بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

انتخابات محلية بريطانية بملامح خارجية وحضور فلسطين وغزة في أجندات المرشحين والمتهمين لهم بمعاداة السامية

انتخابات محلية بريطانية بملامح خارجية وحضور فلسطين وغزة في أجندات المرشحين والمتهمين لهم بمعاداة السامية

كما هو متوقع في انتخابات المجالس المحلية البريطانية قدم الناخب البريطاني موقفه من الحزب الحاكم، حزب العمال وعبر عن خيبة أمله من أداء رئيس الوزراء كير ستارمر. ولكن الحزب الذي وصل إلى السلطة بسبب خيبات المحافظين (توري) وانتصر انتصارا ساحقا، تكبد يوم الخميس هزيمة ساحقة، وصفها ستارمر بأنها «نتائج صعبة»، مع أنها في الحقيقة وضعت مساره السياسي على المحك. وبات عرضة لدعوات تقديم الاستقالة من داخل حزبه أو الموافقة على جدول زمني للخروج من السلطة.

فقد صدقت استطلاعات الرأي التي توقعت أن يخسر الحزب خسارة تاريخية، في ظل وضعها حزب إصلاح بريطانيا المناهض للهجرة في المقدمة، حيث تفوق على الحزب في معاقله التاريخية. وانهار «الجدار الأحمر» أي المناطق الانتخابية في إنكلترا التي ظلت تقليديا موالية للعمال.

ووضعت سياسات ستارمر والعمال بشكل عام الناخب في البلدات والقرى البعيدة أمام خيار التصويت لحزب المحافظين الذي يخسر منذ سنين أو التصويت لحزب الإصلاح بزعامة اليميني المتطرف نايجل فاراج، وهو ما تم فعلا.

أما في المدن والمناطق الحضرية، فقد كان خيار الناخب هو حزب الخضر الصاعد بزعامة زاك بولانسكي، الذي تعرض للهجوم بسبب مواقف حزبه من قضايا البيئة والقضية الفلسطينية والإبادة في غزة.

وتعاضدت مشاعر الاستياء والإحباط، وخاصة تجاه السياسيين الحاليين، المتفشي في جميع أنحاء بريطانيا، للتسبب بكارثة انتخابية للعمال وستارمر. فلم يخسر الحزب معاقله التي سيطر عليها لعقود بل خسر سيادته على السياسة في مقاطعة ويلز لأكثر من قرن، حيث فاز حزب بلايد كوم-ري بالبرلمان المعروف باسم «سينيد». وفي اسكتلندا خسر العمال لصالح الحزب الوطني الإسكتلندي وسيطر على هوليرود.

استفتاء على ستارمر

وبات ستارمر بعد هذه النتائج المخيبة يقود حزبا لم يعد «الحزب الحاكم» فهو في الدرجة الثانية بعد الإصلاح وسيضطر للتعامل مع القوى السياسية الصاعدة في بريطانيا لحين إجراء الانتخابات البرلمانية في عام 2029.

ومع أن التصويت هو عن انتخاب ممثلين لإدارة الحكم المحلي إلا أن الناخب كان يصوت ضد حزب العمال وستارمر التي أظهرته استطلاعات الرأي على أنه واحد من أقل رؤساء الحكومات شعبية في التاريخ البريطاني الحديث، ونظر إلى تصويت يوم الخميس على أنه استفتاء على قيادته.

ونقلت «نيويورك تايمز» عن أستاذة علم السياسة بجامعة أوكسفورد قولها: «إنه رفض قاطع للحزبين الرئيسيين، لكنه لم يأت من فراغ. والسؤال المطروح هو: هل نشهد ما هو أعمق من مجرد تصويت احتجاجي ضد الحزبين الرئيسيين؟ هل تجاوز الناس نقطة اللاعودة؟».

وكما هو متوقع فاز حزب فاراج في المناطق التي صوتت للخروج من أوروبا عام 2016، وتخشى من تراجع مستويات المعيشة وزيادة كلفتها.

أما حزب الخضر الذي أصبح ملاذا لليبراليين الساخطين من حزب العمال فقد فاز في مدن لندن ومانشستر وشيفيلد. ففي بلدية هاكني، شرق لندن، كان حزب العمال يفوز بنسبة 25 نقطة، لكنه خسرها هذه المرة للخضر بنسبة 12 نقطة.

وتجمعت مخاوف الناخب في المناطق البعيدة من الهجرة والتي يقوم حزب الإصلاح بتأجيجها ومشاعر الاستياء من ستارمر بسبب سياسات حكومته الاقتصادية الوسطية، ونهجها المتشدد تجاه الهجرة، وما ينظر إليه على أنه افتقارها للدعم القوي للحقوق الفلسطينية لدفع النظام السياسي إلى الإنهيار.

تشرذم

وبات التشرذم السياسي واقعا وليس أمرا يتم استشرافه في المستقبل، على حد تعبير صحيفة «الغارديان» (8/5/2026) في افتتاحيتها التي قالت إنه وبعد ربع قرن هيمن فيه حزبا العمال والمحافظين على الحياة الانتخابية، تكبّد الحزبان خسائر فادحة في معاقلهما التقليدية.

وانقلبت الأوضاع السياسية رأسا على عقب منذ مطلع القرن: فقد انتزع حزب الإصلاح البريطاني معقل حزب المحافظين في إسكس، معقل كيمي بادينوش، زعيمة المحافظين. وانتزع حزب الخضر سلطة رئاسة بلدية هاكني وليويشام في لندن من حزب العمال؛ وسحق حزب ويلز حزب العمال في برلمان ويلز (سينيد). وقالت إن هذا وكأنه أكثر من مجرد ردة فعل معتادة في انتخابات التجديد النصفي، بغض النظر عن الحزب الحاكم. كان اسم ستارمر واضحا على ورقة الاقتراع، لكنه قوبل برفض قاطع من الناخبين. والسؤال المطروح هو ما إذا كان رئيس الوزراء يستمع إلى الناخبين، أم أنه يسمع ما يناسبه. ويبدو أن العديد من الناخبين غير مقتنعين بأن الحكومة تمثل قطيعة حقيقية مع المحافظين. وقد طالب الناخبون بالتغيير في الانتخابات الأخيرة، وشعروا أن لا حزب العمال ولا حزب المحافظين قادران على تحقيقه. وكشفت هذه الانتخابات عن ناخبين يشعرون بالغربة الشديدة، ليس فقط عن الحكومة أو المعارضة، بل عن النظام السياسي برمته. والمستفيدون بشكل متزايد هم الأحزاب التي تعد بالتغيير، ربما في الخطاب أكثر من الجوهر.

ومن المثير للقلق أن سياسة الإصلاح القائمة على التظلم والانقسام قد أثبتت نجاحها في مناطق «الجدار الأحمر» ما بعد الصناعية – حيث انتزعت مجلس سندرلاند من حزب العمال بعد 50 عاما، وكذلك في المقاطعات الريفية حيث يفضلها ناخبو الخروج من الاتحاد الأوروبي. في الوقت نفسه، شهدت المناطق الحضرية في إنكلترا، من مانشستر إلى ولثام فورست، خسارة حزب العمال لصالح حزب الخضر. وأشارت الصحيفة إلى أن سياسة التهميش لقادة الحزب الشعبيين مثل أندي برنهام الذي منعه ستارمر من العودة للبرلمان وحكم عليه بالمنفى كعمدة مانشستر، تكشف عن سياسة أعمق من حملات التطهير التي قام بها رئيس الوزراء ضد معارضيه في الحزب، وبخاصة اتباع الزعيم السابق جيرمي كوربن الذي التزم مبدئيا بدعم الدولة الفلسطينية وشجب الإبادة في غزة.

ولم يعترف ستارمر بالدولة الفلسطينية إلا في أيلول/سبتمبر 2025 وكان اعترافا رمزيا، فلم يوقف هذا الحملات ضد مؤيدي فلسطين في بريطانيا. وكانت آخر تصريحاته قبل هذه الهزيمة أن الشرطة يمكنها منع تظاهرات مؤيدة لفلسطين إن وجدت أن من قد يشارك فيها سيطلق هتافات معادية للسامية. جاء هذا في أعقاب الهجوم بالسكين بمنطقة يهودية في لندن الأسبوع الماضي.

حملات التشويه

فقد اعتقد ستارمر ومن معه أن حملات التشويه التي مارسها الإعلام المؤيد لإسرائيل ضد سلفه كوربن ستنجح في هزيمة معارضيه، لكنه لم ينجح مع زعيم الخضر، الذي حصل حزبه على نتائج جيدة، رغم تعثره وانتقاده عشية الانتخابات بسبب مزاعم قالها. وكما قال أوين جونز في صحيفة «الغارديان» (8/5/2026) فقد راهنت قيادة حزب العمال على أن حملة تشويه شرسة ضد حزب الخضر ستؤدي إلى انخفاض أصواتهم. ومع ذلك، يبدو أن أنصار زاك بولانسكي في وضع جيد ليحلوا محل حزب العمال في قطاعات واسعة من معاقله الحضرية. كان كير ستارمر يعتقد أنه إذا تمكن من سحق اليسار داخل حزب العمال، فسيكون قادرا على طرده من الحياة السياسية إلى الأبد. لكن حزب الخضر أثبت خطأه.

اليهودية ليست حصنا

بل وزاد الأمر سوءا من الحملة ضد زعيم الخضر أن يهوديته لم تحمه من الحملات الشرسة سواء من العمال أو اليمين المحافظ. وكما قال جونز في «الغارديان» (6/5/2026) فقد تم تجاهل يهودية بولانسكي نظرا لأنه يساري، وبدا بأنه شخصية سياسية لا شرعية لها ويجب احترام هويته أو الاستماع إليها. بل وزاد معلقون بأن ترديده «كذبة» الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة تجرده من شخصية كفاعل سياسي يجب الاستماع إليه باحترام.

لكن بولانسكي ليس اليهودي الوحيد الذي تحدث عن إبادة جماعية في غزة، فهناك كبار الباحثين اليهود الإسرائيليين في مجال الإبادة الجماعية، مثل عمر بارتوف، الذي كتب: «أُدرس الإبادة الجماعية منذ ربع قرن، وأستطيع تمييزها حين أراها».

ويرى جونز أن الهجمات على سياسات بولانسكي، تهدف إلى أمر آخر وهو نزع الشرعية عن الحقوق الفلسطينية التي يسعى للدفاع عنها. فقد زعمت ميلاني فيليبس سابقا: «إن دعمك للقضية الفلسطينية اليوم يسهل كراهية اليهود المتطرفة والقاتلة». وفي فعالية العام الماضي، قالت: «لا وجود لما يسمى بالشعب الفلسطيني، اليهود هم الشعب الوحيد الذي له الحق في أي جزء من هذه الأرض». وإذا كان هذا يترك مجالا للشك، أضافت: «وهم الشعب الوحيد الذي له الحق فيها كلها».

وقال جونز أن هذا يعطي صورة عن الخطاب السياسي البريطاني: قل أي شيء تقريبا عن الفلسطينيين، مهما كان تحريضيا، وستبقى مسيرتك المهنية سليمة. عارض إبادتهم، وستشوه سمعتك.

في اليوم التالي لمقابلته التي استهان بها ببولانسكي، ظهر المذيع في سكاي نيوز، تريفور فيليبس على إذاعة تايمز. قال إن هناك «جماعة إسلامية تسعى لقتل اليهود، وتستغل الجدل الدائر حول الشرق الأوسط كغطاء لنواياها الخبيثة». وأضاف أن حزب الخضر «يستمد دعمه من هذه الجماعة». وإذا نظرنا إلى كلامه بمعزل عن سياقه، نجده سخيفا. لماذا يصوّت إسلاميون متعصبون إلى هذا الحد، يريدون قتل اليهود، لحزب علماني يقوده رجل يهودي مثلي، ويحمل البرنامج الأكثر تقدمية اجتماعيا بين جميع الأحزاب السياسية؟ كيف تتوافق تصريحاته مع إدانات حزب الخضر المتكررة والصريحة لمعاداة السامية؟

متعصبون يقودون بريطانيا

لكن هذا الكلام لا يجدي، فرغم سيطرة اليمين بزعامة فاراج وبشكل كبير على المجالس المحلية إلا إن الهوس باليسار الذي يمثله حزب الخضر يتفاعل ويظهر على عناوين المقالات، خذ هذا العنوان في صحيفة «ديلي تلغراف» (8/6/2026) «متطرفون يستولون على مناطق شاسعة من بريطانيا» حيث صورت كاتبة المقال كلير توميني حزب الإصلاح بأنه حزب محترم وفيه اعضاء معروفون من حزب المحافظين، مع أنها لم تذكر أنهم كانوا من المتطرفين في ولائهم لإسرائيل وشراستهم ضد كل من يؤيد فلسطين.

وجاء في المقال: «يكمن الخطر الحقيقي في حزب الخضر بزعامة زاك بولانسكي، فهم ليسوا مجرد نسخة جديدة من أنصار كوربين، بل هم أسوأ بكثير، هم مزيج سام من سياسات الهوية والهوس بالدول الأجنبية والطائفية التي لا يمكن إخفاءها والتي باتت تمارس نفوذا حقيقيا في الحكم المحلي وينبغي أن تثير مكاسبهم الأخيرة قلق كل من يهتم بمستقبل التماسك الاجتماعي في بريطانيا». وقالت إن حزب الخضر حقق تقدما ملحوظا، لا سيما في المدن الجامعية وأحياء لندن ذات الميول اليسارية. صحيح أن مكاسبهم كانت أقل بكثير من مكاسب حزب الإصلاح، لكن هذه لم تعد مجرد حركة احتجاجية هامشية، بل وقوة سياسية متنامية تسيطر على مقاعد في المجالس المحلية في جميع أنحاء البلاد، حيث تشكل السياسات المحلية في مجتمعات مثقلة أصلا بالتوترات الثقافية، على حد تعبير الكاتبة.

ولعبت الكاتبة على وتر معاداة السامية وتسلل الإسلاميين إلى الحكم حيث قالت: «بالنسبة لأي شخص يشعر بالقلق إزاء الارتفاع الحاد في معاداة السامية منذ 7 أكتوبر 2023، أو يخشى من تسلل الإسلاميين إلى المؤسسات البريطانية، فإن هذه النتائج بمثابة جرس إنذار. أما بالنسبة للناخبين العاديين الذين يعتقدون أن بريطانيا في مأزق مع حدود مفتوحة وخدمات عامة متدهورة وتكاليف طاقة متصاعدة وأزمة سكن متفاقمة؛ فإن صعود حزب الخضر يعد بمثابة جرس إنذار خطير».

والسبب على حد تعبيرها هو فلسطين، فعلى الرغم من التحديات الداخلية التي تواجه بريطانيا، أوضح بولانسكي وبشكل واضح أين تكمن أولويات حزبه الحقيقية وألمح إلى أن هذه الانتخابات المحلية لم تكن يوما تهدف إلى إصلاح بريطانيا: «فلسطين أحد العناصر المطروحة على الاقتراع». بالنسبة للعديد من أعضاء حزب الخضر، كان هذا بمثابة استفتاء على غزة وهو «أمر مثير للسخرية إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الشعب الفلسطيني نفسه محروم من انتخابات حرة ونزيهة لسنوات تحت الحكم الاستبدادي لحركة حماس الإرهابية». وأضافت أن الحزب لم يخف أجندته التي تضمنت مطالبه وقف جميع مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل وحظر الواردات الإسرائيلية ووصف الدولة اليهودية بأنها نظام «فصل عنصري».

ولتأكيد وصمة «الطائفية» وصفت توميني استراتيجية الحزب الانتخابية بأنها مثيرة للسخرية، فقد اختار الحزب بنشاط مرشحين لا يبدو أنهم مهتمون بالقضايا البيئية، وذلك فقط لزيادة الأصوات في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية من المسلمين. وقالت: «هذا تعصب طائفي سافر متستر وراء ستار السياسة التقدمية» و«لم يعد الأمر يقتصر على تنظيف الأنهار والبحار، بل أصبح يشمل كل شيء من النهر إلى البحر، وأكثر من ذلك».

دروس كوربن

واللافت للنظر أن الكاتبة تتعامى، قصدا على ما يبدو، عن أجندة حزب الإصلاح وتصور قادته بالوطنيين، وكما قال جو جيل في موقع «ميدل إيست آي» (8/5/2026 فالتباين مع معاملة الإعلام لزعيم حزب الإصلاح فاراج، دليل واضح، فعلى مدى عقدين من الزمن، حظي فاراج بحملة دعائية مجانية متواصلة من قِبل بعض وسائل الإعلام اليمينية، وهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». ويعد تكرر ظهور فاراج في برنامج «سؤال وجواب» الرئيسي على قناة بي بي سي مثالا واحدا فقط على مدى ولع وسائل الإعلام التقليدية بالزعيم اليميني الشعبوي.

وازداد هذا الدعم الإعلامي وضوحا في عام 2024 عندما بات جليا أن حزب المحافظين قد مني بهزيمة ساحقة. وفي المقابل، يعد ظهور الشخصيات اليسارية البارزة نادرا. وتتسم معاملتهم في وسائل الإعلام بالعداء شبه التام. لقد سيطر فاراج على زمام الأمور في أغلب الأحيان.

وفي الوقت نفسه، انخرط بولانسكي مع وسائل الإعلام منذ فوزه الساحق في انتخابات زعامة الحزب في ايلول/سبتمبر الماضي، مستخدما مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي بفعالية كبيرة، ومغتنما أي فرصة للتحدث إلى كبرى المحطات الإذاعية والتلفزيونية، متجاهلا محاولاتها الدؤوبة لتقويض مكانته. وقبل عقد من الزمن، أدى فوز جيريمي كوربن المفاجئ في انتخابات زعامة حزب العمال إلى فترة من الاضطرابات السياسية، ورد فعل إعلامي عنيف ومنظم ضد الزعيم اليساري. وفي نهاية المطاف، كانت تهمة معاداة السامية داخل حزب العمال الذي ينتمي إليه كوربن هي السلاح الأكثر فعالية الذي وجده خصومه في المؤسسة السياسية، حيث وصفوا المناهض للعنصرية طوال حياته بالعنصري، يوما بعد يوم، حتى أصبحت هذه التهمة حقيقة مسلم بها.

واليوم يقول جيل إن استراتيجية معارضي صعود بولانسكي ونسخته اليسارية من حزب الخضر، تكاد تكون متطابقة: اتهام الزعيم اليهودي الوحيد في بريطانيا بأنه صديق للإسلاميين وقائد حزب معاد للسامية. ويواجه بولانسكي، أكثر من كوربن، عاصفة التدقيق الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي بشجاعة، مدافعا عن موقفه، رافضا قبول التأطير الإعلامي السلبي ومروجا لأجندة حزب الخضر الجريئة التي تشمل ضرائب الثروة وضوابط الإيجارات وتأميم المرافق العامة الرئيسية ومعارضة الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة. وقد ازدادت حدة حملة الإغتيال المعنوي ضده في الأيام التي سبقت انتخابات المجالس المحلية والبرلمانية يوم الخميس، وتخللتها معاداة صريحة للسامية ضد الزعيم اليهودي، تجلت بوضوح في رسوم كاريكاتورية فجة له تذكر برسوم ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، نشرت في صحف مثل صحيفة «التايمز»، والمفارقة الصارخة في اتهام وسائل الإعلام لبولانسكي بمعاداة السامية، بينما تستخدم في الوقت نفسه عبارات ورسوما كاريكاتورية معادية للسامية ضده، تظهر مدى فظاظة هذه الحملة وانعدام نزاهتها. ورغم اعتراف بولانسكي بأخطائه على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل مشاركته منشورا ينتقد فيه ضابط شرطة العاصمة لركله المعتدي في غولدرز غرين، أو مبالغته المزعومة في وصف دوره كمتحدث باسم إحدى الجمعيات الخيرية قبل سنوات عديدة، إلا أن وسائل الإعلام تستخدم كل ما لديها من تجاوزات سابقة، بعد أن استنفدت قصةً ملفقة من صحيفة «ذا صن» حول قدرته على تنويم النساء مغناطيسيا لتكبير الثدي، في إشارة إلى مهنته. وقاد وزير العمل المتشدد، ستيف ريد، حملة مطاردة شبيهة بتلك التي طهرت اليساريين في حزب العمال، ولكن هذه المرة ضد حزب الخضر، مما أدى إلى اعتقال مرشحين اثنين من حزب الخضر في لندن بتهمة خطاب الكراهية المعادي للسامية.

وقد عانى كوربن من المعاملة نفسها تماما، وكانت استطلاعات الرأي الشخصية التي تلقاها كزعيم سلبية دائمًا (وهذا ليس مفاجئا نظرا للهجمات الإعلامية السلبية المتواصلة)، ومع ذلك فقد فاز بنسبة 40 في المئة من الأصوات في الانتخابات العامة لعام 2017. ويمكن لبولانسكي أن يستمد القوة من هذا التاريخ، وأن يتعلم من أخطاء حزب العمال بقيادة كوربن. لا تقبلوا بالرواية الإعلامية ولا تعتذروا إلا إذا كان لديكم سبب وجيه واستمروا في الترويج للسياسات التي تتبنونها والتي هي سبب كراهية المؤسسة لكم. لا تختبئوا. وقال جيل إن التحقق من المرشحين للتأكد من خلوهم من معاداة السامية والعنصرية أمر ضروري أما التحقق من نقدهم لإسرائيل فلا. ومع اكتساح حزب الإصلاح لأجزاء واسعة من إنكلترا في الانتخابات المحلية، وخسارة حزب العمال الفادحة، يرجح أن يكون الحزب المعادي للمهاجرين، والممول من صناعة الوقود الأحفوري، الأوفر حظا لقيادة أول حكومة يمينية متطرفة في المملكة المتحدة بحلول عام 2029. وبإمكان حزب الخضر، بالتحالف مع قوى تقدمية أخرى، وربما بما في ذلك حزب العمال بعد ستارمر وتخلص الحزب من نزعته التدميرية على طريقة بلير، منع الإصلاح ومؤيديه.


إبراهيم درويش