلك يعمل على نسيان الهدف ويجعلنا نتشبث بالوسائل، مثل النقاش حول منظمة التحرير، شرعية أم غير شرعية، خسرنا فلسطين ونحن نتحدث عن ذلك.

○ الكتاب الأخير نواة لمشروع، هل هناك من تلقف المشروع، ولا سيما وأنك تقول إن التحول في العالم يمكن لنا أن نفسده نحن الفلسطينيين؟

• قلت إن فلسطين صار معناها إنسانيا أكثر، ولها علاقة بالحرية والإنسانية. أما موقف الفلسطينيين ما زال له تأثير في تلقف الناس لمعنى فلسطين وتأثيرها، فلو كنت متضامنا مع شخص وهو غير متضامن مع قضيته، فحتما سيترتب على ذلك حالة إحباط. لكن هناك تحولا، خروج القضية من موضوع التضامن إلى موضوع الفهم الأساس للتحرر العالمي جعل دور الفلسطينيين وتأثيرهم يخف كثيرا سواء سلبا أو إيجابيا، الأكيد أن الرصاصة خرجت من بيت النار، وبالتالي ينظر إلى تصرف من أطلقها على أنه مسألة ثانوية ولن يؤثر كثيرا على من وصلت إليه هذه الرصاصة أو سمع دويها.

○ أمام ذلك التحول العالمي فإن الفلسطينيين ينشغلون في ثنائية صح خطأ، مع وضد، بدل التفكير بالاستثمار في الحدث، نراهم ينخرطون في صراع داخلي لم يتوقف حتى مع الإبادة؟

• الفلسطيني ادخل في ثنائية بدائية، مع الشرعية أو ضد الشرعية، مع أبو مازن أو دحلان..ألخ من الثنائيات، لقد ذهبنا لمساحة من الثنائيات لا تفيد القضية كثيرا، كما انها لا تطور المفهوم الإنساني حولها. فالرمزية التي صنعتها القضية لا تستفيد من هذا الصراع.

○ في ضوء ذلك لك تعبيرات صادمة حول الوحدة الفلسطينية تقول انها «غير ممكنة وغير مطلوبة» لماذا؟

• عندما نتحدث عن الوحدة الوطنية فإن ذلك يعني أن هناك قاعدة مشتركة بين طرفين أو أطراف مختلفة على تفاصيل محددة، الوحدة الوطنية غير ممكنة بين شيئين لا علاقة لهما ببعض. الحديث عن الوحدة تحول من الحديث عن المشروع الفلسطيني إلى اتجاه إداري فني، أصبح نقاشا على إدارة المنظمة والنفوذ بكافة مجالاتها، ولا مرة تم الحديث عن الاتفاق على ما هي طبيعة القضية، وكيف ننطلق في التعامل معها، وبالتالي في ظل هذا الوضع، فإن أي تقارب بين الفئات المختلفة سيكون على حساب القضية الأساسية لصالح امتيازات وتوزيع حصص. وهذا جعلني أعتقد أن الوحدة في هذه الظروف وفي ظل هذا الفهم لن تكون شيئا إيجابيا.

○ بالعودة إلى موضوع الانتخابات الذي بدأنا فيه حديثنا، لك مقولة أنها تعزز الانقسام في ظل الواقع السياسي وسيطرة الاحتلال على السلطة؟

• الانتخابات التي جرت مختلفة عن أي انتخابات سابقة. بتقديري أنها أدت دورها قبل أن تجري. سواء كانت ديمقراطية أو غير ديمقراطية، سواء من نجح أو فشل فيها، فهذه كلها تفاصيل لا يفيد الوقوف عليها. في اللحظة التي وقع فيها المرشح على شرط الإقصاء انتهى الأمر بالنسبة لي، في اللحظة التي ذهب فيها المواطن للتصويت لجهة وقعت على الشرط الذي يقر فيه بالتزامات السلطة ومنظمة التحرير من دون أن يحدث ذلك الإقرار معه أي فرق فإن الأمر بالنسبة لي أصبح منتهيا.

بتقديري في الانتخابات القادمة، في حال حدثت طبعا، فإن هناك خطوات لاحقة بذات المسار، نحن لا نعلم ما هي حاليا، لكن الأكيد أنها ستكون أمرا أكثر سوءا. ففي ظل غياب المشروع الوطني الحقيقي يصبح هناك مجال للفوضى، وأي خطوة من دون معيار للحكم عليها بالصح والخطأ ستعزز الفوضى أيضا.

عن أي فلسطين نتحدث؟ هو سؤال مباشر علينا ان نتفق عليه، من المتوقع بعد فترة أن تعقد انتخابات المجلس الوطني، وهو أمر يجعلني أضع يدي على قلبي، ففي القرار الذي ينص على ذلك جملة «حيثما أمكن».. وهي تنسف كل شيء تقريبا، والسؤال المهم: لماذا الانتخابات؟ ومن أجل ماذا يعمل هذا المجلس؟ هل ترى غير مزيد من التنازل ومزيد من إعطاء الشرعية للتنازل المطلوب.

سأخبرك بأمر لا يعرفه كثيرون، حسب اتفاق أوسلو وأثناء المفاوضات كانت الانتخابات الفلسطينية مطلبا إسرائيليا، حيث أن إسرائيل أصرت على ضرورة القيام بانتخابات، والسبب أنهم أرادوا شرعية لما سيجري على الأرض، ولما سيترتب عليه ما بعد الانتخابات. هنا أقول إن المفروض أن نهتم بما هو أبعد من العنوان، فلأي هدف؟ وما نريد من الانتخابات؟ هذا هو المهم والجوهري.

حاوره: سعيد أبو معلا