بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

دا سيلفا… من عامل مصنع إلى ولاية رئاسية رابعة

دا سيلفا… من عامل مصنع إلى ولاية رئاسية رابعة

واشنطن: توج لويس إيناسيو لولا دا سيلفا مسيرة سياسية حافلة بالتحولات بفوزه بولاية رئاسية رابعة، بعدما بدأ حياته عاملا في مصنع، ومر بمحطات الصعود إلى الحكم والسجن والعودة إلى السلطة.

وحصل دا سيلفا، مرشح حزب العمال، على 51.79 بالمئة من الأصوات الصحيحة في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد، أمس الأحد، مقابل 48.21 بالمئة لمنافسه السيناتور فلافيو بولسونارو، وفق النتائج النهائية للمحكمة الانتخابية العليا في البرازيل.

وحصد دا سيلفا أكثر من 64 مليونا و256 ألف صوت، مقابل نحو 59 مليونا و826 ألفا لبولسونارو.

وكان بولسونارو تصدر الجولة الأولى التي جرت في 4 تشرين الأول/ أكتوبر بحصوله على 47.03 بالمئة من الأصوات الصحيحة، مقابل 45.16 بالمئة لدا سيلفا.

وبفوزه، أصبح دا سيلفا أول مرشح رئاسي في البرازيل يقلب نتيجة الجولة الأولى ويتفوق على منافسه في الجولة الثانية منذ اعتماد نظام الجولتين عام 1989.

وتصدرت قضايا تكاليف المعيشة والأمن العام والفساد والسياسة الخارجية الحملة الانتخابية، ولا سيما العلاقات المتوترة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

من عامل مصنع إلى الرئاسة

وُلد دا سيلفا في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 1945 بمدينة غارانهونس في ولاية بيرنامبوكو شمال شرقي البلاد، ونشأ في أسرة فقيرة قبل أن ينتقل مع عائلته إلى ساو باولو ويبدأ العمل في سن مبكرة.

وبدأ العمل في أحد المصانع خلال شبابه، وتلقى تدريبا مهنيا في مجال الصناعات المعدنية، قبل أن يفقد إصبعا في حادث عمل.

وخلال فترة الحكم العسكري، انخرط دا سيلفا في الحركة النقابية، ثم تولى رئاسة نقابة عمال المعادن في ساو برناردو دو كامبو، أحد المراكز الصناعية قرب ساو باولو.

واكتسب شهرة على المستوى الوطني بعد قيادته إضرابات عمالية واسعة أواخر سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يشارك عام 1980 في تأسيس حزب العمال إلى جانب نقابيين ومثقفين يساريين ومعارضين للحكم العسكري.

وانتُخب عام 1986 نائبا اتحاديا عن ولاية ساو باولو، وترشح للرئاسة أعوام 1989 و1994 و1998 دون أن يفوز، قبل أن ينتصر في انتخابات 2002 ويتولى منصبه في كانون الثاني/ يناير 2003.

وخلال ولايتيه الرئاسيتين الأوليين، سجلت البرازيل ارتفاعا في الصادرات والنمو الاقتصادي، فيما أسهمت برامج اجتماعية، أبرزها “بولسا فاميليا”، في تقديم مساعدات مالية لملايين الأسر ذات الدخل المنخفض.

وتراجعت معدلات الفقر بصورة ملحوظة، غير أن تلك المرحلة شهدت أيضا فضائح فساد تورط فيها مسؤولون كبار ونواب.

وبعد استنفاده الحد الدستوري الذي يسمح للرئيس بتولي ولايتين متتاليتين كحد أقصى، خلفته حليفته السياسية ديلما روسيف عقب فوزها بانتخابات 2010.

السجن والعودة إلى السياسة

تعرض المسار السياسي لدا سيلفا لانتكاسة خلال التحقيقات الواسعة في قضية الفساد المعروفة باسم “لافا جاتو” أو “غسيل السيارات”، التي حوكم خلالها سياسيون ورجال أعمال بتهم الرشوة وغسل الأموال.

وأُدين دا سيلفا بتهم فساد وغسل أموال ودخل السجن في نيسان/ أبريل 2018، ما حال دون مشاركته في الانتخابات الرئاسية التي جرت في العام نفسه.

وبعد قضائه 580 يوما في السجن، أُفرج عنه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019.

وفي 2021، ألغت المحكمة العليا البرازيلية الأحكام الصادرة بحقه على أساس أن المحكمة التي نظرت في القضايا لم تكن مختصة بها، كما خلصت إلى أن القاضي السابق سيرجيو مورو أظهر “تحيزا” في إحدى المحاكمات.

وأتاحت تلك القرارات لدا سيلفا استعادة حقوقه السياسية والعودة إلى السباق الانتخابي.

وفي انتخابات 2022، تغلب بفارق ضئيل على الرئيس آنذاك جايير بولسونارو، بعدما حصل على نحو 50.9 بالمئة من الأصوات الصحيحة، ليتولى رئاسة البلاد للمرة الثالثة.

وبعد أسبوع من أدائه اليمين الدستورية في كانون الثاني/ يناير 2023، اقتحم أنصار بولسونارو مباني الكونغرس والمحكمة العليا والقصر الرئاسي في برازيليا، في محاولة لقلب نتيجة الانتخابات.

الولاية الثالثة والداخل

خلال ولايته الثالثة، أعطى دا سيلفا الأولوية للحد من الفقر وزيادة الإنفاق الاجتماعي والاستثمارات العامة وحماية البيئة، بالتوازي مع مساعيه للحفاظ على الاستقرار المالي.

ووسعت حكومته برامج المساعدات الاجتماعية واتخذت خطوات لتعزيز الأجور والتوظيف، إلا أن المخاوف المتعلقة بتكاليف المعيشة والإنفاق الحكومي وجرائم العنف أثرت سلبا على شعبيته.

كما واجهت حكومته صعوبات في تمرير بعض مشروعاتها داخل الكونغرس، في ظل النفوذ الواسع لأحزاب الوسط والمحافظين.

وخلال حملته للولاية الرابعة، تعهد دا سيلفا بمواصلة برنامج “بولسا فاميليا”، وزيادة عدد المساكن بأسعار ميسرة، وتعزيز قطاعي الصحة العامة والتعليم.

وشملت تعهداته الاقتصادية فرض ضرائب أكبر على أصحاب الدخل المرتفع، ومواصلة الاستثمار في البنية التحتية، ودعم الإنتاج المحلي، والاستمرار في رفع الحد الأدنى للأجور.

وفي الملف البيئي، تعهد بإنهاء إزالة الغابات بحلول عام 2030، بالتزامن مع استمرار دعم أنشطة تطوير النفط والغاز الطبيعي.

لكن فوزه في الانتخابات لا يعني سيطرة حزبه على الكونغرس، ما يضع حكومته أمام ضرورة التفاوض مع قوى سياسية أخرى لتنفيذ تعهداتها المتعلقة بالإصلاحات الضريبية والإنفاق الاجتماعي والأمن العام والتشريعات البيئية.

السياسة الخارجية

اتجه دا سيلفا خلال رئاسته إلى تعزيز التعاون مع الاقتصادات الصاعدة عبر مجموعة “بريكس”، وعمل على توثيق العلاقات مع الصين، ودافع عن اضطلاع البرازيل بدور دبلوماسي أكثر فاعلية على الساحة الدولية.

وبدأت مجموعة “بريكس” عام 2009 كمنتدى يضم الصين وروسيا والبرازيل والهند تحت اسم “بريك”، ثم تغير اسمها إلى “بريكس” عام 2011 بانضمام جنوب إفريقيا.

وتحولت المجموعة إلى تكتل يضم 10 دول بعد انضمام مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات عام 2024 وإندونيسيا عام 2025.

كما انتقد دا سيلفا حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، وأعلن دعمه لدولة فلسطين، ودعا إلى حل النزاعات الدولية عبر المفاوضات.

وتوترت علاقات البرازيل مع الولايات المتحدة على خلفية فرض الرئيس دونالد ترامب رسوما جمركية على البضائع البرازيلية، ودعمه العلني للرئيس السابق جايير بولسونارو.

واتهم دا سيلفا واشنطن بالتدخل في الشؤون الداخلية للبرازيل، وجعل الدفاع عن السيادة الوطنية أحد المحاور الرئيسية لحملته الانتخابية.

وجاء فوزه في ظل صعود قوى محافظة في عدد من دول أمريكا اللاتينية، ما يمنح استمراره في الحكم ثقلا إضافيا لتيار اليسار في المشهد السياسي الإقليمي.

ومن المقرر أن تبدأ الولاية الرئاسية الرابعة لدا سيلفا، ومدتها 4 سنوات، في 5 كانون الثاني/ يناير 2027.

(الأناضول)