ربطت دراسة أجريت حديثاً وشملت أكثر من 37 ألف شخص بالغ، بين حجم المخيخ داخل الدماغ وبين المرونة الذهنية.
ووجد الباحثون أن المخيخ، وهو ذلك الجزء المعروف بـ«الدماغ الصغير» والمستقر عند قاعدة الجمجمة، قد يساعد في الحفاظ على حدة ذكائنا مع تقدمنا في العمر.
وحسب تقرير نشره موقع «ساينس نيوز» العلمي المتخصص، واطلعت عليه «القدس العربي»، فقد أفاد باحثون بأن مناطق في الجزء الخلفي من المخيخ، والتي قاومت الانكماش المصاحب للتقدم في العمر، ارتبطت بأداء ذهني أو إدراكي أفضل، حتى لدى الأشخاص في المراحل المبكرة من مرض الزهايمر.
ورغم أن المخيخ كان يُعتبر تقليدياً مركزاً للتحكم في الحركة، إلا أن العلماء يدركون الآن أنه يلعب دوراً رئيسياً في العمليات الإدراكية. كما يعلم الباحثون أن أجزاء المخيخ لا تشيخ بوتيرة موحدة، إلا أن دراسة شيخوخة المخيخ تُعد مجالاً بحثياً جديداً نسبياً.
وفي هذه الدراسة الجديدة، قام الفريق أولاً بتحليل صور للدماغ ونتائج اختبارات إدراكية لأكثر من 700 شخص بالغ في الولايات المتحدة، جُمعت بياناتهم ضمن «مشروع الموصلوم البشري»، وهي مبادرة لرسم خرائط الدماغ. وقاست الاختبارات قدرات شملت الذاكرة قصيرة المدى، والانتباه، واللغة، وتصور الأجسام ثلاثية الأبعاد.
وقد ظهر اتجاه واضح: إذ يميل حجم المخيخ إلى الصغر مع التقدم في العمر، ولكن كلما كان حجم المخيخ أكبر، لا سيما في المناطق الخلفية منه، ارتفعت درجات الاختبارات الإدراكية.
وأشار فريدريك دُوليير أوكيياس، عالم الأعصاب في جامعة برينستون وزملاؤه، إلى أن هذا النمط ظل ثابتاً حتى بعد أخذ التفاوت في المستويات التعليمية بين المشاركين في الاعتبار.
ووجد الباحثون الرابط نفسه لدى أكثر من 35 ألف شخص بالغ مسجلين في «البنك الحيوي للمملكة المتحدة»، وهي قاعدة بيانات طبية حيوية.
ويقول دُوليير أوكيياس إن النتائج تشير إلى أن كبر حجم المخيخ يساهم في الحفاظ على القدرات الإدراكية مع التقدم في العمر. كما أكد الباحثون أن صور المخيخ الأكبر حجماً أظهرت وجود كمية أكبر من أنسجة الدماغ والروابط بين الخلايا العصبية، مما قد يفسر هذا التأثير الوقائي.
ولمعرفة ما إذا كان هذا النمط يستمر في حالات الإصابة بأمراض الدماغ، لجأ الفريق إلى بيانات تخص حوالي 1350 شخصاً بالغاً من الولايات المتحدة وكندا ضمن «مبادرة التصوير العصبي لمرض الزهايمر». ومن بين هؤلاء، كان 644 شخصاً قد تراكمت لديهم بالفعل مستويات عالية من لويحات الأميلويد، التي تُعد سمة مميزة للمرض. وفي المراحل المبكرة من مرض الزهايمر، وقبل حدوث تراكم كبير للويحات الأميلويد، ارتبط كبر حجم المخيخ بمستوى أعلى في الاختبارات المعرفية.
ويشير الباحث دي أوليري أوكيياس، إلى أن المخيخ قد يعمل -إلى حد ما- على تعويض بعض الأضرار الناجمة عن مرض الزهايمر.
وتقول عالمة النفس العصبي فونيتا دوتسون، من مستشفى «بريغام آند ويمنز» في بوسطن، والتي لم تشارك في هذه الدراسة، إن هذا البحث يُعد واحداً من أكبر الدراسات وأكثرها شمولاً فيما يتعلق بشيخوخة المخيخ. والجدير بالذكر أن دوتسون هي مؤسسة شركة تقدم خدمات التقييم والاستشارة والتدخلات الرامية إلى تعزيز صحة الدماغ لدى كبار السن.
وتضيف دوتسون: «كلما زاد فهمنا لدور المخيخ في كل من الشيخوخة الطبيعية والمرض، تمكنا بشكل أفضل من تحديد ما إذا كان ينبغي استهدافه علاجياً في الحالات الطبية المختلفة».
ومع ذلك، لا يستطيع فريق البحث في الوقت الراهن الجزم بأن كبر حجم المخيخ هو السبب وراء تحسن القدرات المعرفية في مرحلة الشيخوخة. كما أن النتائج قد لا تكون قابلة للتعميم؛ إذ إن غالبية بيانات الدراسة استُمدت من أشخاص بيض البشرة يتمتعون بمستويات تعليمية عالية.
غير أن فكرة اعتبار المخيخ بمثابة «احتياطي معرفي» تمنح دي أوليري أوكيياس شعوراً بالتفاؤل بشأن آفاق الشيخوخة وصحة الدماغ؛ إذ يقول: «الأمر لا يقتصر على الجوانب القاتمة والمحبطة فحسب، بل ثمة أمل».
