أعادت مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وليبيا عام 2019 بشأن تحديد مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط، الخلافات بين القاهرة وأنقرة حول ترسيم الحدود البحرية وحقوق استكشاف الغاز إلى الواجهة، كما سلطت الضوء على تباينات في حسابات القاهرة والقوى المسيطرة في شرق ليبيا، في ظل تحولات تشهدها علاقات الأطراف الليبية بالقوى الإقليمية.
وصوّت مجلس النواب الليبي، الثلاثاء الماضي، بالإجماع، على المصادقة على مذكرة التفاهم، بعد أن كان قد رفضها عام 2020، كما ألغى قراريه السابقين بشأن رفض المصادقة على المذكرة وقطع العلاقات السياسية مع تركيا.
وبعد نحو سبع سنوات من توقيع المذكرة في إسطنبول يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، حظي الاتفاق بموافقة البرلمان الليبي، في تحول لافت في موقف المؤسسة التشريعية التي عارضته سابقاً، وسط تساؤلات بشأن تداعيات الخطوة على علاقات ليبيا بدول شرق المتوسط.
تأتي المصادقة عقب انتخاب الصالحين عبد النبي، الذي سبق أن ترأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية، رئيساً لمجلس النواب خلفاً لعقيلة صالح
وتأتي المصادقة عقب انتخاب الصالحين عبد النبي، الذي سبق أن ترأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية، رئيساً لمجلس النواب في السادس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، خلفاً لعقيلة صالح.
وتحدد المذكرة مناطق الاختصاص البحري بين ليبيا وتركيا في البحر المتوسط، وتنبع أهميتها من ارتباطها بالنزاع الأوسع بين مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وتركيا بشأن ترسيم الحدود البحرية وحقوق استكشاف الموارد الطبيعية في شرق المتوسط.
وتعترض مصر واليونان وقبرص على الاتفاق، وترى أنه يتجاهل حقوقها البحرية، فيما تتمسك أنقرة بأنه يحمي الحقوق والمصالح المشتركة لتركيا وليبيا.
وتأتي المصادقة في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية التركية تحسناً نسبياً، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة البلدين على احتواء الخلاف حول الاتفاق، والحيلولة دون تأثيره على مسار التقارب بينهما.
وأعلنت مصر رفضها القاطع لمصادقة البرلمان الليبي على مذكرة التفاهم، مؤكدة أنها “باطلة بطلاناً مطلقاً ومعدومة الأثر القانوني”، وأن تصديق المجلس الليبي عليها لا يترتب عليه أي آثار قانونية بالنسبة إلى القاهرة.
وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، إن المذكرة تخالف مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري على أساس مبادئ العدل والإنصاف.
وأضافت أن المذكرة تنطوي على مساس واضح بالحقوق السيادية المصرية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري.
وذكّرت القاهرة بأنها سبق أن اعترضت بصورة قاطعة على المذكرة، مجددة رفضها أي إجراءات أو تصرفات تصدر عن أي طرف استناداً إليها وتتعارض مع الحدود البحرية المصرية المعلنة.
وأكدت احتفاظها بحقها في حماية مصالحها وحقوقها التي يكفلها القانون الدولي، والتصدي لأي محاولات للإخلال بها.
في المقابل، قال السفير التركي لدى القاهرة، صالح موطلو شن، الأربعاء، إن بلاده لا تعتقد أن قرار مجلس النواب الليبي المصادقة على الاتفاق كان يستهدف الإضرار بمصالح مصر، مشدداً على رفض أنقرة تحويل الملف إلى أزمة مع القاهرة.
وفي تصريحات تلفزيونية لبرنامج “مدار الغد”، الذي يقدمه الإعلامي عمرو عبد الحميد، أعرب عن ترحيب بلاده بمصادقة البرلمان الليبي على الاتفاق، مؤكداً أن لكل دولة حرية التصرف عندما يتعلق الأمر بمصالحها القومية، مستبعداً نشوب أزمة بين مصر وتركيا على خلفية القرار.
سفير أنقرة في القاهرة قال إن بلاده تنظر إلى مصر باعتبارها دولة شقيقة تجمعها بها علاقات تاريخية، واصفاً تركيا بأنها الصديق الأبدي لمصر
وقال إن بلاده تنظر إلى مصر باعتبارها دولة شقيقة تجمعها بها علاقات تاريخية، واصفاً تركيا بأنها الصديق الأبدي لمصر، مؤكداً أن أنقرة تعتبر المكاسب التي تحققها القاهرة مكاسب لها أيضاً.
وأضاف أن هناك تشاوراً وتنسيقاً مستمرين بين البلدين بشأن الملفات المتعلقة بالأزمة الليبية، على المستويين العسكري والسياسي، مشيراً إلى حرص أنقرة على مناقشة الشأن الليبي مع القاهرة والعمل معها للحفاظ على وحدة ليبيا واستقرارها.
وتعكس التصريحات التركية محاولة لاحتواء التداعيات السياسية للخطوة الليبية، ومنع انتقال الخلاف بشأن الحدود البحرية إلى مسار العلاقات الثنائية بين القاهرة وأنقرة.
فقد شهدت العلاقات المصرية التركية تقارباً خلال السنوات الماضية، بعد سنوات من الفتور أعقبت الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي عام 2013، على خلفية الخلافات السياسية بين البلدين، واستضافة تركيا معارضين مصريين، وإطلاق قنوات معارضة من أراضيها.
ووصف مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، معصوم مرزوق، مصادقة البرلمان الليبي على مذكرة التفاهم بأنها “تطور غير ودي”، معتبراً أنها تحمل تأثيرات سلبية على المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية في البحر المتوسط.
وتساءل عن المصلحة الليبية في اتخاذ هذه الخطوة، داعياً مصر إلى تسجيل اعتراضها لدى الأمم المتحدة وفقاً لاتفاقية قانون البحار لعام 1982.
واقترح إرسال مذكرة احتجاج رسمية عبر وزارة الخارجية إلى حكومتي تركيا وليبيا، تتضمن رفض مصر أي مساس بحقوقها البحرية وعدم اعترافها بأي خطوط ترسيم تتقاطع مع منطقتها البحرية، مع الدعوة إلى تسوية النزاع بالطرق الودية.
وفي حال تعذر التوصل إلى تفاهم، اقترح إيداع اعتراض رسمي لدى الأمم المتحدة من خلال رسالة يوجهها المندوب المصري الدائم إلى الأمين العام، مع طلب تعميم الوثيقة على الدول الأعضاء ونشرها في نشرة قانون البحار، بما يوثق الموقف المصري ويحافظ على حقوقه القانونية.
ولفت إلى إمكانية اللجوء إلى آليات تسوية المنازعات البحرية الدولية إذا تعذر التوصل إلى تفاهم، مشدداً على أن سلامة الخرائط التي تستند إليها المطالب المصرية تظل عاملاً أساسياً في إثبات الحقوق البحرية.
شهدت العلاقات بين القاهرة واللواء المتقاعد خليفة حفتر توتراً خلال الفترة الماضية، في ظل تحركات نجله صدام حفتر لفتح قنوات اتصال مع أطراف مختلفة
ولا تقتصر تداعيات المصادقة على الخلاف القانوني والبحري، بل تمتد إلى الحسابات السياسية في ليبيا.
وحسب مصادر مصرية، شهدت العلاقات بين القاهرة واللواء المتقاعد خليفة حفتر توتراً خلال الفترة الماضية، في ظل تحركات نجله صدام حفتر لفتح قنوات اتصال مع أطراف مختلفة، بينها روسيا وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة، في إطار محاولات الحصول على دعم خارجي لتولي الرئاسة في ليبيا.
ويأتي تصديق البرلمان على مذكرة التفاهم مع تركيا في هذا السياق، ليضيف بُعداً جديداً إلى حسابات القاهرة في ليبيا، خصوصاً أن المؤسسة التشريعية في شرق البلاد كانت قد رفضت الاتفاق عام 2020، واتخذت قراراً بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة، قبل أن تتراجع عن القرارين وتقر المذكرة بالإجماع.
وعملت مصر خلال السنوات الماضية على تعزيز تعاونها في مجال الطاقة مع إسرائيل وقبرص واليونان، مستفيدة من موقعها في شبكات نقل الغاز وتسييله وتصديره.
وتعزز هذه الشراكات موقع القاهرة في معادلات الطاقة الإقليمية، كما تكتسب أهمية في ظل سعي الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر إمداداتها وتعزيز التعاون مع دول شرق المتوسط.
