نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا قالت فيه إن محاكمة أزلام نظام الرئيس السابق بشار الأسد بدأت، مع أن البعض يخشى أن تكون الإجراءات متسرعة جدا لدرجة قد تفقدها مصداقيتها.
فقبل 15 عاما، كان عاطف نجيب، رئيس أمن درعا آنذاك، المدينة الواقعة جنوب سوريا، يجسد وحشية نظام بشار الأسد، الديكتاتور الذي أُطيح به عام 2024. وعندما لجأ أهالي الأطفال الذين اعتقلوا خلال احتجاجات المدينة عام 2011 إليه وناشدوه الرأفة بهم، دعاهم إلى أن ينسوا أبناءهم ويعودوا إلى بيوتهم وينجبوا غيرهم.
وعلى مدى 14 عاما، توسعت الوحشية في درعا والقمع وسفك الدماء لتعم جميع البلاد.
والآن، يجلس نجيب في قفص الاتهام بمحكمة في العاصمة دمشق، مرتديا زي السجن الأبيض والأسود، حيث يواجه تهم القتل والتعذيب وتدبير المجازر.
وتقول مرام أبازيد، التي كانت مراهقة في درعا عام 2011، وشاهدت اعتقال أصدقائها: “لقد انتظرنا هذه اللحظة منذ بداية الثورة”. وهي الآن إحدى المحاميات اللاتي يمثلن ضحايا نجيب في أول محاكمة لمسؤولي عهد الأسد في سوريا. وبينما كان الادعاء يتلو أسماء ضحاياه خلال جلسة استماع تمهيدية في 26 نيسان/أبريل، حدقت أبازيد في وجهه وقالت: “كان يعلم تماما من يواجه، وكان يعلم أي الأطفال اعتقل”.
وفي 10 أيار/مايو، نفى نجيب جميع التهم الموجهة إليه، وحمل أجهزة الأمن السورية الأخرى مسؤولية القمع في درعا.
وهو ابن عم الأسد، وقد أُلقي القبض عليه في مداهمة في كانون الثاني/يناير 2025، ويعتبر أبرز شخصية في النظام السابق محتجزة لدى حكومة أحمد الشرع، زعيم المعارضة الذي أطاح بالأسد، وأصبح الآن رئيسا لسوريا.
قضية نجيب تجسد الصعوبات التي تواجه الحكومة والمحامين المتعاطفين معها في محاسبة أشخاص مثله
وتضيف المجلة أن قضية نجيب تجسد الصعوبات التي تواجه الحكومة والمحامين المتعاطفين معها في محاسبة أشخاص مثله. ففي العام الماضي، أعلن الشرع عن تشكيل لجنة للعدالة الانتقالية، وسط ضجة إعلامية.
ومع ذلك، يشعر كثير من السوريين بأن أداءها حتى الآن كان دون المستوى المطلوب، فقد كان البعض يأمل في تطبيق العدالة على جميع الأطراف، بما في ذلك المتمردون الذين ارتكبوا جرائم. ومن شأن هذا أن يشمل محاسبة بعض رفاق الشرع. إلا أن نهج الحكومة، كما تقول المجلة، كان انتقائيا، فإلى جانب عدم التدقيق في صفوفها، وجدت في بعض الأحيان أنه من المناسب تجنيد بعض المتورطين في جرائم الأسد. ومع تعثر عمل اللجنة، ازداد الضغط على الحكومة لتحقيق المساءلة. وقد انتشر العنف الطائفي وأعمال الانتقام المميتة في المناطق الريفية خارج دمشق، التي تعد معقلا لأنصار الأسد.
ونقلت المجلة ما قاله أحد المحامين: “يشعر الناس أن الحكومة لا تبالي بالعدالة الانتقالية، لذا فهم يأخذون القانون بأيديهم”. وتعتقد المجلة أن محاكمة نجيب قد تكون محاولة من الحكومة لكبح جماح هذه النزعات من خلال إرساء العدالة السريعة. وقد رفعت الدعوى وزارة العدل، مستندة إلى النظام القانوني القائم في دمشق، بدلا من قانون العدالة الانتقالية الجديد الذي تعمل اللجنة على إعداده.
ومع ذلك، يبقى من غير الواضح نوع العدالة التي ستحققها المحاكمة، إن وجدت أصلا، ذلك أن 5 عقود من حكم الأسد وعائلته أفسدت النظام القضائي في سوريا.
ولا يتضمن قانونها أي نص يجرم الجرائم ضد الإنسانية أو يحدد المسؤولية القيادية أو غير المباشرة عن الجرائم.
ويقول القضاة إنهم سيتمكنون من الاستناد إلى المعاهدات التي وقعتها سوريا، ولا سيما اتفاقيات جنيف واتفاقية مناهضة التعذيب. لكن إدانة أمثال نجيب لن تكون سهلة.
كما يشعر بعض المحامين بالقلق من بدء المحاكمة قبل مناقشة الإطار القانوني لها علنا والاتفاق عليه. وتقول نوشا قبوات، المتخصصة في العدالة الانتقالية والتي حضرت الجلسة الأولى، إن هذه العجلة غير المبررة تهدد بتقويض شرعية المحاكمة.
فبسبب التسرع في إنهاء الإجراءات، “نميل إلى تجاهل ضمان اتساق التحقيقات والملاحقات القضائية، وفي نهاية المطاف هذه المحاكمات، مع الإجراءات القانونية الواجبة، واستيفائها لمعايير المحاكمة العادلة”.
وبالنظر إلى تاريخ سوريا الحديث، كان تحقيق العدالة أمرا معقدا منذ البداية. وترى أبازيد أن من المهم إجراء المحاكمات، بغض النظر عن أي ثغرات قانونية. وتقول: “تمثل هذه المحاكمات لحظة تاريخية، ليس فقط من الناحية القانونية، بل من الناحية الإنسانية أيضا، فهي تقر بمعاناة الضحايا وترسل رسالة واضحة مفادها أن دماء السوريين ليست رخيصة”.
